ما الذي يوجد على الجانب الآخر من الحياة؟ هذا السؤال الذي لم يستطع البشر الإجابة عنه رغم ما وصلوا إليه من تقدم، وكل وسائل الاتصالات الحديثة التي تتيح لهم التحدث مع الآخرين حتى خارج كوكب الأرض في المحطات الفضائية، فوسيلة الاتصال بالعالم الآخر ومعرفة إجابة أكيدة عن حقيقته لم تزل أبعد من قدرة البشر على التحقيق.

كل ما نستطيع أن نرسمه في خيالنا عما يحدث للبشر خلال لحظة الموت حصلنا عليه من البشر الذين جربوا الاقتراب من الموت، أو توقف قلبهم لدقائق قليلة، ثم عادوا إلى الحياة مرة أخرى، وتجربة الاقتراب من الموت عادة ما يمر بها من يتعرض لحادث غرق أو حوادث السيارات، أو حتى بعد أن تنتابه أزمة قلبية، ولكن هل تعلم أن هناك بشرًا في أنحاء العالم يسعون إلى الوصول لتلك التجربة عن عمد، في محاولة الوصول إلى ما يطلقون عليه «نشوة الموت»؟ تلك المحاولات التي أدت إلى وفاة الكثير من المراهقين والشباب في أنحاء العالم، بالإضافة إلى إصابة بعضهم بالجلطات الدموية، ونزيف المخ.

في هذا التقرير نعرض لكم لماذا قد يجرب البعض مخدرات وممارسات تقربهم من نشوة الموت، وما هي مخاطر تلك الممارسات؟

«يوفوريا» الاختناق.. الاقتراب من الموت ليس «لعبة»

الكثير من أطفالنا يتابعون تطبيق الـ«تيك توك»» يوميًا، حيث يخترع كل منهم «تحديًا» ينفذه في فيديو يقوم بنشره، ثم يدعو الأطفال الآخرين لتنفيذ هذا التحدي، وعادة ما تكون تلك التحديات غير مؤذية، مثل أن يرتدي الطفل أو المراهق ملابس شخصيته المفضلة من عالم ديزني، أو أن يرقص على أغنية معينة.

 ولكن في شهر أبريل (نيسان) من هذا العام 2021 ظهر تحد مميت حرفيًا، حيث بدأ تحد اسمه «تحدي الإغماء» ينتشر بين الأطفال والمراهقين، والذي يفرض على المشارك في التحدي أن يصوّر فيديو وهو يخنق نفسه حتى يصاب بالإغماء، ثم يفيق بعدها بدقائق قليلة، ولكن منذ أيام قليلة في الشهر الجاري يونيو (حزيران) توفي مراهقان من أمريكا إثر ممارستهم لهذا التحدي. تلك اللعبة أو التحدي ليست جديدة بين الأطفال والمراهقين في الغرب، فهذا يجعلنا نعود إلى ما يقرب من 20 عامًا للوراء حين انتشرت تلك اللعبة بين المراهقين للمرة الأولى.

فرحة بعودة ابنها الليلة السابقة من المخيم الصيفي استيقظت الأم لتعد الفطور لإريك الذي يبلغ من العمر 12 عامًا، ولكنها عندما دخلت إلى المطبخ وجدت إريك مُلقيًا على الأرض وحول رقبته حبل مشدود في باب المطبخ، لم يكن إريك ينوي الانتحار، ولكنه كان يمارس لعبة سمع أصدقاءه يتحدثون عنها في المخيم الصيفي تُسمى «لعبة الاختناق».

تلك اللعبة يسعى من يمارسها إلى الوصول لحالة من الدوار والنشوة عندما يعود الدم والأكسجين للتدفق مرة في الجسد بعد أن ينقطعا عنه فترة الخنق المتعمد، ولكن الاقتراب من الموت ليس لعبة؛ فقد مات إريك بالفعل: أصيب بسكتة دماغية؛ لأنه لم يستطع أن يتحكم في الوقت الذي لابد أن يتوقف فيه عن خنق نفسه، وحتى من يتوقفون عن خنق أنفسهم في الوقت المناسب، فهم معرضون للإصابة بجلطات دموية في المخ أثناء اللعبة؛ ما يسبب وفاتهم بعدها بأيام قليلة مثلما حدث مع واحد من الأطفال الذين لقوا حتفهم منذ أيام.

وقعت تلك الحادثة في عام 2010 في الولايات المتحدة الأمريكية، حين انتشرت تلك اللعبة بين الأطفال والمراهقين بين أعمار ستة وحتى 16 عامًا، وقصة إريك لا تعد سوى مثال بسيط لمأساة عاشتها أمريكا في ذاك الوقت، ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها توفي 82 طفلًا تتراوح أعمارهم بين ستة و19 عامًا بعد لعبة الاختناق بين عامي 1995 و2007، وحتى العام 2015 وصل عدد الأطفال والمراهقين الذين لقوا حتفهم بسبب ممارستهم لتلك اللعبة 1400 طفل.

خطر انتشار اللعبة في الوطن العربي

ولكن هذه المرة، ومع انتشار التحدي على شبكة الإنترنت، فلن يعود هذا التحدي محصورًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبضغطة زر واحدة من أي طفل في أي مكان بالعالم سيكون قادرًا على مشاهدة أقرانه من الأطفال يمارسون هذا التحدي، وقد يدفعه الفضول للتجريب، يخبرنا «م.و» – شاب عراقي – أنه أثناء تواجده في إسبانيا تعرف على مجموعة من الأصدقاء يلتقون لتعاطي المخدرات في الأماكن المفتوحة، وفي مرة اقترح عليه أحدهم أن يجرب لعبة الاختناق.

 ويعترف «م» بأنه تهور ووافق على التجربة بعد أن أكد له واحد منهم أنه أشرف على هذه اللعبة أكثر من مرة، وأنه لن يصيبه ضرر، وبعد خوض تلك التجربة مرة واحدة قرر ألا يعود لها مرة أخرى، فلم ينكر أن اللحظة التي استعاد فيها تنفسه كان بها شعور سعادة يشبه شعور النجاة من الموت، ولكن الأعراض التي تلت التجربة في اليوم الثاني جعلته يدرك مدى خطورتها، حين أصيب بصداع نصفي لأيام متتالية، وسيطر عليه شعور بالغثيان والتقيؤ لفترة طويلة.

ووفقًا لمركز السيطرة على الأمراض، فهناك بعض العلامات التي تستطيع من خلالها أن تعرف إذا كان أحد أبنائك يمارس هذا التحدي أو اللعبة بشكل مستمر، مثل أن تكون عيناه دامية معظم الوقت، أو أن يكون مصابًا بصداع مزمن، أو إذا عُثر في غرفته على أية أربطة أو أطواق للكلاب ليس لها استعمال في المنزل، كما أن الطفل بعد ممارسة تلك اللعبة لأكثر من مرة يكون مصابًا معظم الوقت بالتوتر المزمن.

ليس الأطفال والمراهقون فقط

السعي وراء ما يعرف بـ«نشوة الموت» لا يقتصر على الأطفال والمراهقين فقط، ولكن الكثير من الشباب والكِبار يستخدمون مخدرًا اسمه «دي إم تي» لنفس الغرض. هذا العقار يندرج تحت بند العقاقير التي يطلق عليها في المجتمع الغربي «سيكاديلك»، والتي عادة ما يستخدمها متعاطو المخدرات بغرض اختبار تجارب روحانية، أو رؤية هلاوس تساعده على تطوير تجارب مختلفة، ولكن في جميع الأحوال كان الكثير من متعاطي هذا المخدر يصفون تجربتهم بأنها «تجربة الخروج من الجسد».

وهذا التعبير الذي استخدمه متعاطو المخدر وفقًا لما شعروا به أثناء تعاطيه، لا يبعد كثيرًا عن أرض الواقع، فقد أثبتت أكثر من دراسة حديثة أن عقار الـ«دي إم دي» له تأثير يماثل شعور «تجربة الاقتراب من الموت». يعتبر «دي إم تي» واحدًا من المركبات المهلوسة في نبات الـ«إيواسكا» وهو نبات مخدر أيضًا يستخدم بكثرة في أمريكا اللاتينية بغرض التجارب الروحانية أو الطقوس الدينية، ويصنع «دي إم تي» من مزيج الإيواسكا وثمرة شجرة أخرى تسمى تشاكرونا، وتلك المواد المخدرة يعود استخدامها إلى القبائل الأمازونية في طقوس دينية منذ عدة قرون.

هذا المخدر يمنح من يتعاطاه إحساس الاقتراب من الموت، أو خروج الروح من الجسد، ويجعله يرى أشياء يصعب على عقلك الواعي أن يتخيلها، ولكن تلك المخدرات لها مخاطر على من يعانون من مشاكل صحية، سواء جسدية أو نفسية، وتجربة «دي إم تي» هي بالفعل تجربة خطيرة، وهو ما حدث لشاب أمريكي في عام 2018 عندما سافر إلى كولومبيا ليجرب طقس تناول الإيواسكا في أجواء روحانية، ولكنه تمادى في تناول جرعات المشروب المصنوع من هذا المخدر، ولم يُدرك أن المخدر يحتاج لوقت حتى يعمل في جسده فشعر أنها مجرد خدعة، وزاد من تناوله، ولكنه أثناء عودته على دراجته البخارية بدأ مفعول العقار، وتوفي الشاب في حادث.

التحذيرات التي تصاحب تناول عقار مثل «دي إم تي» كثيرة، وتندرج تحتها قائمة طويلة، ومع ذلك لم يزل الكثير من الشباب في أنحاء العالم، وحتى الوطن العربي، يتعاطون هذا العقار بغرض الوصول إلى «نشوة الموت» التي يمنحها لهم هذا العقار.

بعضهم يتمادى في هذا العقار، ويقول لـ«ساسة بوست» الطبيب النفسي المصري هاني مصطفى إنه أشرف بالفعل عام 2014 على حالة شاب كاد يصاب بالذهان بسبب تعاطيه جرعات متتالية من «دي إم تي»، وظل الشاب يعاني من الهلاوس لمدة وصلت لأسبوعين كاملين، ظن فيها الطبيب أن الشاب لن يتعافى منها، ولكنه بعد الأسبوعين بدأ في استعادة رشده، وإن كان تعاطى جرعة أخرى قبل أن تحضره اسرته للفحص فربما كان أصيب بالذهان بلا رجعة، بحسب هاني.

 ولكن لماذا؟

في الموسم الثالث من مسلسل The Sinner، استطاع القاتل إقناع المحقق المشرف على قضيته أن يدفنه لمدة ثماني ساعات تحت الأرض، حتى يفهم المحقق لماذا يريد القاتل أن يواجه الموت وجهًا لوجه، سواء من خلال ارتكاب أفعال متهورة أو من خلال قتل الآخرين، وبعد أن وافق المحقق على خوض تلك التجربة، نجد أن تجربة الدفن في حد ذاتها لم تكن هي الممتعة للمحقق، بل الشعور بالنجاة الذي سيطر عليه بعد أن أخرجه القاتل من القبر، ومشاهدة هذا الموسم كاملًا قد تمنحك لمحة عما يدور في ذهن من يقبلون على تجارب الاقتراب من الموت بإراداتهم.

الأمر مماثل في عقار «دي أم تي» أو لعبة الخنق، فالمتعة لا تكمن في لحظة الاختناق، وليس بالضرورة في وقت تأثير العقار على مخ متعاطيه، ولكنها تكمن فيما يشعرون به بعد أن تنتهي التجربة، وهو الذي وصفته واحدة من المشاركين في الدراسات التي تخص هذا العقار بأنها «ممتنة أنها على قيد الحياة، وتشعر بسلام نفسي لم تشعر به من قبل».

قد يظن البعض أن من يتناولون هذا العقار أو يقبلون على تجارب الاقتراب من الموت لا يخشون الموت، ولكن وفقًا لما ورد في تصريحات العديد من متعاطي هذا المخدر، أكدوا أنهم في الأساس يخشون الموت، وتسيطر عليهم تفاصيله للدرجة التي دفعتهم لأن يتخطوا هذا الحاجز، ومن تناول هذا العقار دون أن يدري تأثيره في خلق تجربة مماثلة لتجربة الاقتراب من الموت، أكد أن علاقته وتفكيره في الموت اختلفا تمامًا بعد أن شعر بخروجه من جسده، وهو تأثير العقار، وهو الأمر الذي لم يكن سيئًا كما كانوا يتصورون قبلها عن الموت بحسب شهادتهم.

ولكن أيضًا الشعور بالنجاة من الموت، أو مواجهته للتغلب على الخوف منه من خلال تعاطي «دي إم تي»، له مخاطر أيضًا مثل لعبة الاختناق، ومن أهمها زيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وألم وضيق في الصدر، والدوار، والغثيان، والقيء، والإسهال، وعند تناول جرعات زائدة قد تحدث نوبات صرعية للمتعاطي، والدخول في غيبوبة. أما للمصابين بالأمراض النفسية أو العقلية، مثل الفصام، فقد يكون لاستخدام هذا العقار عواقب «وخيمة»، وقد يصابون بهلاوس مرعبة تدفعهم لإيذاء أنفسهم دون وعي.

الأمر أشبه بالحماسة التي تشعر بها عندما تنجو بفعلتك بعد الغِش في الامتحان، ولكنه عشرات أضعاف هذا الإحساس، فما يظنه العقل في تجربة الاقتراب من الموت أنه قد نجا من موت وشيك، يجعل للإنسان امتنانًا كبيرًا تجاه الحياة، ولكن هل نحتاج بالفعل لأن نقترب بهذه طريقة من الموت حتى ندرك أن وقت البشر على قيد الحياة ليس بطويل حتى يستمتعوا قدر الإمكان بها؟

 أليس كل ما حولنا يذكرنا بالموت فعليًا؛ ما يجعلنا ممتنين لكوننا مازلنا على قيد الحياة دون الاحتياج إلى تجربة لها نتائج مدمرة، خاصة بعد أن اجتاح العالم وباء عالمي جعل من الموت ضيفًا قد يطرق باب أي منزل في العالم أي لحظة! تجارب الاقتراب من الموت هي تجارب خطيرة جدًا عندما يفعلها الإنسان عن عمد، فالموت ليس شخصًا يمكنك خداعه؛ الأمر أخطر من ذلك بكثير.

المصادر

تحميل المزيد