كيف تتواصل الخلايا العصبية في أدمغتنا؟ ربما لا يعلم كل الناس التفاصيل بدقة، لكنهم سيقولون إن هناك إشارات كهربية تنتقل من نهاية خلية عصبية إلى بداية خلية أخرى. وربما يخوض البعض في تفاصيل أكثر، فيذكرون وجود نوع من المركبات الكيميائية التي تنقل الإشارة من خلية لأخرى.

لكن العلماء يعتقدون الآن أنهم تمكنوا من التعرف على شكل مجهول من الاتصالات العصبية التي تنتشر ذاتيًا عبر أنسجة المخ، ويمكن أن تقفز لاسلكيًا بين الخلايا العصبية (العصبونات) في أحد أجزاء نسيج الدماغ إلى نسيج آخر. المفاجأة أن هذه الإشارات تنتقل حتى لو جرت عملية لقطع النسيج جراحيًا.

مفاجآت التواصل العصبي في الدماغ

يقدم هذا الاكتشاف بعض الأفكار الجديدة جذريًا، حول الطريقة التي قد تتحدث بها الخلايا العصبية بعضها بعضًا، عبر عملية غامضة لا علاقة لها بالآليات التقليدية التي فهمها العلماء على مدار عشرات السنين، مثل: الانتقال عبر التشابكات العصبية (synaptic transmission)، والانتقال عبر المحاور العصبية (axonal transport)، والتواصل عبر وصلات الفجوات (gap junction connections).

كل الأمثلة الفائتة تمثل الطرق التقليدية التي اكتشفها العلماء على مدار سنوات طويلة من محاولات الطرق التي يعمل بها الدماغ البشري، وكيفية انتقال الإشارات الكهربائية وتعامل المخ معها وترجمتها. لكن الطريقة الجديدة التي اكتشفها العلماء تبدو أقرب إلى الخيال، لأن العلماء كانوا يظنون دائمًا أن انتقال أي إشارة كهربائية داخل الجسم تحتاج إلى قناة أو «سلك» لتسير فيه.

نحن لا نعرف حتى الآن ما الذي يعنيه هذا بالضبط. هذا الاكتشاف غريب كليًا علينا.

هكذا يقول المهندس الطبي الأحيائي دومينيك دوران من جامعة «كيس ويسترن ريزيرف». وأضاف «لكننا نعلم أن هذا يبدو شكلًا جديدًا تمامًا من التواصل في الدماغ، لذلك نحن متحمسون جدًا لهذا الأمر». الأمر بالفعل يشبه التواصل عبر شبكة واي فاي داخل الدماغ.

مترجم: الضغط العصبي يأكل دماغك.. حرفيًا!

العلماء كانوا يعرفون

قبل ذلك، كان العلماء يعرفون بالفعل أن الاتصال العصبي كان أكثر من مجرد الاتصالات التقليدية التي ذكرناها سابقًا، والتي درسوها بالتفصيل وقتلوها بحثًا وتنقيبًا. على سبيل المثال، كان الباحثون على دراية لعقود من الزمن بأن الدماغ يعرض موجات بطيئة من التذبذبات العصبية التي لا نفهم غرضها، ولكنها تظهر في القشرة الدماغية ومنطقة الحصين (منطقة مرتبطة بالذاكرة) عندما ننام، ونفترض أنها تلعب دورًا في توحيد الذاكرة.

ويشرح عالم الأعصاب كلايتون ديكنسون من جامعة ألبرتا، الذي لم يكن مشاركًا في البحث الجديد، ولكنه ناقشه في مقال، قائلا: «لا تزال الصلة الوظيفية لهذا الإيقاع البطيء بين المدخلات والمخرجات العصبية غير واضحة». وأضاف: «لكن من المحتمل حل هذا الغموض عن طريق توضيح كل من الآليات الخلوية والآليات بين الخلايا التي تؤدي إلى ظهور التذبذبات البطيئة في المقام الأول».

المخ البشري ما يزال يحمل الكثير من المفاجآت

وتحقيقًا لهذه الغاية، قام دوران وفريقه بالتحقيق في نشاط التذبذبات البطيئة في المختبر، ودراسة موجات الدماغ في شرائح منطقة الحصين المستخرجة من الفئران مقطوعة الرأس. ما وجدوه هو أن أن هذا النشاط البطيء يمكن أن يولّد مجالات كهربائية تعمل بدورها على تنشيط الخلايا المجاورة، التي تشكل شكلًا من أشكال الاتصال العصبي بدون انتقال كيميائي عبر التشابكات العصبية.

يقول دوراند: «لقد عرفنا عن هذه الأمواج لفترة طويلة، لكن لا أحد يعرف وظيفتها بدقة، ولم يعتقد أحد أنه يمكن أنها موجات تنتشر تلقائيًا». وتابع «لقد كنت أدرس الحصين، وهو جزء صغير فقط من الدماغ، لمدة 40 عامًا وهو ما يثير دهشتي».

مواصفات هذا النوع الجديد من الاتصالات العصبية

يمكن بالفعل تعديل هذا النشاط العصبي -تعزيزه أو حظره- من خلال تطبيق مجالات كهربائية ضعيفة، ويمكن أن يكون أيضًا شكلاً تماثليًا (تناظريًا – analogue) لأحد الطرق المختلفة للاتصال العصبي بين الخلايا، تسمى الاقتران التصادمي (ephaptic coupling).

وكانت النتيجة الأكثر تطرفًا التي توصل إليها الفريق البحثي، أن هذه المجالات الكهربائية يمكن أن تنشط الخلايا العصبية من خلال جزء كامل في أنسجة المخ المقطوعة، عندما تظل القطعتان قريبتين من بعضهما. يشرح المؤلفان في ورقتهما أنه: «من أجل التأكد من قطع قطعة نسيج المخ بالكامل، تم فصل قطعتي الأنسجة ثم قمنا بضمهما والتأكد من وجود فجوة واضحة بينهما تحت المجهر الجراحي».

يمكن أن تولد التذبذبات العصبية البطيئة للحصين حدثًا على الجانب الآخر من القطع الكامل خلال النسيج بأكمله. وإذا كنت تعتقد أن هذا أمر مرعب، فأنت لست الوحيد. إذ أصرت لجنة المراجعة في مجلة «علم وظائف الأعضاء» The Journal of Physiology -التي نشرت البحث- على أن تكتمل التجارب مرة أخرى قبل الموافقة على طباعة الدراسة.

دوراند ومعاونوه امتثلوا طواعية، إذ أنه يجب فهم هذه الملاحظات والاستنتاجات جيدًا والتأكد منها، نظرًا للغرابة غير المسبوقة لما توصل إليه هذا الفريق البحثي. يقول دوراند: «لقد كانت لحظة مربكة، بالنسبة لنا ولكل عالم، أخبرناه عن هذه النتائج حتى الآن. لكن كل تجربة قمنا بها منذ ذلك الحين لاختبار ما توصلنا له أكدت لنا صحة نتائجنا بالفعل».

وفي الواقع؛ فإن الأمر سيستغرق الكثير من البحث، لمعرفة ما إذا كان هذا الشكل الغريب من التواصل العصبي يحدث في أدمغة البشر وليس في حيوانات التجارب فقط -ناهيك عن فك شفرة الوظيفة الدقيقة التي يؤديها هذه النوع الغريب من الاتصالات- ولكن في الوقت الحالي، لدينا علم جديد برز إلى السطح يمثل صدمة حقيقية بكل الطرق.

بينما يبقى أن نرى ما إذا كانت النتائج ذات صلة بالإيقاعات البطيئة التي تحدث في أنسجة قشرة الدماغ ومنطقة الحصين، أثناء النوم.

ما هو الحصين؟

الحصين هو مكون رئيسي في أدمغة البشر والفقاريات الأخرى. لدى البشر والثدييات الأخرى قرنين من الحصين، واحد في كل جانب من الدماغ. ينتمي الحصين إلى «الجهاز الحوفي» ويلعب أدوارًا مهمة في توحيد المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، وفي الذاكرة المكانية التي تمكّننا من الملاحة والتنقل من مكان لآخر. يقع الحصين تحت قشرة الدماغ.

في مرض الزهايمر (وأشكال أخرى من الخرف)، فإن منطقة الحصين واحدة من المناطق الأولى في الدماغ التي تعاني من الضرر. إذ يرتبط بالأعراض المبكرة التي تظهر على مرضى الزهايمر مثل فقدان الذاكرة على المدى القصير والارتباك. الأضرار التي تلحق بالحصين يمكن أن تنتج أيضًا نتيجة لنقص الأكسجين (نقص الأكسدة)، والتهاب الدماغ، أو الصرع.

الأشخاص الذين يعانون من أضرار واسعة النطاق في الحصين قد يعانون من فقدان الذاكرة التقدمية (عدم القدرة على تشكيل والاحتفاظ بذكريات جديدة). وفي القوارض ككائنات نموذجية، درس الحصين على نطاق واسع كجزء من نظام الدماغ المسؤولة عن الذاكرة المكانية والملاحة.

وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة «ناتشر»، وأجرتها الكلية الجامعية في لندن، فإن الأشخاص الذين يتنقلون من مكان لآخر باستخدام ذاكرتهم، لديهم قدرة ذهنية أكثر من أولئك الذين يعتمدون على التطبيقات، وأجرى علماء الأعصاب هذه الدراسة من خلال إرسال أكثر من 20 مشاركًا إلى شوارع أحد الأحياء المزدحمة في العاصمة البريطانية لندن. ثم اختبروا هؤلاء الأشخاص؛ لمقارنة كيف تعلم أولئك الذين استخدموا التطبيقات الخاصة بالخرائط مقابل أولئك الذين يتنقلون باستخدام ذاكرتهم، عن طريق جعلهم يتجولون في الحي عبر محاكاة في اليوم التالي.

عندما أجبر الأشخاص على التنقل بمفردهم، رأى العلماء «نشاطًا متحركًا للحصين يعتمد على شبكة الشارع»، حسب ما ذكرت مجلة «Popular Science»، على النقيض من ذلك، عندما كان الناس يتبعون الاتجاهات عبر تطبيق الخرائط، اختفت العلاقة بين نشاط الدماغ وتعقيد الشوارع، هذا يوضح دور الحصين.

الآن.. ربما اكتشفنا أخيرًا سبب الزهايمر وكيفية إيقافه

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد