على الرغم من السمعة الشائعة عنهم بأنهم أناس سذج يأكلون اللحوم، إلا إن الأبحاث الأخيرة أظهرت أمورًا جديدة عنهم تنسف هذه المعتقدات والنظرة السطحية لهم. فبعض البشر البدائيين اتبعوا بالفعل نظامًا غذائيًّا نباتيًا، كما يبدو أنهم استخدموا الأشكال الطبيعية من البنسلين والأسبرين لعلاج الالتهابات والألم.

بحث جديد

تمكن باحثون من العثور على مادة البلاك (plaque) مثبتًا على الأسنان المتحجرة للبشر البدائيين الذين عاشوا في القارة الأوروبية، وتحديدًا منطقة أستورياس في إسبانيا بالإضافة إلى إحدى مناطق بلجيكا، والتي يعود تاريخها إلى قرابة 50 ألف سنة. وفي عرض مذهل يبين مدى الإدهاش الذي يمكن أن يكون عليه العلم، كان فريق من الباحثين من إسبانيا وأستراليا والمملكة المتحدة قادر على استخراج الحمض النووي من هذه المادة التي غالبًا ما تضم بقايا الطعام، وهو ما سمح لهم بمعرفة ما كان يأكله هؤلاء الأشخاص.

والمعتقد بشكل عام عن الإنسان البدائي أنه شخص متحمس هائج وآكل للحوم، وبعد تحليل البقايا التي عثر عليها في بلجيكا، كشف الباحثون عن وجود الحمض النووي لوحيد القرن الصوفي والأغنام البرية، جنبا إلى جنب مع عدد قليل من الفطر، وبالتالي كانت هذه هي بعض الأطعمة التي يتناولها الإنسان البدائي.

ولكن الأسنان الخاصة بالمجموعة التي عثر عليها في إسبانيا كشفت أن الإنسان البدائي كان يأكل الفطر البري والجوز والصنوبر والطحلب، ولكن لا يوجد دليل على تناوله للحوم، وذلك وفقًا للورقة العلمية التي نشرتها مجلة نيتشر المتخصصة. وقال أحد الباحثين، الدكتور أنطونيو روساس، من المتحف الوطني للعلوم الطبيعية في إسبانيا، إنهم فوجئوا بعدم العثور على أي بقايا للحوم في البشر البدائيين في المجموعة التي عاشت في إسبانيا، نظرًا لأنه كان يعتقد في الغالب أن الإنسان البدائي من أكلة اللحوم.

رسم توضيحي1: الإنسان البدائي أكثر ذكاء مما كنا نعتقد

وأضاف «ومع ذلك، فقد وجدنا الأدلة التي أوضحت أن الإنسان البدائي كان يتمتع بنظام غذائي متنوع بما في ذلك مجموعة واسعة من النباتات». وأضاف أنهم توصلوا إلى ما هو أكثر من ذلك، فإن بعض هذه النباتات قد يكون قد جرى طهيها قبل أن يأكلها.

وكانت طبقة المينا والعاج في واحدة من الأسنان العلوية في أحد بقايا الإنسان البدائي جرى تحميتها أو كسرها، ويعتقد أنه استغل أسنانه مثل اليد الثالثة عندما كان يقوم بشحذ الأدوات الحجرية.

العلاج الطبيعي

لكن، كانت هناك أيضًا دلائل تشير إلى إصابة الإنسان البدائي بالألم الشديد، وأنه اتخذ خطوات متقدمة مفاجئة للتخفيف من حدته. وقال روساس إن لديهم دليل على أن هذا الإنسان البدائي قام بعلاج نفسه. مضيفًا «لقد اكتشفت أن البلاك المحفوظ في أسنان الإنسان البدائي يحتوي على تسلسل من ميكروب «Enterocytozoon bieneusi»، والذي يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي، بما في ذلك الإسهال الخطير».

وذكر أنه بالإضافة إلى ذلك، وبفضل وجود ثقب في فكه، فقد تمكن العلماء من معرفة أن هذا الإنسان أصيب بخراج الأسنان. ويجب على مثل هذا النوع من العدوى – سواء الإسهال الشديد أو خراج الأسنان – أن يسبب له الألم الشديد.

وأظهرت مادة البلاك أنها تحتوي على آثار من فطر البنسيليوم، وهو مضاد حيوي طبيعي الذي اشتق منه عقار البنسلين في وقت لاحق في العصر الحديث، هذا بالإضافة إلى عثور الباحثين على بقايا شجر الحور. وتتميز هذه الشجرة أن كل من اللحاء والجذور والأوراق تحتوي كلها على مادة حامض الساليسيليك، وهي المادة التي تدخل في تركيب الأسبرين والمسكنات الأخرى.

وقال البروفيسور آلان كوبر، من المركز الأسترالي للحمض النووي القديم في جامعة أديلايد، والذي ساعد في إجراء التحليل الجيني، إن هذه الأدلة أظهرت أن البشر البدائيون كانوا أكثر تطورًا مما كان يعتقد سابقًا. وأضاف «على ما يبدو، يمتلك الإنسان البدائي معرفة جيدة باللنباتات الطبية ومختلف خصائصها سواء مضادات للالتهابات أو تخفيف الألم، ويبدو أن الإنسان القديم كان يعالج نفسه بالفعل».

وقال إن استخدام هؤلاء البشر للمضادات الحيوية هو أمر مستغرب جدًا إلى أقصى حد، لأننا لم نكتشف ونستخدم البنسلين إلا بعد مرور أكثر من 40 ألف سنة لاحقة. وأضاف «بالتأكيد النتائج التي توصلنا إليها تتناقض بشكل ملحوظ مع نظرتنا المبسطة عن أقاربنا القدماء في مخيلاتنا واعتقاداتنا».

وقد وجد الباحثون في السابق دليلًا على أن البشر البدائيين كانوا على علم أن بعض النباتات تتميز بأن لها خصائص طبية وعلاجية، فيبدو أن الإنسان البدائي استخدم البابونج واليارو للمساعدة في الهضم. وقد عثر على هذه البقايا في كهف «إل سيدرون» في بيلونيا، شمال إسبانيا، والذي جرى اكتشافه في عام 1994، وهذا الكهف هو واحد من مواقع الحفر الأثرية الأكثر نشاطًا في العالم.

رسم توضيحي2: الإنسان البدائي ليس بدائيًا إلى هذه الدرجة

وحتى الآن جرى اكتشاف 2500 من بقايا الهياكل العظمية لعدد 13 من البشر البدائيين، من الذكور والإناث، الصغار والكبار، في هذا الموقع المميز. وقال باحث آخر مشارك في الدراسة الجديدة، كيث دوبني، الأستاذ من جامعة ليفربول، إن التقنيات المتاحة للعلماء مكنتهم من «الوصول إلى دليل مباشر على ما طبيعة الطعام الذي كان يتناوله أجدادنا».

وأضاف «هذه نافذة غير عادية على الماضي، والتي تقدم لنا طرقًا جديدة لاستكشاف وفهم التاريخ التطوري من خلال الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش داخلنا ومعنا».

الإنسان البدائي

البشر البدائيون أو «Neandertals»، أطلق عليهم هذا الاسم بالإنجليزية نسبة إلى منطقة نياندرتال في ألمانيا، وهي تمثل نوعًا من أنواع الإنسان القديم التابعين لجنس هومو والتي انقرضت منذ حوالي 40 ألف سنة. ويشترك كل من الإنسان البدائي والإنسان المعاصر في حصة 99.7% من الحمض النووي، وبالتالي فهناك ارتباط وثيق بينهما.

والإنسان البدائي هو أحد انواع جنس هومو الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى. وكشفت دراسات علمية حديثة عن وجود هذا الإنسان في فلسطين وليبيا بالقرب من بلدة بلغراي، وهو ما يؤكد معاصرة هذا الإنسان للإنسان المعاصر. ويعتقد العلماء أن أجسامهم القصيرة والممتلئة والقوية هي من أهم أسباب بقائهم في فترة العصر الجليدي.

وبمراجعة أدواتهم المكتشفة معهم، عرف عنهم أنهم صيادون ماهرون ويتغذون على ما يصطادونه. ويسجل العلماء بأنهم كانوا يصطادون في جماعات وفرق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد