إذا كنا نبحث عن توصيف مناسب للعصر الذي نعيش فيه، فربما يكون من المناسب تسميته «عصر الخوارزميات»؛ إذ أصبحت الخوارزميات تشكِّل جزءًا رئيسيًّا من عالمنا، بل تحدد لنا ما نشاهده وما نسمعه وما نقرأه، والأمر لا يتعلق فقط بخوارزميات «فيسبوك» كما يظن الكثيرون؛ فاستخدامات الخوارزميات تعدت ما يظهر لنا من منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى منصات الترفيه مثل «نتفليكس».

ترتبط الخوارزميات في حياتنا حاليًا بكل ما نستخدمه عبر أدوات التكنولوجيا، من مواقع الإنترنت، وتطبيقات الهواتف المحمولة، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى تطبيقات الترفيه مثل سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام، أضف إلى هذا استخدام الخوارزميات في اتخاذ قرارات معينة؛ إذ أصبحت الخوارزميات تفحص طلبات العمل وتصحح نتائج الاختبارات، بل حتى توجه اهتمام الشرطة نحو أنواع معينة من الجرائم.

ونتيجة لأن الخوارزميات أصبحت هي التي تحدد لنا توصيات ما نشاهده ونسمعه ونقرأه، بدأت تدريجيًّا في تشكيل وعينا بطريقة مختلفة وتغيير أذواقنا نحو أنواع مختلفة من المحتوى الترفيهي، فمنصات البث مثل «نتفليكس» و«سبوتيفاي» وغيرهما، أعادت تشكيل الطريقة التي نستهلك بها المحتوى الترفيهي، وذلك من خلال زيادة الأفلام والموسيقى المتاحة للمشاهدين بشكل كبير، والتحكم فيما يظهر أولًا للمشاهد أو المستهلك.

توجيه المشاهد..«نتفليكس» نموذجًا

عندما تقرر الجلوس أمام شاشة التلفاز أو حاسوبك من أجل فتح تطبيق «نتفليكس» لمشاهدة محتوى ترفيهي ما، فأنت تكون أمام سيناريوهين. الأول، هو أنك تعرف مسبقًا الفيلم أو المسلسل الذي تريد مشاهدته، ومن ثم تكتبه مباشرة وتشاهده دون مشكلة.

بينما السيناريو الثاني هو أنك لا تعرف ما تريد مشاهدته، ومن ثم تفتح التطبيق، وتبدأ في النظر إلى ما يظهر أمامك من خيارات حتى تختار أحد الأفلام أو المسلسلات، وهنا تحديدًا تعمل خوارزميات «نتفليكس» وتوجهك إلى حيث يفترض أنك تحب وتفضل من نوعيات المحتوى الترفيهي.

لكن الحقيقة أن هذه الخوارزميات التي تستخدمها خدمات الترفيه مثل «نتفليكس»، توجه انتباهنا في اتجاهات معينة، وتنظم المحتوى وتبقينا نشطين بشكل دائم، فبمجرد فتح التطبيق، تبدأ عمليات التخصيص هذه التي تعتمد جزئيًّا على اهتماماتك المسبقة وبيانات المستخدمين الآخرين، لكنها أيضًا تقدم لك المحتوى بتفصيلات وقوائم توجهك نحو خيارات معينة، وهذا هو السبب وراء أن الدراما الكورية الشهيرة «Squid Game»، أصبحت أكبر سلسلة يشاهدها الجمهور على شبكة «نتفليكس» بإجمالي يزيد على 132 مليون مشاهد تابعوا الحلقات جزئيًّا أو كليًّا.

هذا التوجيه كما سنفصل لاحقًا له علاقة بالـ«ترند» وتقديم ما يفضله الناس إلى مجموعة أكبر من المستهلكين، ففي النهاية، يهم هذه المنصات أن يستهلك الناس أكبر كم من المحتوى؛ لأنه يعني انجذاب مزيد من الناس لها.

الخوارزميات.. تشكيل ذوق المشاهد

ما سبق يعني أن الذوق الثقافي العام في العالم أصبح آليًّا، أي يعتمد على الذكاء الاصطناعي المبرمج مسبقًا، بدلًا من أن يكون مجرد نتاج لخبراتنا السابقة وخلفياتنا ودوائرنا الاجتماعية. إذ لا تستجيب الخوارزميات لأذواقنا فحسب، بل إنها تشكلها وتؤثر فيها أيضًا، من خلال تصدير أعمال معينة في مقدمة الخيارات التي تظهر لك، وهو ما سنفصله تاليًا.

بالطبع أصبحت المنصات الترفيهية مثل «نتفليكس» و«يوتيوب» و«سبوتيفاي» وغيرها، مليئة بكم كبير من المحتوى الذي يحتاج إلى عملية تنظيم وإدارة ملائمة من المشاهد، وهذه العملية تعتمد على خوارزميات جديدة تساهم في تغيير ثقافتنا وأذواقنا دون أن نشعر. هذا الأمر يتعلق بعملية التصنيفات التي نشاهدها على التطبيق، والتي اتخذت أشكالًا جديدة منحتها قوة إضافية للتأثير.

نأتي هنا إلى أمر مهم، وهو عملية التصنيف وتأثيرها في وجهة النظر وكيفية رؤية الناس للأشياء من حولهم، فنحن في حياتنا الطبيعية نقوم بعملية تصنيف تلقائية لكل شيء حولنا، لكن عملية التصنيف هذه تختلف من شخص لآخر حسب طريقة تفكيره وخبراته السابقة.

على سبيل المثال، عندما يعمل شخص ما في شركة بها عدد كبير من الناس، يمكن أن ينظر هذا الشخص إلى الناس من حوله ويصنفهم بطرق مختلفة. فيمكن أن يصنفهم حسب مستواهم المادي، فيقول هؤلاء يمثلون قائمة الفقراء وهؤلاء الأغنياء، ويمكن أن يصنفهم إلى طيبين وأشرار، أو يصنفهم إلى أذكياء وأغبياء، وهكذا. عملية التصنيف هذه تعتمد على نظرة الشخص المسبقة إلى العالم.

لنفرض هنا أن هذا الموظف قد صنف زملاءه أذكياء وأغبياء، وأنه نجح في إقناعك بهذا التصنيف، أو أنه كرره أمامك لفترة طويلة، ستلاحظ أن طريقة تفكيرك ونظرتك إلى زملائك بالشركة بدأت تتغير نحو هذا التصنيف وستنظر إليهم وفق منظور أذكياء وأغبياء، رغم أنك كنت تنظر إليهم مسبقًا بتصنيف مختلف.

الأمر ذاته تفعله خوارزميات المنصات الترفيهية، التي بدأت في تغيير التصنيفات التي تظهر لك من خلال تغيير الأنواع وتسميات القوائم؛ وهو ما يعني أنها تغير نظرتنا إلى المحتوى الترفيهي، ومشاهدة العالم من خلال الأنواع والتسميات والفئات الجديدة هذه يساهم في إعادة تشكيل رؤيتنا الخاصة وشعورنا بالعالم من حولنا.

تصنيفات أكثر.. وأكثر

قبل 50 عامًا، كانت عملية اكتشافنا لمحتوى ترفيهي جديد، مثل فيلم أو أغنية يحدث من خلال الأصدقاء أو بالذهاب إلى متجر التسجيلات ومتابعة ما يوجد هناك، لكن الأمر اختلف الآن مع ظهور منصات البث الجديدة، التي أدت لاستهلاك المحتوى على نطاق واسع.

عندما كنت تذهب إلى متجر موسيقى، فربما كنت تبحث عن موسيقى جديدة عبر النظر إلى التصنيفات الموجودة مثل: كلاسيكية أو أجنبية أو شبابية أو رومانسية، وغيرها، لكن الآن اختلفت التصنيفات؛ إذ يحتوي تطبيق «سبوتيفاي» وحده على أكثر من 5 آلاف نوع موسيقي، كما يبتكر المستمعون أنفسهم أيضًا تسميات الأنواع الخاصة بهم عند إنشاء قوائم التشغيل. وكلما زاد استهلاك الناس للمحتوى أكثر اخترعوا تصنيفات مختلفة أكثر.

بسبب هذه التصنيفات والأنواع الجديدة، يمكن أن تكون أذواقنا أكثر تحديدًا وانتقائية، ويمكن أن تكون أذواقنا بسببها أكثر مرونة وتتقبل أفكارًا أخرى لم تكن منفتحة عليها، بغض النظر عن كونها تناسب قيمنا السابقة أم لا، فهذه التصنيفات التي يخترعها المستمعون بالإضافة إلى الخوارزميات الجديدة المخصصة لهذا الغرض أيضًا يمكنها تشكيل أذواقنا.

البيانات الوصفية.. تحديد الأذواق

على سبيل المثال، ربما تكون قابلت قائمة أغانٍ بعنوان «الاكتئاب» أو «الإحساس الجيد» أو «الحماسة»، وهذه نوعية من التصنيفات لم تكن موجودة من قبل، وتقدم طريقة مختلفة لنظرة الناس إلى الأغاني، وتنشأ هذه الفئات شديدة التحديد وتخزن ضمن ما يعرف بـ«البيانات الوصفية» أو «metadata»، وهي أكواد معينة داخل الخوارزميات التي تدعم النظام الرئيس للمنصات.

هذه البيانات الوصفية تصبح هي أساس التوصيات الشخصية التي تقدمها المنصة للمستخدم بمجرد دخوله، وتساعد في تحديد ما نستهلكه، فيمكنك أن تفكر في منصة «نتفلكيس» مثلًا بوصفها أرشيفًا ضخمًا للأفلام، ومن ثم، فإن الطريقة التي ينظم ويصنف بها هذا الأرشيف عبر البيانات الوصفية، تحدد ما يكتشفه المشاهد داخلها.

ستلاحظ أن آلاف الأفلام الموجودة على «نتفليكس» مصنفة طبقًا لتصنيفات متعددة بعضها مألوف مثل أفلام الرعب، والأفلام الوثائقية، والأفلام الرومانسية، وبعضها غير معتاد مثل فئة «أفلام حربية عن القرن العشرين»، وفئة «الأفلام المبنية على كتب ونالت استحسانًا كبيرًا»، وهي تصنيفات شديدة التحديد.

نعود إلى المسلسل الشهير حاليًا، «Squid game»؛ إذ يصنف هذا المسلسل ضمن فئات «كوري»، و«مسلسلات إثارة تلفزيونية»، و«دراما»، للوهلة الأولى، لكن هناك الآلاف من الفئات الأكثر تحديدًا في البيانات الوصفية الموجودة ضمن خوارزميات «نتفليكس» تجعله يظهر لك باستمرار.

تستخدم الصفحة الرئيسية لتطبيق «نتفليكس» هذه الخوارزميات المخصصة لتقدم لك فئات معينة من الأنواع، بالإضافة إلى أفلام ومسلسلات محددة، وهذا يعتمد أيضًا على الـ«ترند»، تمامًا كما يحدث على شبكات التواصل الاجتماعي. فكلما استُهلك الفيلم أكثر، جعلته الخوارزميات يظهر لمجموعة أكبر من الناس، والمسألة الأساسية هنا أن هذا التحكم فيما يظهر لنا من محتوى وخيارات، يحرمنا من فئات ونوعيات معينة، وهذا يغير من أذواقنا ويشكلها من جديد.

ترفيه

منذ 10 شهور
8 أفلام نُرشحها لكم.. أفضل ما يمكنكم مشاهدته على «نتفلكس»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد