ما يزال الغموض يخيم على مصير تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعدما خرجت الانتخابات العامة الأخيرة بنتائج غير حاسمة لطرف دون الآخر، وذلك بعد عام شهد اضطرابًا انتخابيًا غير مسبوق، حيث أجريت الانتخابات مرتين فيه، مرة في التاسع من أبريل (نيسان) وأخرى في 17 سبتمبر (أيلول).

تلك النتائج حصرت تشكيل الحكومة في خيارات غير متاحة في الغالب أمام كل من زعيم حزب الليكود ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو وخصمه الأبرز بيني غانتس، زعيم حزب «أزرق أبيض» المنتمي إلى تيار الوسط، حيث فشل كلاهما في تحقيق الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة حتى الآن،  لانحسار تلك الخيارات في تشكيل حكومة وحدة بين الخصمين، أو التحالف مع القائمة المشتركة (العربية) أو التحالف مع أفيغدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني.

الانتخابات الإسرائيلية.. نتائج وتحالفات غير متوقعة

«خلال الانتخابات، دعوت لتشكيل حكومة يمينية، لكن لسوء الحظ تظهر نتائج الانتخابات أن هذا غير ممكن»، هذا ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب ظهور نتائج الانتخابات العامة التي جرت الأسبوع الماضي.

بيني غانتس، زعيم حزب «أزرق أبيض» المنتمي إلى تيار الوسط.

إذ لم تسفر تلك الانتخابات عن فائز واضح، حيث حصل الحزب الأكبر «أزرق أبيض» على 33 مقعدًا، يليه حزب «الليكود» المتطرف الحاصل على 31 مقعدًا، وبذلك يصبح نتنياهو زعيم «الليكود» الذي يضمن أن ينحاز لتشكيل حكومته حلفائه في الأحزاب اليمينية والدينية غير قادر تشكيل حكومة بتلك الأحزاب، فمجمل ما يشكله معسكره اليميني 55 مقعدًا في الكنيست، مقابل 44 مقعدًا لمعسكر «الوسط – يسار» بقيادة رئيس كتلة «كاحول لافان»، بيني غانتس، زعيم حزب «أزرق أبيض» المنتمي إلى تيار الوسط.

وحسب النتائج السابقة لم يصل كلّ من غانتس ونتنياهو لأغلبية 61 من أعضاء الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا والمطلوب لتشكيل حكومة، فكلهما لن يستطيعا جمع أغلبية برلمانية مع حلفائهما الأصغر التقليدين وهم بحاجة لحليف اعتاد مخاصمتها كي يتمكن أحدهما من تشكيل الحكومة في الأيام أو الأسابيع القادمة.

وخرجت هذه الانتخابات بنتائج مفاجأة تقتضى تحالفات غير متوقعة  تمكن من تشكيل الحكومة، منها تشكيل حكومة وحدة مع غانتس بقيادة نتنياهو، لكن غانتس يستبعد المشاركة في حكومة مع نتنياهو المدان بتهم الفساد، أو تحالف نتنياهو مع أفيغدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني الذي حصل على ثمانية مقاعد، لكن الأخير أكد أنه لن يشارك في ائتلاف يضم الأحزاب الدينية المتطرفة، أي الشركاء الرئيسيون لنتنياهو.

كما كانت واحدة من أهم النتائج المفاجأة هي أن تصبح القائمة المشتركة (العربية) كقوة ثالثة في الكنيست حيث حصلت على 13 مقعدًا، ولرفضها الكبير لنتنياهو الذي ركزت حملته الانتخابية على شيطنة «فلسطينيي 48» اضطرت القائمة العربية المشتركة مؤخرًا إلى توصية بحزب غانتس الذي قاد حربًا مدمرة في عام 2014 على غزة، وهي مع عدم إعطائه زمام المبادرة بشكل واضح، خرقت سياسة استمرت قرابة ثلاثة عقود بعدم دعم زعيم إسرائيلي مع استمرار الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.

وفي محاولة لإنقاذ إسرائيل من  إجراء انتخابات عامة للمرة الثالثة هذا العام، أقدم الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال الساعات القليلة الماضية على الاجتماع مع نتنياهو وغانتس لدعم حظوظ إقامة حكومة وحدة إسرائيلية تضم «كاحول لافان» والليكود، مع إمكانية التناوب على منصب رئاسة الحكومة في حال تشكيل هذه الحكومة.

ربما هي أهم انتخابات منذ قيام إسرائيل.. وقد يصبح نتنياهو صاحب أطول مدة رئاسة وزراء

 ليبرمان.. «صانع الملوك»

«أقترح أن يرسل أيمن عودة (رئيس القائمة المشتركة) باقة من الورود إلى نتنياهو»، أراد وزير الدفاع السابق المتطرف أفيغدور ليبرمان بمقولته السابقة أن يحرج نتنياهو بتحميله مسئولية ما أسماه بـ«توافد العرب على صناديق الاقتراع، لصرخة نتنياهو بشأن الكاميرات والتزوير في مراكز الاقتراع في المجتمعات العربية التي فعلت ما فعلته، فقد احتشد الجمهور العربي حول القائمة المشتركة وصوت لها بشكل مرتفع».

وزير الدفاع السابق المتطرف أفيغدور ليبرمان

يعتبر ليبرمان الذي فاز حزبه «إسرائيل بيتنا» المتطرف بثمانية مقاعد الآن بمثابة «صانع الملوك» فعدم تحالفه مع غانتس أو نتنياهو يجعل كلا الاثنين عالقين، إذ يقتضى تأمين حكومة ائتلافية  التحالف مع أحزاب أصغر تضمن الوصول إلى ما لا يقل عن 61 من أصل 120 مقعدًا في الكنيست كما أسلفنا.

لكن لماذا لا يقف ليبرمان مع نتنياهو أو مع غانتس لتشكل الحكومة الإسرائيلية فورًا؟ يجيب الباحث المختص في الشأن الاسرائيلي عمر جعارة على هذا التساؤل بأن نتنياهو الذي لا يستطع التخلي عن حلفائه التقليديين من الأحزاب الدينية يعي أن ليبرمان يريد منه في حال وافق على التحالف معه أن يفرض التجنيد الإجباري على المتدينين، وأن يزيل الكهنة من الحكومة المقبلة، ويفرض العمل في يوم السبت المحرم، وكذلك يفرض التعليم العلماني على المدارس الدينية.

أي أن يدرس الطلبة فيها الرياضيات والفيزياء والكيمياء، كما يضاف إلى هذه المطالب التي لا يستطيع نتنياهو  تنفيذها العلاقة الحدية بين الشخصين، فنتنياهو يهاجم ليبرمان بكل عنف، ويعتبره يساري وعدو الوحدة الوطنية والسبب الأول في إعادة الانتخابات، بينما ليبرمان يرفض أن يجلس مع نتنياهو الذي يعتبره يميني فاسد وتلاحقه ملفات خيانة الأمانة والرشوة.

ويتابع جعارة لـ«ساسة بوست»: «يأخذ ليبرمان على حزب «أزرق أبيض» أنه يتعاون مع القائمة العربية، لكون القائمة قررت تأييد غانتس، ولذا هو يقول أن الحزب يجلس مع الإرهابيين والقتلة والذين يريدون تدمير دولة إسرائيل، لكن القائمة العربية كانت أذكي من ليبرمان لكونها أعلنت أنها لا تريد مناصب وزارية في حكومة غ غانتس، وإنما فقط تريد أن تكون صمام أمان لهذه الحكومة، ومع ذلك فإن فرص انضمام ليبرمان لمعسكر غانتس أكبر من انضمامه لمعسكر نتنياهو»، متابعًا: «السيناريوهات المتوقعة إما أن ينضم ليبرمان إلى غانتس فتشكل الحكومة، وإما الذهاب إلى انتخابات ثالثة».

مصير نتنياهو القادم

يقاتل نتنياهو من أجل البقاء على كرسي رئيس الوزراء الإسرائيلي بكل قوة؛وذلك لأنه يدرك أن أي منصب غير رئاسة الوزراء لن يوفر له الحماية من تهم الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، فهو في حال فوزه سيضمن تمرير قانون الحصانة الذي سيعفيه من المحاكمة التي قد تفضي لسجنه 25 عامًا.

عضو الكنيست الإسرائيلي العربي أيمن عودة يحاول التقاط صورة عن قرب لنتنياهو عقب اندلاع صدام بينهما قبل التصويت على مشروع قانون للسماح للكاميرات في صناديق الاقتراع.

بيد أن نتنياهو الذي يماطل في الجبهة القضائية، على أمل أن يتمكن من تحسين مكانته في الحلبة السياسية، هو على موعد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل مع المدعي العام الإسرائيلي الذي سيعقد جلسة استماع تمهيدية في   بتهمة الاحتيال والرشوة في ثلاث قضايا فساد  تخص نتنياهو، وهنا يشير الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي عمر جعارة إلى أن نتنياهو إذا ما خرج من الحكم فلا مصير له إلا السجن؛ لأن التهم الخاصة بملفاته تعد ملفات فساد ساخنة، وفيها من البينات ما يكفي لإدانته، ويوضح جعارة: «يريد نتنياهو جراء الوصول لرئاسة الوزراء الآن سن قانون الحصانة، أي استصدار قانون يفرض أن لا يحاكم أي رئيس طالما أنه على رأس عمله».

فيما يوضح المختص في الشأن الاسرائيلي عصمت منصور أن مسألة البقاء في الحكم بالنسبة نتنياهو هي مسألة حياة أو موت، فهو الآن يستميت من أجل البقاء في الحكم بأي صيغة وبأي ثمن، وذلك لأنه يدرك أن عدم وجوده في السلطة يعني ذهابه للسجن حتمًا.

ويوضح منصور: «نتائج الانتخابات لن تأتي لصالح نتنياهو، ولن تمكنه من تشكيل حكومة مع الأحزاب التي استعدت أن تبرر قانون حصانة يعفيه من المحاكمة، وبالتالي الآن هو يصارع ليكون رئيس الحكومة الأول إذا كانت هناك الحكومة بالتناوب (حكومة وحدة مع غانتس)؛ مما يساعده في التهرب من هذه الملفات، ولكن أيضًا يشترط أن يكون نتنياهو قد أنهى كل  ملفاته قبل أن يشاركه في أي حكومة».

ويشدد منصور على أن نتنياهو لن يكون رئيس حكومة كما كان في السابق مطلقًا وبأغلبية مريحة أي بائتلاف مريح من اليمين، فنجاحه في تكوين حكومة وحدة وطنية مع غانتس سيكون فيها نتنياهو شريك وليس رئيس وزراء؛ مما يعني أنه قد يخضع لتحقيق في قضايا الفساد خاصته.

بيد أن هناك طوق نجاة آخر لنتنياهو، وهو الحصول على صفقة بإصدار عفو عنه، مقابل تنحيه واعتزال الحياة السياسية، فإذا تم التوصل إلى مثل هذه الصفقة، فسيضطر نتنياهو إلى الانسحاب من المناصب العامة، ويعرف أن 80٪ من القضايا التي تمت مقاضاتها في إسرائيل تنتهي في صفقة إقرار بالذنب.

«يديعوت أحرونوت»: هذا ما كان يأمله الحكام العرب من انتخابات إسرائيل

المصادر

تحميل المزيد