يتواصل مسلسل متابعة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» قضائيًا خلال السنوات الأخيرة، بتهم فساد متنوعة، ما بين تلقي رشاوى أو «هدايا ممنوعة» كما يسميها القانون الإسرائيلي، وتلقي أموال تمويل لحملاته الانتخابية وسفراته خارج البلاد، وليس بآخر هذه القضايا تلقيه السجائر الفاخرة وزجاجات الشمبانيا.

ويعرف المجتمع الإسرائيلي أن أسلوب حياة نتنياهو وزوجته «سارة» باذخ بشكل مبالغ فيه، مقارنة مع من سبقه في رئاسة الوزراء بإسرائيل، وتأتي هذه النفقات الضخمة على حساب خزينة الدولة الإسرائيلية، والأدهى هو وجود قضايا تتعلق بنفوذ سارة نتنياهو كصاحبة تأثير كبير في قرارات زوجها السياسية. وبالرغم من عدم إصدار حكم نافذ على نتنياهو في أي من هذه القضايا حتى الآن، إلا أنه قد يدفع ضريبة هذه التهم سياسيًا؛ من خلال الإطاحة به من رئاسة الوزراء.

السجائر وزجاجات الشمبانيا

«يدخن في الشهر سجائر بمبلغ يقدر بـ15 ألف شيكل (نحو 5000 دولار)»، هذا ما كشفته القناة الثانية الإسرائيلية الخميس الماضي عن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو».

 

جاءت إثارة الكميات التي يتناولها نتنياهو من السجائر في إطار جولة جديدة من التحقيقات يخضع لها رئيس الوزراء الإسرائيلي، فهذه السجائر التي قدرت قيمتها المالية بمئات آلاف الشواكل (الدولار=3.84 شيكل)، هي هدايا ممنوعة حصل عليها بناء على طلبه الخاص.

ويبين المحلل السياسي والعسكري الإسرائيلي البارز، «أمنون أفراموفيتش» أن «الشبهة المحورية في قضية تلقي الهدايا هي سجائر فاخرة وصلت نتنياهو من رجل الأعمال أرنون ميلتشن (أحد أكبر المنتجين في هوليوود؛ ويملك 9.8% من أسهم القناة الإسرائيلية العاشرة)، على مدار 8 سنوات».

ويشير تقرير القناة إلى أن الهدايا الممنوعة كانت أيضًا من نصيب زوجة نتنياهو، إذ تلقت «سارة» من رجل الأعمال «ميلتشن» زجاجات شمبانيا زهرية، المقدر ثمن الواحدة منها بـ100 دولار، ويعرف عن سارة نتنياهو أنها مدمنة خمر، فكما يقول أحد العاملين في منزلها «ماني نفتالي» «عندما جئت إلى مسكن رئيس الحكومة، اكتشفت أنّها تشرب كميات جنونية من الكحول. فزعت عندما رأيت كم تشرب: 3 زجاجات شامبانيا في اليوم».

من تمويل الانتخابات إلى قضية «بيبي تورز»

منذ بداية ولايته في الحكومة الإسرائيلية، وتحديدًا في الفترة ما بين عامي 1996- 1999، وجهت عدة اتهامات لنتنياهو بحصوله على أموال من أثرياء وجمعيات وهمية بهدف تمويل حملاته الانتخابية بشكل مخالف للقانون الإسرائيلي، كما جرى التحقيق مع نتنياهو عقب خسارته في انتخابات العام 1999؛ بتهمة حصوله على هدايا تلقاها كرئيس للوزراء وأودعها في منزله، بينما من المفترض أن تبقى تلك الهدايا في مستودعات الدولة.

وتعد واحدة من أبرز القضايا التي لاحقت نتنياهو هي علاقته بالأثرياء، فعلي السبيل المثال، أقر المليونير الفرنسي اليهودي «إرنو ميمران» خلال محاكمته أمام القضاء الفرنسي بتهمة النصب والاحتيال، أنه «نقل في العام 2009، لبنيامين نتنياهو ما يعادل 170 ألف يورو، لغرض تمويل حملة نتنياهو الانتخابية»، وهو ما نفاه نتنياهو بادعائه أنه «تلقى من صديقه ميمران في العام 2001 ما يعادل 41 ألف يورو، لتمويل حملات دعاية دعم لإسرائيل كان يقوم بها، حينما كان خارج الحلبة السياسية، بين العامين 1999 ونهاية العام 2003«.

وتعد القضية الأشهر في قضايا الفساد التي لاحقت نتنياهو هي قضية تمويل السفريات التي تعرف بـ «بيبي تورز«، إذ حُقق معه حول شبهات حصوله مع أفراد عائلته على أثمان تذاكر سفر إلى خارج البلاد، من جهات خارجية، ومن مستثمرين، بشكل مناقض للنظام القانوني القائم بإسرائيل بما يتعلق بسفر الوزراء، كما تذكر وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وذكر حينها مراقب الدولة الإسرائيلية، القاضي المتقاعد «يوسف شابيرا» أن «عشر جهات مختلفة، بينها حكومات دول أجنبية ومنظمة «البوندس» وهيئات عامة ورجال أعمال وأشخاص، مولوا سفريات نتنياهو وعائلته، أو مولوا المكوث في فنادق فاخرة خارج البلاد.« ويظهر تحقيق المراقب أن «أكثر من نصف سفريات نتنياهو، كوزير مالية، شملت تمويلًا أجنبيًا، وأنه في جميع السفريات لم يتوجه نتنياهو إلى لجنة الهدايا من أجل الحصول على تصريح، والتدقيق في ما إذا كان الحصول على التمويل الخارجي يعتبر حصولًا على هدايا يحظر أخذها«، يشار إلى أن الممول الرئيس لسفريات نتنياهو وعائلته في هذه القضية هي منظمة تبيع سندات دين معروفة باسم «البوندس»، وهي ممولة بكاملها من الخزينة الإسرائيلية، كما شملت هذه القضية سفر لنتنياهو وزوجته إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في العام 2003، بتمويل من مدير أعمال يهودي أميركي لتلك الرحلات بمبلغ 4795 دولار.

فساد «سارة نتنياهو»

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نشرت القناة العبرية «الثانية» تحقيقًا أثبتت فيه تدخل زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» في شؤون الحكم السياسية داخل إسرائيل، لم تكن هذه التهمة الأولى ضد سارة نتنياهو، فقد أثير العديد من الشبهات حولها كزوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكن لم تتم إدانتها رسميًا.

ويظهر التحقيق اعتياد «سارة نتنياهو» على التدخل في القرارات السياسية لزوجها منذ سنوات، فقد تم إشراكها في جلسات سرية عن عملية إسرائيلية وراء الحدود جمعت بين زوجها ورئيس جهاز الموساد الأسبق «مئير دغان»، ونشرت القناة تسجيلًا لـ «دغان» قال فيه إنه «عارض بقاء سارة بغرفة الاجتماعات»، قائلًا لنتنياهو «إنه لا يمكن السماح باشتراكها بجلسات مصنفة كبالغة السرية»، أضاف «فهمت من تلك اللحظة أن مستقبلي السياسي قد حسم«، ولم يبعد عن سارة، التي وصفت بـ«المرأة الأكثر تأثيرًا في إسرائيل»، تهم تتعلق بتعيين مسئولين كبار بالسلك الحكومي الإسرائيلي، وسعي مرشحين إسرائيليين لنيل رضاها؛ لإيقانهم أن الأمر مرتبط بحصولهم على تلك المناصب.

لم تتوقف تدخلات سارة هنا، فالعديد من القضايا التي استهدفت نتنياهو كانت بسبب زوجته وحدها، لقد قدرت مصروفات بيته بأنها أربع أضعاف مصروف بيت أي رئيس وزراء إسرائيلي سابق، حتى أن مصاريف رعاية والدها المسن دفعت من ميزانية مقرّ إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس، وسبق أن خضعت سارة في ديسمبر (كانون أول) 2015، للتحقيق في اتهامات تتعلق بسوء استخدام الأموال العامة واستغلالها نفوذ زوجها لجني الأرباح، كما قالت مصادر الإعلام الإسرائيلية.

تذكر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن هناك ثلاثة ملفات ضد سارة، «أولها أن سارة نتنياهو مشتبه بطلبها الطعام وتوظيف طهاة خاصين لمناسبات عائلية، وسداد أجورهم من مقر إقامة رئيس الوزراء في القدس، كما يشتبه بدفعها مصاريف أنشطة ترفيهية عائلية خاصة من الأموال العامة»، وتضيف الصحفية «الشرطة أوصت في الملف الثاني بإدانة زوجة رئيس الوزراء للاشتباه بدفعها مصاريف رعاية والدها من ميزانية مقر إقامة رئيس الوزراء»، وفيما يتعلق بالتهمة الثالثة فهي ترتبط «بتنفيذ ناشط من حزب الليكود أعمال صيانة في منزل العائلة في قيساريا (شمال) بأسعار مرتفعة».

أما القضية الأشهر في المجتمع الإسرائيلي، فهي تورط سارة في التنكيل بعاملين وعاملات داخل بيتها، وما يميز هذه القضية هي قدرة المسؤول عن العمال في بيت رئيس الحكومة «ماني نفتالي» عن انتزاع حكم قضائي بتعويضه ماليًا 170,000 شيكل (43,735 دولار) عن معاناة وإهانات وتوبيخ مذل وصراخ خلال عمله في 2012-2011، حدث ذلك في فبراير (شباط) الماضي، وقالت القاضية التي توالت النطق بالحكم «إن المواد والدلائل التي قدمت لها تعكس صورة بائسة جدًا لمنزل رئيس الحكومة من ناحية التعامل مع العاملين فيه، وانتهاك حقوقهم وكرامتهم»، مضيفة أن «حقيقة عمل هؤلاء في منزل من هو صاحب الصلاحية الأعلى في الدولة لا يكسب زوجته أي حق بالاعتداء على حقوق العاملين وإهانتهم وإلزامهم بالعمل ساعات طويلة وأحيانًا سبعة أيام في الأسبوع وتحت ظروف قاسية».

المطلوب «رأس» نتنياهو السياسية

في حال ثبوت قضايا، التي أثيرت مؤخرًا ضد نتنياهو، فقد تتحول إلى مقصلة لمستقبل نتنياهو السياسي، ويصبح من السهل الإطاحة به، لكن بغض النظر عن تلك القضية، يؤكد تتابع الاتهامات ضد نتنياهو خلال الفترة الأخيرة أن تلك القضايا التي لم تطح به كرئيس وزراء، لها أثرها التراكمي الذي يسبب خللًا بالثقة في شخصه كرئيس الوزراء، ولدى الرأي العام الإسرائيلي.

ويؤكد تقرير نشره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» أن «هذه الشبهات ما هي إلا قشرة لما هو أكبر، أو طرف لجبل جليد، وهذا قبل الكشف عن تفاصيل القضية الجديدة، حول تلقي نتنياهو أموالًا ضخمة بشكل غير مشروع»، ويوضح التقرير أن هناك عدة جهات باتت تطلب «رأس» نتنياهو سياسيًا، ويشير التقرير إلى أن هؤلاء هم في الغالب من أطاح بهم نتنياهو خلال سنوات تواجده في الحلبة السياسية كرئيس لحزب الليكود أو كرئيس للوزراء، إذ عمل على استبعاد فريق من كبار الجنرالات وقادة الأجهزة الاستخباراتية، ليجد هؤلاء أنفسهم في هجوم سياسي حاد ضد نتنياهو، ومن أمثال هؤلاء رئيس جهاز المخابرات الخارجية «الموساد» الراحل مئير دغان، والرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة «الشاباك» «يوفال ديسكن»، وغيرهما، ويضيف تقرير «مدار» المزيد من خصوم نتنياهو، وهم من يصفهم بـ«حيتان المال الإسرائيليين والأجانب»، فمن المعروف أن لنتنياهو سياسته الاقتصادية التي تخدم احتكاريين مقربين منه، ولهذا فإنه «في الوقت الذي يخدم فيه حيتان معينين من رجال الأعمال، فإن آخرين مثلهم سيتضررون، وبطبيعة الحال سيبحثون عن وسيلة للرد» حسب ما جاء في التقرير.

عرض التعليقات
تحميل المزيد