تشكل النسبة المرتفعة من الشباب الذين لا يعملون حاليًا، أو يتلقون تعلميًا، أو تدريبًا، مصدر قلق عالمي. ولا تخرج المملكة المغربية عن هذا الإطار، فحوالي 30% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بدون عملٍ أو تعليمٍ أو حتى تدريب في المغرب.

هذه الأرقام كشف عنها المرصد الوطني للتنمية البشرية في أحدث تقاريره لسنة 2019، من خلال دراسة قام بها بالتعاون مع «منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف)». وتأتي هذه الدراسة في وقتٍ تشهد فيه المملكة المغربية ارتفاع مستويات البطالة، وتداعياتٍ مثقلة لجائحة كورونا على الاقتصاد المحلي.

أكثر من ربع الشباب المغربي دون عملٍ أو تعليم أو تدريب

حسب ما هو مذكور في موقعه الإلكتروني، يتولى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وفقًا للمرسوم الذي أنشئ بموجبه بتاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مهمة دائمة، تتمثل في تحليل وتقييم آثار برامج التنمية البشرية المنجزة، واقتراح التدابير والأنشطة التي تساهم في إعداد إستراتيجية وطنية للتنمية البشرية وتنفيذها، ولاسيما في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

 ومن هذا المنطلق يعمل المرصد سنويًا على القيام برصد وتحليل أرقام التنمية الإنسانية للمملكة المغرب، ومن بينها الأرقام الخاص بالشباب المغربي الذي يقع خارج دوائر العمل والتعليم والتدريب، والمعروف اختصارًا بـ«NEET» أي (Not currently engaged in Employment, Education or Training).

Embed from Getty Images

في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) 2021 قدّم المرصد الوطني للتنمية البشرية نتائج دراسة رسمية أعدّها حول وضعية «الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب»، واستندت الدراسة إلى مسحٍ شمل 549 مقابلة فردية و83 مجموعة مناقشة مع شباب، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا في 23 بلدة مغربية، وبشراكة مع «منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف)».

وبحسب الدراسة يوجد في المغرب معدلٌ مرتفع نسبيًا من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، عاطلين عن العمل، وخارج النظام المدرسي وغير ملتحقين بأي برامج تدريب مهني. ووفقًا للمسح الذي قام به المرصد، فإنه من بين 6 مليون شاب مغربي، بلغت نسبة الشباب الذين هم دون عمل أو تدريب أو تعليم في عام 2019 ، ما نسبته 28.5% وهو ما يعني أنّ 1.7 مليون شاب مغربي دخلوا في تصنيف «NEET»، في حين أن 55% فقط من الشباب المغربي يواصلون دراستهم، أو يتابعون تدريبًا مهنيًا، بينما يمارس مليون شاب مغربي التجارة.

وحددت الدراسة أيضًا خمس فئات لـ«الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب»، فبلغت نسبة ربات البيوت القرويات اللواتي يتحملن المسؤولية الأسرية حوالي 54.3%، أما الشباب المحبطين من سكان المدن فقد شكّلوا نسبة 25%، والشباب الذين في وضعية انتقالية بلغت نسبتهم 7.8%، إضافةً إلى الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب، المتطوعين عن طريق الاختيار، والذين شكّلوا نسبة 7.5%، وأخيرًا الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب الذين يعانون من مشاكل صحية والذين وصلت نسبتهم إلى 5.1%.

وسجّلت الدراسة أيضًا أنّ 4. 76% من الشباب خارج التعليم، أو العمل، أو التدريب، هنّ من الإناث، وأن 36.1% منهن ينتمون إلى المجتمع البدوي مقابل 23.3% فقط يعشن في الوسط الحضري.

وعن الدراسة أكّد الكاتب العام للمرصد الوطني للتنمية البشرية، حسن المنصوري، أن «المرصد يولي أهمية خاصة لقضية الشباب، وعيا منه بأن هذه الفئة من المواطنين هي فاعل في التنمية السوسيو اقتصادية ورافعة لخلق الثروة»، مشيرًا إلى أنه تم وضع العديد من الآليات التي تدمج البعد «الشبابي» من أجل كبح المنحى المتزايد للشباب «خارج التعليم أو العمل أو التدريب».

من جانبه أكّد المدير الإقليمي لليونيسيف لشمال أفريقيا والشرق الأوسط، تيد شيبان، أن قضية «الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب» هي مشكلة ليست شائعة في المغرب فقط، ولكنها مشتركة بين العديد من البلدان خاصة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي هذا الصدد أشار السيد شيبان إلى أن الحل بالنسبة لليونيسيف يكمن في وضع مقاربة متعددة القطاعات تشمل كلًا من القطاعين العام والخاص، على المستويين الوطني والمحلي، وتركز بشكل خاص على وضعية الفتيات والنساء، لاسيما في المناطق القروية.

كما أكد على ضرورة توفير تعليم ذي جودة وسهل الولوج، والذي من شأنه معالجة هذه الظاهرة الاجتماعية التي تشكل عجزًا من الناحية السوسيو-اقتصادية.

وكانت دراسة سابقة قامت بها المندوبية المغربية السامية للتخطيط، توصلت إلى إن 6.27 ملايين من العمال المغاربة، أي حوالي 58.6% من السكان النشطين، لا يملكون أي شهادة، فيما رُبُع شباب المغربي البالغ من العمر أكثر من 25 عامًا لا يجدون عملًا.

Embed from Getty Images

تجدر الإشارة إلى أنّ تقريرًا للتنمية الإنسانية العربية أعدتّه الأمم المتحدة توصّل إلى أنّ 83.9% من الشباب المغربي يرون الوضع الإقتصادي والخشية من البطالة والفقر أبرز تحدي يواجه المملكة المغربية، ويضيف التقرير بأنّ الشباب المغاربة يشغلون فقط 14% من الوظائف في القطاع العام، بينما يكتسح القطاع الخاص النسبة المتبقية.

ويحتاج الشاب المغربي إلى راتب عمل لمدة 18 سنة متواصلة كي يمتلك منزلًا، ويختم التقرير بأنّ 10% من الشباب المغاربة غير راضين على الحياة ببلدانهم وهي النسبة الأعلى عربيًا.

على جانب آخر يكشف تقريرٌ آخر أعدّه المرصد المغربي للتنمية البشرية بالتعاون مع اليونيسيف، صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 إن أكثر من 39.4% من أطفال المغرب ( أعمارهم أقل من 18 سنة) يعيشون مستوياتٍ متفاوتة من الفقر.

لكن لماذا ارتفعت النسبة بين شباب المغرب؟

يرى يوسف جبران وهو شاب مغربي يبلغ من العمر 24 سنة متوقف عن الدراسة وعاطل عن العمل، في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ نقص الفرص هو السبب الأساسي في ارتفاع نسبة الشباب الذين لا يملكون طموحًا ولا مستقبل. ويضيف محدثنا «أنا من صغري في بيئة محرومة، ومن صغري لا أمتلك خطة واقعية للحياة، بحيث إني توقفت عن الدراسة وأنا في سن 14 سنة، وباقي في حالي منذ تلك الفترة».

ويُرجع يوسف سبب عدم التحاقه بالعمل إلى الإغلاق الذي يشهده سوق الشغل في المغرب ويقول «إذا أردت أن تعمل لازم عليك شهادة، ولكي تأخذ الشهادة لازم تدرس، وهكذا تصير في حلقة مغلقة بدون أن تحقق أي شيء».

Embed from Getty Images

أمّا الصحافي المغربي صلاح الحسني فيرى في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «سبب النسبة العالية للشباب دون عمل أو تعليم يعود إلى هشاشة منظومة التعليم في المغرب التي تعرف انهيارًا بسبب عاملين. انّ الحكومة المغربية باتت تشّجع التعليم الخصوصي أكثر من التعليم العمومي، والعامل الثاني هو التسرّب المدرسي الذي استشرى في الوسط المدرسي، إضافة إلى أن الاقتصاد المغربي ليس مهيكلًا؛ مما جعل أنشطة الشباب الأكثر تأثرًا بوباء كورونا».

ويختم محدثنا بالقول: إن «نسبة الشباب دون عمل أو تعليم أو تدريب ترتفع بالمناطق القروية مقارنةً بالمدن الحضرية؛ مما جعل مناطق الريف ساحةً للحركات الاحتجاجية للشباب المغربي».

المصائب لا تأتي فرادى.. جائحة كورونا تفاقم الوضع أكثر

أمام الارتفاع الكبير في نسبة الشباب المغربي الذي لا يعمل أو يتعلّم أو يتدرّب، جاءت جائحة كورونا لتزيد من تفاقم تلك النسب، وإن كانت الإحصائيات الرسمية متوقفة عند سنة 2019، فإن سنة 2020 التي عطّلت العالم ودمّرت اقتصادات دول كبرى، قد ساهمت بشكلٍ أو بآخر في زيادة نسبة الشباب المغربي الذي يدخلون في فئة «NEET».

وكما يقول المثل «بالتضاد تعرف الأشياء»، فقد عرفت وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال سنة 2020 تدهورًا كبيرًا بداية من فقدان مناصب شغل، وتراجع في حجم ساعات العمل، انتهاء بتزايد نسبة البطالة.

ووفقًا لتقريرٌ المندوبية السامية المغربية للتخطيط، فقد فقدَ 432 ألف مغربي وظائفهم سنة 2020 مقابل 165 ألف منصب شغل سنة 2019.

ويضيف التقرير بأنّ تلك المناصب توزّعت على جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، إذ فقد قطاع الخدمات 107 آلف منصب شغل، وفقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 273 ألف منصب عمل، بينما فقد قطاع الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية نحو 37 آلف، أمّا قطاع البناء والأشغال العمومية فقد 9 آلاف منصب شغل.

Embed from Getty Images

الشباب المغربي كان الأكثر تضررًا من جائحة كورونا

وبالإضافة إلى فقدان مناصب شغل، يضيف التقرير بأنّ الإقتصاد المغربي شهد فقدان ساعات العمل، بحيث انخفض إجمالي عدد ساعات العمل في الأسبوع من 494 مليون ساعة إلى 394 مليون ساعة، وهو ما يمثل تراجعًا بنسبة 20% في حجم ساعات العمل.

ويعادل هذا الانخفاض 2.1 مليون منصب شغل بدوام كامل، وانخفض متوسط ​​عدد ساعات العمل في الأسبوع أيضًا من 45.2 إلى 37.5 ساعة.

وبلغ عدد العاطلين بالمغرب سنة 2020 نحو مليون و429 ألف عاطل، بزيادة قدرها 322 ألف شخص، وانتقل معدل البطالة من 9.2% إلى 11.9% على الصعيد الوطني، ومن 12.9% إلى 15.8% بالوسط الحضري ومن 3.7% إلى 5.9% بالوسط القروي.

كما أقرّ المرصد المغربي للتنمية البشرية في إحدى دراساته عن تأثير الجائحة على التعليم بالمغرب بأنّ التأثير السلبي للجائحة على تعليم الشباب ستكون له تأثيرات كبيرة على المدى المتوسط والطويل، مبرزًا أنّ تحسين تدابير الدعم المباشر للشباب من أجل التعليم من شأنه أن يخفّف من الآثار السلبية طويلة الأجل للأزمة على الشباب.

وأدت تدابير الإغلاق التي أنتجعتها الحكومة المغربية لمواجهة انتشار فيروس كوفيد-19، بما في ذلك إغلاق المدارس، إلى فقدان ثلاثة أشهر على الأقل من التعلُّم لنحو 900 ألف طفل في مرحلة الروضة، و8 ملايين تلميذ بالمرحلة الابتدائية والثانوية، وحوالي مليون طالب في التعليم العالي، فما بالك بالشباب المغربي الذي لا يملك فرصةً للعمل أو للتعلم أو التدريب!

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
هكذا عمَّقت أزمة كورونا الفوارق الطبقية في المغرب

المصادر

تحميل المزيد