أوشكت الجولة الأولى من الصراع بين مقدمي خدمة الاشتراك عبر الكابل في الولايات المتحدة الأمريكية، وبين مقدمي خدمة البث عبر الإنترنت، أن تنتهي بانتصار الأطراف الأخيرة – قياسًا على نمو عدد المشتركين – وانتقل الصراع في تلك الجولة إلى مقدمي خدمة البث عبر الإنترنت أنفسهم، وتفكيرهم الدائم في ري عطش مشتركيهم، ومن يفكرون في الاشتراك عن طريق تقديم محتوى مرئي مميز فريد من نوعه وحصري فقط عبر منصاتهم.

 شملت تلك الجولة من الصراع دخول أطراف عدة فيه، كاستدويهات الإنتاج المرئي في الولايات المتحدة، وشركات الإنتاج السينمائي الراسخة منذ منتصف وبدايات القرن الماضي، وجر الوحش العملاق الكامن بعيدًا «هوليوود» إلى المعركة.

اقرأ عن الصراع القائم: صراع البث على الإنترنت.. ما الذي سيشهده المستقبل القريب؟

في بيان لهم على موقعهم أعلنت «نيتفليكس» عن استحواذها على شركة إنتاج الرسوم والقصص المصورة التي أنتجت من قبل أفلام: Wanted , Kick Ass 1 and 2 و Kingsman the secret service، والتي تمتلك باعًا طويلًا في قصص لم يتم تحويلها حتى الآن، وكان هذا هو أول استحواذ لنيتفلكيس في تاريخها على شركة أخرى.

 وفي بيان آخر لمارك ميللر على موقع الشركة أوضح أن هذا الاستحواذ من شركات، مثل نيتفليكس، على شركات القصص المصورة هو الثالث من نوعه، فقد سبقه استحواذ شركة وارنر بروس العملاقة على شركة دي سي كوميكس صاحبة القصص المصورة لسوبر مان وباتمان وسايبورغ وفلاش وغيرها في عام 1968، ثم الاستحواذ الأكبر الثاني من شركة ديزني عام 2009 على شركة مارفل صاحبة القصص المصورة للرجل العنكبوت وأيرون مان والرجل الأخضر وثور وغيرها من الشخصيات.

الشق الأول من لماذا فعلت نيتفليكس هذا؛ يتمثل في رغبة الشركة في إنتاج محتواها الخاص الحصري على منصتها، وعدم رغبتها في الاكتفاء بما يقدم لها من شركائها، وأيضًا يتمثل في أن ميلارورلد لديهم قصص مصورة عن حوالي 18 من العوالم الأخرى التي إن تم إنتاجها وتسويقها قد تمثل نقلة كبيرة في عالم أفلام القصص المصورة التي يسيطر عليها حاليًا العملاقين ورنر بروس و ديزني، إضافة إلى ذلك فشركة ميلارورلد نفسها لديها الخبرة الكافية في إنتاج مثل تلك الأفلام، فقد حققت الأفلام الأربعة التي تم إنتاجها بناء على قصصها المصورة ما يزيد عن مليار دولار في شبكات التذاكر للسينما.

الشق الثاني لإجابتنا عن السؤال الخاص بلماذا قامت نيتفليكس بالاستحواذ على ميلارورلد جاء في اليوم التالي تمامًا لإعلان الصفقة.. لنعد للوراء قليلًا في مايو (أيار) 2016 كان العصر الذهبي للشراكة بين نيتفليكس وديزني – ديزني Disney من أهم شركات الإنتاج، لأنها تملك شركة Pixar التي تنتج أفلام الرسوم المتحركة، شركة Marvel Cinematic Universe التي تقوم بإنتاج أفلام الأبطال الخارقون، وشركة Lucasfilm التي تقوم بإنتاج أفلام Star Wars، بالإضافة إلى سلسلة إنديانا جونز، وقد تم توقيع عقد الشراكة لبث محتوى ديزني على نيتفلكيس في عام 2012.

ومع تجديد العقد بينهم في 2016 كانت نيتفليكس قد  قامت بإنتاج عدد من المسلسلات المبنية على القصص المصورة لمارفل المملوكة لشركة لديزني؛ فتم إنتاج مسلسل Marvel’s Daredevil و Marvel’s Jessica Jones في عام 2015، ثم مسلسل Marvel’s Luke Cage في عام 2016، ثم في العام الحالي تم إنتاج Marvel’s Iron Fist الذين تم عرضهم جميعًا حصريًا على منصة نيتفليكس، ثم تم إنتاج مسلسل Marvel’s The Defenders المنتظر عرضه 18 أغسطس (آب) 2017 والذي قد يصبح من أواخر الأعمال المشتركة بين الشركتين.

قد تنبأت نيتفليكس بما يمكن أن يحدث في مستقبل الشراكة مع ديزني التي ارتأت أنه قد حان الوقت لتدخل السوق المستقبلي للبث عبر الإنترنت بما تملكه من إمكانات وشركات إنتاج وحقوق أصلية لكثير من القصص المصورة الذي بنت نيتفليكس جزءًا من نجاحها بناءً عليه .. فالآن نيتفليكس تملك شركتها الخاصة للقصص المصورة .. وديزني ستمتلك منصتها الخاصة للبث عبر الإنترنت قريبًا.

لم تكن ديزني الشركة الوحيدة التي رأت ان نيتفليكس تنمو بشكل يمكن أن يقلقها وحدها، فهوليوود نفسها رأت ذلك وبدأت تشعر بالقلق من النمو المتسارع للشركة التي لم تتوقف عن النمو ولو للحظة، ولم تتوقف حتى عن توزيع محتوى ما تتنجه شركات الأفلام في هوليوود و استديوهاتها، بل بدأت في إنتاج محتواها الخاص الذي يتزايد عامًا بعد عام.

هل تهدد نيتفليكس هوليوود حقًا؟

1- 6 مليارات دولار لإنتاج المحتوى على نيتفليكس وحدها في عام 2017!

في عام 2016 أنفقت نيتفليكس ما يقارب من .6.9 مليارات دولار، على إنتاج محتوى أصلي خاص بها للعرض على منصتها حصدت به 54 ترشيح لجوائز الإيمي في ذلك العام، وذلك بزيادة قدرها تقريبًا ملياري دولار عن العام الماضي 2016 الذي تفوقت فيه على شركات لها باع وتاريخ في الإنتاج، وقد تخطى هذا ما تقوم به شركات الإنتاج للمحتوى عند المنافسين أنفسهم، سواء المنافسون التقليديون أو منصات البث عبر الإنترنت.

نيتفليكس التي تحظى بـ104 مليون مشترك حول العالم والتي تشتري حاليًا كل ما يمكنها إنتاجه أو المشاركة في إنتاجه، إضافة إلى محتوى يتم معالجته من خارج هوليود ليصلح للنشر عالميًا، لم يعد الأمر قاصرًا عندها على إنتاج وتنفيذ المسلسلات، سواء من مارفل أو من غيرها، بل امتد الأمر لإنتاج الأفلام نفسها، سواء المستقلة أو الفردية وحتى الوثائقية والسينمائية الطويلة حتى أن البعض بدأ يذكر أن هذا بمثابة بداية للاحتكار للمحتوى المرئي من جانب نيتفليكس.

  1. من 1 إلى 35 مسلسلًا أصليًا و600 ساعة من المحتوى!

Netflix Originals

استمرت وجهة النظر التي تدعم أن نيتفليكس بدأت في احتكار المحتوى وبدأت في تهديد عرش هوليوود فعليًا، فانتقلت نيتفليكس من الشركة التي توزع منتجات الغير إلى شركة وليدة تنتج محتواها بقطعة واحدة في عام 2012، واستمرت في الإنتاج لتصبح واحدة من أكبر منتجي المحتوى في العالم؛ ليصل ما تم إنتاجه العام الماضي لأكثر من 30 مسلسلًا أصليًا وأكثر من 600 ساعة من المحتوى الحصري على منصتها.

تنفق نيتفليكس على إنتاج قطعها الحصرية وتنفق على الاستحواذ على معظم البرامج من خارج هوليوود التي تأمل أن تكتسب الشهرة اللازمة من خلال عرضها على منصتها ليصبح قيمة ما أنفقته ستة مليارات دولار، وهو ضعف ما أنفقته شركة تيم ورنر بروس من خلال (إتش بي أو) وخمس أضعاف ما أنتجته شركة فوكس القرن 21 أو شركة استدويهات CBS شوتايم. نيتفليكس خصصت ما يقرب من عشرة ملايين لإنتاج كل حلقة من مسلسل الملكة إليزابيث الثانية، وهي ميزانية تفوق المتوسط الذي تخصصه هوليوود ذاتها.

3. قوية للغاية وسريعة للغاية وتقدم عروضًا لا يمكن رفضها؟

لم يعد الأمر يتعلق بتقديم المحتوى الحصري لمشتركي نيتفليكس فقط، تخطى الأمر هذا مع النمو الهائل والقوة المفرطة إلى أن بدأ صناع المحتوى في هوليوود يشبهون نيتفليكس بجوجل في محركات البحث وبأمازون في التسوق الإلكتروني. نيتفليكس إذًا في طريقها لتصبح المنتج الوحيد تقريبًاً بعد عدة سنوات؛ الأمر الذي يقلق المنافسون والشركاء أيضًا، وديزني خير مثال على ذلك.

في البداية لم يكن هناك أية شركة إنتاج تنظر لنيتفليكس بجدية بخصوص خطط إنتاجها للمحتوى المزمع في المستقبل القريب، ولكن في غضون ثلاث سنوات بدأ الشعور بعدم الارتياح يعم البعض هناك؛ فالرواتب التي تدفعها نيتفليكس لمقدمي البرامج أصبحت فلكية، وحتى للممثلين، فهناك ممثلون يتقاضون ما يقرب من 250 ألف دولار للحلقة الواحدة. براد بيت وصل أجره عن فيلمه الأخير مع نيتفليكس إلى 20 مليون دولار … الآن بدأ القلق.

4. إلى أي مدى يمكنك أن تنفق؟

حين لا تخشى من المخاطرة فأنت الخطر كله.. بعد أن أنفقت نيتفليكس في ميزانيات إنتاج ضخمة للمسلسلات وتربعت على عرش المحتوى الحصري المتمثل في الكم الهائل من القطع الحصرية على منصاتها، وبعد استقطابها للعديد من المشاهير ومقدمي البرامج للعمل على برامج تقدم حصريًا من خلالها، انتقلت لمستوى ثان: فبعد ميزانية الـ 60 مليون دولار لإنتاج فيلم لبراد بيت، ماكينة الحرب، أنتجت نيتفليكس فيلمًا آخر بميزانية أكبر، وهو فيلم ويل سميث (مبهر) بميزانية 90 مليون دولار.

لا توجد عوائق كما يبدو لدى نيتفليكس، فليس من المستحيل أن تصبح ميزانية الـ 90 مليون دولار رقمًا بسيطًا، ويتطلعون لإنتاج فيلم بميزانية الـ 200 – 300 مليون دولار هنا، ستقارع نيتفليكس اللاعبين الكبار أنفسهم، فما الذي يمنعهم من ذلك؟ خصوصًا بعد الاستحواذ الأخير على شركة ميلارورلد وبداية التفكير في إنتاج الأفلام المبنية على (الكومكيس)، والتي تتكلف عادة ميزانيات ضخمة.

5. هي نهاية عصر التلفزيون التقليدي.. فهل تصبح نهاية السينما قريبًا؟

منذ عدة سنوات، والكثيرون يتحدثون حول نهاية عصر التلفزيون بمعناه المعتاد. وإن منصات البث عبر الإنترنت توفر لك المحتوى الذي تريد أن تشاهده في أي وقت وفي أي مكان وعبر أي جهاز متصل بالإنترنت، فكان منطقيًا أن تنتصر منصات البث عبر الإنترنت في النزاع الذي أعلنت نتائجه منذ عدة أشهر سابقة، إضافة إلى أن سعر تذكرة السينما الواحدة قد تزيد قليلًا عن ما يمكن لنيتفليكس أن تقدمه لك في شهر كامل.

Image result for netflix vs cinema

تفهمت نيتفليكس طبيعة مستخدمي الإنترنت ومنحتهم ما يريدون، تحديدًا في مشاهدة محتوى أصلي لا يمكنهم رؤيته في أي مكان آخر، إضافة إلى المرونة في المشاهدة والتنوع في المحتوي المقدم. بدأت تجذب لهم مقدمي البرامج المشاهير في الشبكات الأخرى الذي اشتهروا بتقديم برامجهم على الهواء ليصبحوا مقدمي برامج – مشاهدة عند الطلب أو الرغبة – دمجت نيتفليكس كل هذا معًا من خدمة مشاهدة الفيديو عند الطلب الاعتيادية مع الخدمات الاعتيادية من مقدمي الفيديو عبر المنصات وأشهرهم يوتيوب – الذي بدأ مؤخرًا في الاتجاه نحو الحصول على منصة مشابهة – إضافة إلى برامج البث المباشر والمحتوى الحصري، كل هذا في ما يمكن أن نسميه شبكة اجتماعية مخصصة لك تشاهد منها كيفما وأينما تشاء.

مع التوجه الحالي لشركات الإنتاج في هوليوود التي تساهم وتشارك نيتفليكس في إنتاجها الحالي من المسلسلات والأفلام ذات الميزانيات الصغيرة والمتوسطة، وعبر عرض الأفلام المنتجة حصريًا على نيتفلكس ذاتها قبل عرضها على شاشة السينما أحيانًا، والاكتفاء بعرضها فقط على نيتفليكس؛ أصبح الأمر بمثابة احتكار مقنن بالفعل، فلو أردت مشاهدة فيلم ممثلك المحبب الجديد، فلن يمكنك؛ لأنك لن تجده في السينما، أو لدى مقدمي خدمة المشاهدة عبر الطلب – سواء مؤجري الفيديو أو عبر الإنترنت – إلا في نيتفليكس.

ما الذي يمكن ان يهدد عرش نيتفليكس

هل يمكن لشركة نيتفليكس أن تستمر بهذا النمط المتسارع من الإنفاق على المحتوى. المرحلة التي بدأت منذ خمس سنوات ومستمرة حتى الآن منطقية، فهي المرحلة الأولى لتثبت لمشتركيها أنهم سيحصلون على الكثير مقابل ذلك الاشتراك، ولكن هل سيسمح لها منافسوها، مثل أمازون وهولو، بالانفراد بكل شيء فيما يتعلق بالمحتوى؟ الواضح أن أمازون وهولو أنفسهم يخوضون الآن في نفس الدائرة مع نيتفليكس، إن لم يكن بنفس الميزانية والإنفاق، إلا أنه بمرور الوقت قد يتماس الجميع، خصوصًا مع مشاركة الموارد نفسها.

مع نمط الإنفاق المتوقع للعام الحالي والقادم، متوقع أن تزيد ميزانية إنتاج نيتفليكس قطعًا عن المليارات الستة السابقة، ولكن مع النمو المطرد في الإنفاق، هل سيكون العائد من زيادة أعداد المشتركين يساوي ما يتم إنفاقه؟ في لحظة ما قد تضطر نيتفليكس للبحث عن حليف ما، أو عدة حلفاء؛ للمساهمة في الإنتاج وتخفيض تكاليف الإنتاج؛ لأنه عند نقطة ما، وبعدما يحشد جميع المنافسين عدتهم، قد تنظر نيتفليكس حينها لكل ما أنفقته من ميزانيات إنتاج متزايدة، مع ثبات لعدد المشتركين، أو حتى انتقالهم لشبكات أخرى.

المصادر

تحميل المزيد