لم تكن الأحزاب اليسارية ومنظمات السلام وحدها التي وقفت ضد خطة يعالون العُنصرية، التي كانت تهدف إلى الفصل بين الركاب الفلسطينيين – العائدين من العمل في إسرائيل- والمستوطنين في الحافلات المُتجهة إلى الضفة الغربية والمستوطنات، فاقتراح وزير الدفاع لم يكن مقبولًا عند نتنياهو نفسه حيث ذكر مسؤول في مكتب نتنياهو لوكالة فرنس برس أن “الاقتراح غير مقبول بالنسبة لرئيس الوزراء. وتحدّث هذا الصباح مع وزير الدفاع موشيه يعالون وتقرّر أن يتمّ تجميد هذا الاقتراح”.

نتنياهو يلقي السلام في مؤتمر آيبك

“يمكن للشاب الفلسطيني الذي بلغ الثامنة عشرة من عُمره – وليس 22 عامًا- أن يتقدم بطلب تصريح للعمل في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة”.

هذه الخطوة ليست وحدها التي تستحق الاهتمام، ففي “أيام نتنياهو” – وهي الأيام التي حظيت فيها القوى اليمينية المتطرفة على تأييد واسع من قبل المجتمع الإسرائيلي- حصل ما لم يحصل مُنذ أيام ما قبل الانتفاضة الثانية، فقد أعلن اللواء يوآف مردخاي، منسق أعمال الحكومة في المناطق المُحتلة، عن السماح بدخول الرجال فوق جيل 50 عامًا ونساء فوق جيل 55 عامًا من الضفة إلى إسرائيل، إلى جانب دخول العمال فوق جيل 22 للعمل في الشركات والمصانع الإسرائيلية. هذه التسهيلات جاءت كمقدمة لتسهيلات لم تشهدها الضفّة الغربية مُنذ 15 عامًا، فقد أُعلن مؤخرًا عن منح تأشيرات دخول خاصّة لأكثر من 100 طبيب فلسطيني للدخول إلى “إسرائيل” بمركباتهم الخصوصية. ومن التسريبات التي يتناقلها العُمال الفلسطينيين في إسرائيل أنه سيتم قريبًا السماح للمقاولين بالدخول إلى إسرائيل بمركباتهم – كما الأطباء- ومن جُملة التسهيلات أن الشاب الفلسطيني الذي بلغ الثامنة عشرة من عُمره – وليس 22 عامًا- يُمكن أن يتقدم بطلب تصريح للعمل في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة.

تسهيلات أيام نتنياهو

“هناك طلب متزايد على العمالة داخل إسرائيل بنسبة تصل إلى 100% بالنظر عمّا كان عليه الوضع في السنوات الماضية، وهذا يتزامن مع ارتفاع نسبة البطالة في السوق الفلسطينية”.

في حافلة رقم 5 المُتجه من مدينة كُفر قاسم على الحُدود مع الضفّة الغربية إلى مدينة بيتاح تكفا الإسرائيلية يُمكن ملاحظة أعداد العُمال الفلسطينيين المتزايدة كُل صباح طلبًا للعمل في إسرائيل. وهي مشاهد لم تكن مألوفة في الماضي، حيث كان دُخول العُمال الفلسطينيين غالبًا عن طريق سيّارات خاصّة. وغالبًا ما كان يتم استغلالهم بشتى الوسائل والطرق، باعتبارهم عمالة رخيصة من جهة، لا يتم الاعتراف بها ولا بحقوقها وفي تقرير لمؤسسة “عنوان العامل” المُهتمة بحقوق العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، جاء أن “90% من إصابات العمل التي تحدث للعمال داخل إسرائيل لا يتم التعامل معها بشكل صحيح وقانوني، ويحاول أصحاب العمل الهروب من تلك المستحقات رغم أن الذي يقوم بالدفع الفعلي للعمال هي مؤسسة التأمين الوطني وليس أصحاب العمل”.

اليوم هُناك حوالي 20 ألف عامل فلسطيني يعمل في إسرائيل بشكل غير قانوني، ويدخلون كمُتسللين كونهم لم يتمكنوا من استصدار التصاريح اللازمة، بالإضافة إلى ذلك هناك حوالي 100 ألف عامل فلسطيني يعملون بشكل قانون في إسرائيل، وهذه الأعداد في ازدياد متواصل كما ذكر أحد التقارير الصادرة عن بنك إسرائيل بأن هناك طلبًا متزايدًا على العمالة داخل إسرائيل بنسبة تصل إلى 100% بالنظر عمّا كان عليه الوضع في السنوات الماضية وهذا يتزامن مع ارتفاع نسبة البطالة في السوق الفلسطينية.

عمال فلسطينيون يدخلون بشكل “غير قانوني”

من الجدير بالذكر أن متوسط أجر العامل الفلسطيني الحامل للتصريح يصل حوالي لـ50 دولارًا، بينما يحصل العامل الذي لا يحمل تصريحًا على 40 دولارًا في المعدل، وهو أفضل بكثير مما يُمكن أن يحصل عليه أي عامل في السوق الفلسطينية. وفي تقرير لمركز الإحصاء الفلسطيني قُدر بأن عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل في عام 2014 يشكل حوالي 11.7% من إجمالي القوة العاملة في الضفة، بينما بلغت أجور هؤلاء حوالي 11.4 مليار دولار وهو يشكل حوالي 12.3% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني.

هل تستفيد إسرائيل؟

“الأوضاع الاقتصادية المحسّنة معناها أيضًا، في نهاية المطاف، توقعات أقلّ لنشوب أحداث عنيفة”.

التسهيلات الحاصلة هذه الأيام تخدم الكثير من العائلات الفلسطينية وتُشكل مصدر رزق مميز بالنسبة لها، بل وأكثر فإنه تضمن لها مستوى حياة أرقى من كثير من العائلات التي لا يعمل أبناؤها في إسرائيل. ولكن السؤال الذي يُفترض أن يطرح في هذا المضمار هو ما مدى استفادة إسرائيل من هذه التسهيلات؟
بالنسبة للواء يوآف مُردخاي، فإنه يفسّر هذه الخدمات بأنها سوف تقوم بتحسين مستوى المعيشة لدى السكان الفلسطينيين، ومساعدة اقتصاد الضفة الغربية. ولكنه يُشير إلى أنها سوف تفيد إسرائيل أيضًا. وأضاف: “أن إسرائيل تعتقد بأن الطريق لتحييد التوتر بين الطرفين هو تحسين الأوضاع في المنطقة، بشكل يخفّف الشعور بالمرارة في أوساط سكان الضفة الغربية. الأوضاع الاقتصادية المحسّنة معناها أيضًا، في نهاية المطاف، توقعات أقلّ لنشوب أحداث عنيفة”.

نتنياهو.. والطريق الثالث

هل يُمكن للأوضاع الاقتصادية المحسنة أن تمنع نشوب انتفاضة جديدة أو أحداث عنيفة كما يقول اللواء يوآف مُردخاي حقًّا؟ لا شك أن اللواء ليس وحيدًا في فكرته تلك، ففي عام 2008 في مؤتمر هرتسليا طرح بنيامين نتنياهو السؤال التالي: لماذا لا يوجد سلام بيننا وبين الفلسطينيين؟ هل المشكلة مُشكلة السيطرة على الأراضي؟ وراح يُحاول الإجابة على السؤال مؤكدًا أن الانسحاب من جنوب لبنان ومن مستوطنات قطاع غزة يؤكد أن المشكلة أكبر من ذلك، وهي أن العدو – الفلسطيني- يرفض وجود دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. ثم أكمل “الضعف الفلسطيني بلغ الذروة، والسلطة الفلسطينية غير قادرة على السيطرة على اتباعها”. وقال: “بين أيدينا خياران، إما أن نقوم بتغيير الواقع – بالأحرى أن نتجاهله، لأن السياسات لا يمكن أن تقوم على وهم- أو أن لا نفعل شيئًا”.

نتنياهو في مؤتمر هرتسليا الأخير

“السلام الاقتصادي يستطيع ويجب أن يمنع تجنيد واسع لنشطاء الإسلام المُتطرف”.

إلا أن نتنياهو قرر أن “يُبدع” خيارًا آخر، حين قال: أنا أقترح أن نسلك طريقًا ثالثًا – طريق السلام الاقتصادي. السلام الاقتصادي هو ممر لخيار السلام لاحقًا، وهو الذي سيخلق الظروف المُلائمة لتكون الأجواء جاهزة لذلك. السلام الاقتصادي يستطيع ويجب أن يمنع تجنيد واسع لنشطاء الإسلام المُتطرف. الجماهير الفلسطينية بحاجة إلى فسحة أمل، بحاجة للإيمان أنه بالإمكان أن تتحسن ظروفها الحياتية وأن هناك مُستقبلًا لأبنائها”.

ويُكمل “السلام الاقتصادي يعتمد على الأمن الإسرائيلي وواقع السوق: يجب أن نخلق “جُزرًا” من الازدهار، قواعد من الأمل – مشاريع زراعية، صناعية، سياحية، مشاريع موجهة لدعم الريف وغير ذلك. علينا أن ندعم مشاريع تعتمد على قوى السوق الحقيقية والتي من شأنها أن تُمكننا من التفاوض مع السلطة الفلسطينية. علينا أن نعمل على إيجاد تعاون في المنطقة. الأردن يُمكن أن تكون شريكًا ممتازًا لهكذا أفكار. مشروع قناة الماء من البحر الأحمر إلى البحر الميت هو مُجرد مثال للتعاون المطلوب”.

نتنياهو.. كيري وفياض!

“مجلة التايمز الأمريكية كانت قد وضعت فياض في المرتبة العاشرة في القائمة التي ضمت مئة شخصية الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم”.

بعد هذا الخطاب بعام واحد، تم اختيار نتنياهو رئيسًا للوزراء في إسرائيل مرّة ثانية بعد أن كان رئيسًا بين 1996 و1999. ليُعلن نتنياهو عن قيام لجنة وزارية خاصّة لدعم فكرة “السلام الاقتصادي” وكان من بين هؤلاء إيهود باراك وأفيغدور ليبرمان، زعيم حزب إسرائيل بيتنا، المعروف بعُنصريته. في نفس هذا العام (2009) تقدم رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض برؤيته الخاصّة لبناء «الدولة» خاصّة وأنه شغل منصب وزير المالية في عهد ياسر عرفات وخبرته الواسعة في البنك الدولي، من خلال خطة عمل برنامج الحكومة تحت عنوان «فلسطين: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة». والتي أكد فيها أنه “ينبغي للفلسطينيين أن لا ينتظروا التسوية السلمية النهائية مع «إسرائيل، لكن عليهم المضي قدمًا في إنشاء دولتهم”. كما أكد أن “هدفنا على المدى القريب يتلخص في تحفيز الاقتصاد والتخفيف من وطأة الفقر التي يعاني منها مواطنونا. أمّا على المدى الأبعد فإن هدفنا هو بناء اقتصاد حيوي قائم على المعرفة وقادر على إنتاج بضائع وتقديم خدمات عالية الجودة تكون قادرة على المنافسة في الوطن والخارج، بحيث تُشكل القاعدة الاقتصادية المتينة أساسًا لرخاء اجتماعي مرغوب ومطلوب”. وفيما يخص علاقة دولة “فلسطين” الجديدة بإسرائيل، فقد جاء في البرنامج “ستُعلَن الدولة الفلسطينية عام 2011، لتعيش إلى جانب دولة «إسرائيل» في توافق كامل”.

متظاهرون ينددون بالسياسة “الفياضية”

مع أن السياسات “الفياضية” حظيت بدعم أوروبي وأمريكي، حتى أن مجلة التايمز الأمريكية كانت قد وضعت “فياض” في المرتبة العاشرة في القائمة التي ضمت المئة شخصية الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم. إلا أن الواقع كان مُختلفًا جدًّا، فسياسات سلام فياض لم تحقق إلا المزيد من ارتفاع الأسعار والازدياد في رسوم الضرائب وقلة فرص العمل وفوق ذلك، بدأ المواطن الفلسطيني يعتمد بشكل غير مسبوق على القروض البنكية للتحسين من مستوى حياته بأسرع وقت ممكن، حتى صار الموظف الذي يتقاضى 600 دولار قادرًا على شراء سيارة بواسطة البنك مُقابل دفع 250 دولارًا شهريًّا مثلًا وليس هذا إلا مُجرد نموذج للنظرية “الفياضية” التي لا زال المواطن الفلسطيني يرزح في ظلالها حتى يومنا هذا رغم استقالة فياض.

في نفس فترة استقالته، ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليعلن جون كيري عن خطته الخاصّة لدعم “السلام الاقتصادي” من جديد، فقد أعلن في أواخر أيار (مايو) 2013 على ضخ استثمارات تقدر بنحو أربعة مليارات دولار لتعزز الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية بنسبة 50 في المائة خلال الثلاث سنوات المقبلة، وخفض نسبة البطالة بنحو ثلثين، ورفع الرواتب بنسبة 40 في المائة. كما أنه التقى بنتنياهو واتفق الاثنان على دعم التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية. وكما يقول الكاتب الفلسطيني محمد العبد الله: “قد استقال سلام فياض الشخص، لكن السلام الاقتصادي بتعريفه الحقيقي: الهيمنة والتبعية، البرنامج والنهج وأدواته، ما زالت موجودة”.

فياض يصغي لكلام شمعون بيريس باهتمام بالغ

السلام الاقتصادي.. “أكذوبة”

“الكثير من الأراضي في مناطق (ج) غير مستغلة. وإسرائيل لا تسمح بالقيام بأي مشاريع عليها سواء كان ذلك للبناء، أو التجارة، أو الصناعة”.

في موقع (كالكاليست) الإسرائيلي للشؤون الاقتصادية، يُعلق داني روبنشتاين على نتنياهو ومخططاته للسلام الاقتصادي قائلًا: “فِعليًّا فإن كُل هذه الوعود بعيدة عن الواقع، طالما أن 60% من أراضي الضفة الغربية هي أراضي (ج) وتقبع تحت السيطرة الإسرائيلية، وبالتالي معظم الموارد التطويرية تابعة لإسرائيل، ولهذا لا يوجد أمل للسلام الاقتصادي”.

ويضيف أيضًا: “الكثير من الأراضي في مناطق (ج) غير مستغلة. وإسرائيل لا تسمح بالقيام بأي مشاريع عليها سواء كان ذلك للبناء، أو التجارة، أو الصناعة. على مدار سنوات طويلة قامت السلطة الفلسطينية بعرض مخططات استثمارية كثيرة: مشاريع إسكانية في الأغوار “غور الأردن”، مطار دولي بالقرب من منطقة النبي موسى جنوب أريحا والذي من المفترض أن يستقبل حُجاج مسلمين من الشرق، إقامة فنادق وموقع ترفيه. كان هناك أيضًا مُخطط لإقامة مُنشآت للصناعات الكيميائية شمال البحر الميت. كُل هذه الخطط لم تر النور”. ويؤكد روبنشتاين أن مناطق (ج) من الناحية الفعلية تابعة لإسرائيلية وهناك مساعٍ إسرائيلية جادة لضم هذه المناطق لإسرائيل بشكل رسمي وبالتالي انعدام أي أمل ممكن للسلام الاقتصادي أو قيام دولة فلسطينية.

إسرائيل مستمرة في بناء المستوطنات في مناطق السلطة الفلسطينية

“خوري: الحصار على غزّة يقوي حركة حماس، القيادة والمخابرات الإسرائيلية يعلمون هذا جيدًا، وهذا الوضع مُستمر لأن الحكومة الحالية لا تُريد أن تدفع ثمن السلام”.

على الجانب الآخر، فقد أكد وزير الاقتصاد الفلسطيني الأسبق باسم خوري في كلمة له في مؤتمر عُقد في مدينة تل أبيب أن بقاء الاحتلال في الضفة هو السبب لهدم الاقتصاد في السلطة الفلسطينية، وراح يؤكد للحضور: “لقد مللنا من أنصاف الحُلول، الصراع يجب أن يُحل باتفاقية سلام”، وأضاف: “الحصار على غزّة يقوي حركة حماس، القيادة والمخابرات الإسرائيلية يعلمون هذا جيدًا، وهذا الوضع مُستمر لأن الحكومة الحالية لا تُريد أن تدفع ثمن السلام”. وأضاف خوري: “أسهل شيء يُمكن لإسرائيل أن تقوله أن القيادة الفلسطينية ضعيفة ولا تجد من تتفاوض معه”.

وفي هذا السياق يرى خُبراء في الاقتصاد أن كُل التسهيلات التي تجد دعمًا من الأوساط الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية أمام مواطنيها، وهي تُحاول اكتساب رضاهم من خلال منحهم فرص العمل في إسرائيل وبتحسين ظروفهم الحياتية والمعيشية، وهو ما لم تستطع السلطة الفلسطينية مُنذ قيامها تحقيقه لهم وكما يحلو للبعض القول، إنها سياسة “العصا للسلطة والجزرة للشعب”.

(GERMANY OUT) Möhre auf einem Stock.   (Photo by Wodicka/ullstein bild via Getty Images)

جزرة نتنياهو

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد