اتصالان هاتفيان منفصلان، أحدهما من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والآخر من الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، تلقاهما وزير الدفاع المصري السابق عبد الفتاح السيسي، وذلك يوم الجمعة؛ لتهنئته بالفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وكأن المسئولين الإسرائيليين كانا يقرآن من ورقة واحدة؛ حيث اشتركت المكالمتان في التشديد على ضرورة التمسك بمعاهدة السلام، والتأكيد على أهمية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وتمنِّي أن يشهد الشعب المصري مستقبلاً ينعمون فيه بالاستقرار والازدهار والـ”شالوم” والرخاء والنجاح، والتطلع لتطوير العلاقات وتعزيز التعاون بين البلدين في كافة المجالات.. لكن يبدو أن العجوز المخضرم بيريز كان أكثر اقتدارًا على انتقاء كلماته، وهذا ما دفع السيسي إلى شكره بحرارة على “كلماته الدافئة”.

وفي المقابل لم تكن كلمات السيسي أقل دفئًا؛ بل ردَّ المشير المتقاعد التهنئة بمثلها، وزاد بتأكيد التزام مصر بالسلام مع إسرائيل، ووصف المعاهدة بين البلدين بأنها “التزام هام، يمكن الاعتماد عليه، والبناء فوقه، من أجل خدمة مصالح البلدين”، وأضاف: هذا هو الوقت “لخلق الجو الملائم لحل القضية الفلسطينية والعمل على نشر السلام في الشرق الأوسط بأكمله، حتى يمكن لشعوب المنطقة أن تعيش حياة أفضل”.

ولولا أنَّ أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد إلى القاهرة لم تنته بعد، بحسب ما نقلته يديعوت أحرونوت، لربما كان تلقَّى دعوة رسمية لحضور حفل “التنصيب” في قلب القاهرة، لكن المبعوث الإسرائيلي قادر على تجاوز تعقيدات “الجوانب الفنية”.

هذا ملخص ما نقلته ديبكا، وجيروزاليم بوست، وهآرتس، ويدعوت أحرنوت، وتايمز أوف إسرائيل، وأكدته صفحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الفيس بوك.

وصفحتا متحدثِه للإعلام العربي أوفير جندلمان على تويتر وفيس بوك.

وفي الخلفية إطلالةٌ على شعور المسئولين الإسرائيليين بالارتياح بعد إنهاء حكم الإخوان المسلمين، واعترافهم بأن الأمن تحسن بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين، طيلة العام الماضي، على طول الحدود المشتركة في سيناء.

وبيت القصيد في ذلك كله، معاهدة “الشالوم” التي وقعتها البلدان عام 1979 ووصفتها يديعوت بأنها “تاريخية، ويعتبرها الغرب بمثابة حجر الزاوية للاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط”.

وما بين العناوين الرئيسة نقرأ تأكيد يديعوت أحرونوت على أن الزعيمين الإسرائيليين لم يتواصلا أبدا مع الرئيس محمد مرسي طيلة فترة ولايته، وتكرار هآرتس أنها المكالمة الهاتفية الأولى من نوعها بين القادة المصريين والإسرائيليين منذ الإطاحة بمبارك في 2011، والإشارة إلى أن الاتصالات المباشرة انقطعت تمامًا منذ الإطاحة بمبارك، لاسيما بعد فوز محمد مرسي بالرئاسة، مما أدى إلى إتمام الجزء الأكبر من المحادثات بين الجانبين من خلال مبعوث نتنياهو الخاص المحامي إسحق مولخو، ومستشار الأمن القومي يعقوب عميدرور، والذي بدوره سيتوجه إلى القاهرة قريبًا حاملاً بعض الرسائل من نتنياهو.

أما التواصل على المستويين الأمني والاستخباراتي فاستمرّ بين رئيس أركان الأمن الدبلوماسي في وزارة الدفاع عاموس جلعاد، ورؤساء شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، وكبار الضباط في الموساد والشين بيت، وبين كبار المسئولين المصريين في الجيش والمخابرات.

تغطية تنصيب المشير لم تنتهِ عند هذا الحد، بل أردفت هآرتس- يحدوها الحنين- مشيرة إلى العلاقة الوثيقة جدًا بين نتنياهو ومبارك ورئيس مخابراته عمر سليمان، والاتصالات الهاتفية المستمرة بينهم، واللقاءات الدورية التي كانت تنعقد كل بضعة أشهر.

استدعاء هآرتس للأيام الخوالي، يُذَكِّرنا بمشهد الغداء الأخير الذي جمع نتنياهو بمبارك في شرم الشيخ، قبيل ثورة 2011، بحضور وزير الصناعة والتجارة بنيامين بن إليعازر، ومستشار الأمن القومي عوزي أراد، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء الميجر جنرال يوحانان لوكير عن الجانب الإسرائيلي، ومن الجانب المصري وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية المصرية زكريا عزمي، والسكرتير الخاص للرئيس سليمان عواد، ومحافظ جنوب سيناء محمد شوشة.

يومها أعقب الغداء لقاء منفرد استمر ساعة، تحدث نتنياهو ومبارك خلاله بودية حول المساعي المشتركة للبلدين لإعادة تحريك عملية “الشالوم”، ولم تختلف فحواه كثيرًا عن فحوى تهنئة السيسي، حيث شدد نتنياهو لمبارك على الأهمية التي توليها إسرائيل للدور المصري المحوري في تحريك عملية السلام، وقد أكد نتنياهو حينها التزام إسرائيل بمحاربة العناصر الإرهابية العاملة في قطاع غزة بصرامة كونها تعرض أمنها للخطر وكذلك تقلل من فرص تحقيق السلام، ثمَّ تطرق إلى سير مشروع بناء السياج الأمني على الحدود الإسرائيلية المصرية؛ سعيًا لتقليص أعداد المتسللين.

وما بين الغداء الأخير مع مبارك وتهنئة السيسي بالرئاسة، مرَّت مياه كثيرة تحت الجسور- معظمها بلون الدم ووقع الرصاص ورائحة الغاز المسيل للدموع- وتردّد صدى “وكأن ثورة لم تقم، وكأن نظامًا لم يسقط” ألف ألف مرة.. وما يزال!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد