تقترب الصحف المطبوعة في مصر من نهاية الإصدار الورقي لها؛ بعد الإعلان عن رفع أسعار الطباعة بدءً من منتصف الشهر المقبل، بجانب الأزمات السابقة جرَّاء خفض نسب التوزيع، ومشاكل مالية تظهر في تسريح مئات صغار الصحفيين وخفض الرواتب.

وحسب دراسة صادرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فمعدل توزيع الصحف المطبوعة انخفض في عام 2015 عنه في العام السابق بنسبة 14.4%، حيث ذكرت إن 75 صحيفة صدرت في عام 2015، بين حزبية وخاصة وقومية، بمعدل توزيع 560.7 مليون نسخة. مقارنة بـ 80 صحيفة صدرت في عام 2014 بمعدل توزيع بلغ 655 مليون نسخة.

ورصدت الدراسة تراجع عدد الصحف الحزبية، من ثماني صحف في 2014 إلى ثلاث صحف فقط في 2015، فيما ذكر أن من أهم أسباب تراجع توزيع الصحف هو عدم مزاولة بعض الصحف لنشاطها في العام الماضي . يُذكر أن نسبة توزيع الصحف بلغت 1.7 مليون نسخة في يناير (كانون الثاني) 2006، ثم انخفضت إلى 1.4 مليون نسخة في يناير (كانون الثاني) 2011، إلى أن وصلت إلى 470 ألف نسخة في يناير (كانون الثاني) 2016.

تضييق السلطات وأزمة الدولار تكتبا شهادة وفاة الجرائد

تجلَّت أزمة تحرير سعر صرف العملة المصرية في صناعة الصحافة الورقية في مصر؛ وذلك لأن الخامات ومستلزمات الصناعة من أحبار وورق مستوردة من الخارج، من الصين وفنلندا، التي ارتفعت قيمة استيرادها من الخارج.

يظهر ذلك في الخطاب الرسمي الذي أرسلته مطابع «الأهرام» إلى الصحف التي تطبع لديها، يفيد بارتفاع أسعار الطباعة 80 % بدءً من 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ بسبب ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي في مقابل الجنيه المصري.

وذكر الخطاب أنه «نظرًا لما طرأ من تطور في سعر العملة الحرة منذ 1/12/2014، حيث كان سعر الدولار 7.18 جنيهًا بينما تجاوز سعره اليوم 17.5 جنيهًا (+140%)، وكانت آخر زيادة في 1/4/2016 بقيمة 12%، وما يمثله ذلك من قوة ضاغطة على عناصر التكلفة، وما ترتب عليها من زيادة في تكاليف الطباعة، ولوازم إنتاج ممثلة في خامات وقطع غيار يتم استيرادها من الخارج، فضلًا عن توالي الزيادات السنوية في سعر الطاقة الكهربائية، إضافة إلى المحور الآخر من عناصر الإنتاج، ممثلا في قوة عاملة ترتفع تكلفتها بصورة سنوية مستمرة، وهو ما تحملناه بالكامل خلال الأشهر الماضية، ونظرًا للظروف القهرية السابق ذكرها، والتي طالت وأثقلت علينا، فإننا نجد أنفسنا آسفين لطلب مشاركتكم في تحمل قدر من تلك التكاليف الإضافية بنسبة 80% فقط من قيمة تعاقدكم معنا (..) وذلك بدءً من 15/12/2016».

من وجهة نظر، «ضياء رشوان»، نقيب الصحفيين السابق، فالأزمة لها صلة أكثر بالمحتوي التي تتناوله أغلب الصحف المطبوعة، واعتمادها كافة على الأخبار التقليدية بنمط كتابة معتاد وقديم، موضحًا أن المشكلة بعدها الأساسي في عدم تجويد المحتوى، وتغطية ما وراء الأخبار، والتركيز على التحليل المعمق والتحقيقات الاستقصائية.

يضيف رشوان في تصريحات لـ«ساسة بوست»: الصحف الورقية مطلوب منها أن تتجاوز فكرة كونها ناقلة للأخبار؛ لأن هذا الدور صارت تضطلع به وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية مطالبًا بأن تنتقل لما هو أبعد من الخبر؛ حتى تكون جاذبة أكثر للقارئ.

لكن أزمة المحتوى يفسرها رئيس تحرير صحيفة خاصة، يرفض ذكر اسمه، في تصريحاتً خاصة لـ «ساسة بوست»، من منظور آخر فـ«حجم القيود المفروضة على الصحف في تناول الموضوعات، صار أكبر بكثير من تلك التي كانت موجودة خلال عهد مبارك» موضحًا أن رجال الأعمال لايستهدفون أرباحًا في المقام الأول من وراء الصحف، لكن في الوقت ذاته ليسوا راغبين في خسارة تأثير صحفهم التي تعكس توجهاتهم تجاه السلطة الحالية التي يتبرمون منها.

يُدلل رئيس التحرير على حجم التضييق بأن هناك أعدادًا من الصحف تنشر نفس التحقيقات بنفس النوعية من الكتابة، والعناوين الرئيسة للصفحات الأولى، مرجعًا ذلك لجهات تصدر تعليمات بذلك، موضحًا صدور تعليمات من الجهات الأمنية لكافة الصحف بتدوال سعر غير حقيقي للدولار في أزمة ارتفاع سعر الدولار بالسوق السوداء الأخيرة.

يضيف «انعدام الحرفية والتطبيل الأعمى للنظام والافتقار إلى أدنى مكونات العمل الصحفي صارت من متطلبات السلطة الحالية؛ كي لا تصدر قرارًا بإغلاق الجريدة » موضحًا: الأمر تطور إلى أن كُل جهة أمنية لديها مخبر صحفي في الجريدة ينقل لها ما يدور في الكواليس.

الوجه الآخر للأزمة: خفض رواتب الصحفيين.. وتسريح العاملين

أحد انعكاسات أزمة الصحافة في مصر تتجلى في الأوضاع الصعبة التي صارت تواجه الصحفيين العاملين في الصحف الخاصة، وهو ما يظهر في وقف النسخة الورقية اليومية لصحيفة «التحرير» في الأول من أيلول (سبتمبر) الماضي، والاستغناء عن عشرات الصحفيين.

يُضاف لذلك أزمة صحيفة «الشروق» التي لم تُسلم المحررين رواتبهم منذ أشهر، و صحيفة «المصري اليوم» ـــ أكبر الصحف الخاصة اليومية التي بدأت سلسة من الإجراءات التقشفية، كتسريح عدد كبير من المحررين، جنبًا لأزمة صحيفة «الوطن» الخاصة التي تعيش أزمة مالية حادة، تمثلت في خفض الرواتب لكافة الصحفيين، وتوثيق ذلك في عقود جديدة للعاملين بها.

يتجلي ذلك أيضًا في العمود اليومي لرئيس تحرير صحيفة الشروق «عماد الدين حسين»، الذي كتب «مظاهر الأزمة تتبدى كل يوم بأكثر من طريقة، قبل شهور لجأت صحف كثيرة إلى عمليات تقشف كثيرة، بعضها خفض المرتبات، وبعضها قللت العمالة، والبعض الثالث اتخذ الإجراءين معًا (..) الجميع دفع ثمنًا، من ملاك الصحف إلى أصغر العاملين فيها، لكن الثمن كان مضاعفًا، خصوصًا على صغار الصحفيين الذين يعيشون في ما يشبه المفرمة».

مشكلة تسريح الصحفيين مُرشحة للاستمرار في الفترة المُقبلة؛ في ظل عدم تعاطي نقابة الصحفيين مع الأزمات المستمرة بشكل فاعل، وعدم امتلاكها الآليات القانونية الكافية التي تجعلها تكسب جولات الصراع حول الحقوق المادية مع مالكي الصحف، أو حتى كبار الصحفيين الذين يشتركون في التعامل مع صغار الصحفيين كمجرد عمالة زائدة ليس لهم أهلية التمتع بحقوقهم كاملة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد