788

في ذلك الوقت كان الفضول يدفعني بطريقة حية جدًا، وربما بطريقة رومانسية نوعًا ما، لكشف غموض جهاز الروح هذا – يقصد الجهاز العصبي -. قلت لنفسي إن الإنسان حَكَم الطبيعة من خلال هذا الكمال المعماري في دماغه، وأن معرفة الدماغ تعادل معرفة أفكار الناس وقدراتهم. في كتابه ذكريات حياتي، سانتياجو كاجال – مؤسس علم الأعصاب الحديث – عن فترة رسمه للخلايا العصبية.

يقول بابلو بيكاسو: «الفن ليس حقيقة، الفن عبارة عن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة، على الأقل تلك الحقيقة التي تعطى لنا لنفهمها، والفنان الحقيقي هو صاحب الأسلوب الفني الرفيع الذي يقنع الآخرين بصدق أكاذيبه».

هل يعني هذا أننا لو لم نصدق كذبة الفن لما كانت هناك صالات عرض؟ ولا كتب فنية؟ ولا لوحات ولا رسومات كهف؟ ولا حتى بيكاسو نفسه؟ ماذا لو نظرنا إلى ما هو أبعد من تصديق كذب الفن؟ ماذا لو نظرنا إلى الفن وهو يرسم نفسه؟ ماذا لو رأينا دماغنا يجمع أكثر الفنون جمالًا مع أكثر العلوم دقة لتنمحي التصنيفات وترتبط الأوصال بين مجالين صنفهما الناس أضدادًا فتجتمع عشوائية الفن مع دقة علم الأعصاب وتخرج لنا لوحات فنية نرى فيها معقل الفن – الدماغ – وهو يرسم نفسه؟

الأب الروحي أيقظ «بيكاسو الصغير» في داخله

كما تبهر علماء الحشرات ألوان الفراشات الزاهية أبهرتني حديقة من الزهور شكلتها المادة الرمادية التي تحتوي على خلايا ذات أشكال رقيقة وأنيقة وفراشات من الروح تضرب بجناحيها وتفشي لنا سر الحياة العقلية، ليس من وجهة نظر علمية فحسب بل من وجهة نظر جمالية نرى فيها نسيجًا عصبيًا يبوح بأكثر الأشكال سحرًا وجاذبية. «سانتياجو كاجال» عن الخلايا العصبية.

قبل سانتياجو كاجال لم تكن دراسة علم الأعصاب سوى دراسة مجردة فيها تصورات تقريبية غير دقيقة لشكل خلايا من مخيلة العلماء عن كيفية عمل الخلايا العصبية، أما كاجال فقد كان قادرًا على جلب تعقيدات الجهاز العصبي إلى مرأى العين، فكان قادرًا على رسم صور كثيرة للجهاز العصبي والدماغ بعد أن يصبغ شرائح الدماغ بلون معين ويضعها تحت المجهر فيرى الأنماط التي تسببها الألوان على الخلايا ويرسمها إلى أن جمعها في كتابه «بنية الجهاز العصبي عند الإنسان والفقاريات».

أصبحت هذه الرسومات  مهمة لمتعلمي علم الأعصاب حتى يومنا هذا – لا لدقتها فقط وقد غيرت مجرى دراسة علم الأعصاب للأبد – بل أيضًا لجمال شكلها وتفاصيلها وشكلها جعلته يأخذ لقب «الأب الروحي لعلم الأعصاب الحديث».  

ورغم أن الاحتفاء برسومات كاجال غلب عليها طابع الاحتفاء بالعلم والدقة والثورة التي أحدثتها رسوماته في علم الأعصاب ودراسته، إلا أن الاحتفاء بالقيمة الفنية لهذه الرسوم لم يأخذ حقه حتى وقت متأخر، تجلى في أوجه حديثًا عندما قام متحف «ويسمان للفنون» بتنظيم معرض لأعمال كاجال تحت عنوان «الدماغ الجميل» تزامن افتتاحه مع نشر كتاب بهذه الرسومات احتفالًا بالقيمة الفنية العظيمة له.

كتب لاري سوانسون Larry Swanson عالم الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا في مقدمة الكتاب:

«كاجال هو مؤسس علم الأعصاب الحديث، قبله كان الأمر مختلفًا تمامًا، معظم علماء الأعصاب في منتصف القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون أن الجهاز العصبي يشبه تنظيم شبكة الصيد، لقد رأوا الجهاز العصبي كشبكة واحدة مستمرة وليس كمجموعة من الخلايا المنفصلة كما رآها كاجال وسماها فيما بعد خلايا عصبية».

تقول «ليندل كنغ» – مديرة متحف ويسمان – الذي أقيم فيه معرض رسومات كاجال: «لم أسمع برسوماته من قبل حتى زارني عالما أعصاب وطلبا مني أن أفكر في عمل معرض لأعماله بعد أن أعطياني كتابًا له، وقد أبهرتني الصور بعد النظر إليها، إنها رسومات علمية نعم، لكنها فن مبهر في الوقت نفسه غير أن التخطيط للمعرض وإقامته استغرق عدة سنوات تزامن معها تجهيز الكتاب ونشره أيضًا».

لوحات غير تقليدية قلبت موازين الفن

شهد العصر الحديث ثورة هائلة في مجال علم الأعصاب تمثلت بخلق آليات وتقنيات مكنت علماء الأعصاب من رؤية الخلايا العصبية والدماغ بشكل أفضل وأدق في كل مرة، ومع توسع المعرفة في علم الأعصاب بشكل كبير، ودقة الصور التي وصل إليها هذا العلم ظهر في عصرنا هذا بعض علماء الأعصاب الفنانين الذين أبهرتهم جمالية بناء الجهاز العصبي وأيقظت فيهم الفنان داخلهم، الأمر الذي ألهمهم لأعمال فنية بدأوا بنشرها ليجمعوا بين علمهم والفن الذي يعشقونه.

وفي عام 2012، أعلن «المعهد العلمي الهولندي لعلوم الأعصاب مسابقة سنوية لعرض أعمال «فن علم الأعصاب» يعلن عن الفائزين فيها في مايو (أيار) من كل عام. ومنذ بداية المسابقة وحتى يومنا هذا وما زالت التقنيات الحديثة تتطور أكثر فأكثر في تصوير الدماغ وفهم عمله ودقته.

هذا التطور أثرى المسابقة وخلق تنوعات عظيمة في الاستخدامات الفنية والتكنولوجية لعلم الأعصاب، لم تنحصر في اللوحات الفنية فقط بل تراوحت وتنوعت بشكل كبير في استخدام تقنيات حديثة تبرز جمال جهازنا العصبي بكل الطرق المذهلة الممكنة، ووفرت الفرصة لعلماء الأعصاب لتقديم مواد بصرية من فيديوهات وآلات وتقنيات ذات جانب فني جعلت من البحث في أسرار الإنسان وفكره وسلوكه أمرًا جماليًا شاعريًا يكسر جمود العلم العصبي، فنراه كفسيفساء زاهية الألوان نرى صعوبة وتعقيد تركيبها ونفخر بجمالها وجمال شكلها الكلي الذي هو نحن.

أعطيت الجائزة لأول مرة عن عمل عصبي فني للوحة تجريدية للدماغ بعنوان «شجرة الدماغ» تظهر تصورًا تجريديًا للدماغ بألوان زاهية تعكس عملياته وأنشطته المختلفة.

وفي عام 2012 فازت لوحة فنية «فيديوهية» بعنوان «الدماغ في فترة راحة» تعكس نشاط الدماغ وقت الاسترخاء بألوان زاهية مذهلة نرى فيها تواصل المادة البيضاء في الدماغ مع المادة الرمادية تحت الماسح الضوئي تسلا MR3 ويجعل نشاط الدماغ من هذا الموضوع – الاسترخاء – مسموعًا عن طريق تحويل النشاط إلى الموسيقى التي نسمعها في خلفية الفيديو.

أما جائزة عام 2016 فكانت فنية بشكل غريب وغير مألوف إذ كانت عبارة عن آلة فنية مليئة بالشجن والشغف تظهر تماسًا رقيقًا يختفي فيه جمود العلوم ويفقد نفسه في رومانسية الفن في «آلة الموجة المشتركة». تقول مخترعة هذه الآلة الفنية في وصفها: «ماذا يعني أن تفقد نفسك في شخص آخر؟ كيف يجعلنا الوجود المادي لإنسان ما نؤمن بأننا قادرون على التغلب على العالم أو العكس أن يشعرنا بالعزلة والوحدة؟».

آلة الموجة المشتركة هي تركيب تفاعلي يجسد فكرة بعيدة المنال ألا وهي البقاء على نفس الموجة مع شخص آخر من خلال المزامنة لنفس الفكرة الرائعة في بيئة حميمية ومغمورة تعكس نشاطهم الدماغي المشترك سمعيًا وبصريًا.

فالفن يظهر هنا من خلال تجربة تزامن فكرة واحدة بين شريكين وتجسيد هذا التزامن بشكل سمعي وبصري يراقب فيه الجمهور رقصة مشاعر جياشة في تقلب الأضواء مع تقلب أفكار الشريكين، ويسمع  نوتات مختلفة تتقارب وتتباعد لتتجاوز الاشتراك المادي بين الشريكين إلى اشتراك حميمي في التفكير على هيئة لوحة صوتية سمعية بشكل مختلف لكل شريكين.

جريج دن وبراين إدوارد.. قفزة رهيبة في فن علم الأعصاب

غريغ دن الذي يحمل دكتوراه في الأعصاب، وزميله ومساعده براين إدوارد من جامعة بنسلفانيا جمعا بين تقنيتين جديدتين جعلت من أعمالهما تحفًا فنية لا تضاهى استلهمت من طريقة الرسم الياباني المسمى بـ«الرسم السومي  Japanese Sumi-e style» – الرسم بالفرشاة باستخدام بالحبر السائل المخفف بالماء – وتقنية «مايكروإتشنج microetchings» تعكس ما يمكن أن ننظر إليه ونحن نرى خلية عصبية تحت المجهر باستخدام المسح الضوئي والتصوير المفصل للخلايا العصبية وكيفية اتصالها ببعضها البعض.

عن خطوات عمله على اللوحة يخبرنا دن أنه في البداية يقوم برسم كل الخلايا العصبية باليد ثم يقوم بمسحها ونقلها على جهاز كمبيوتر، ثم يقوم بجمع صور الخلايا في صورة واحدة باستخدام برنامج خاص لتحرير الصور، هل هذا كل ما في الأمر؟

لا، هذه البداية فقط، يقوم بعدها إدوارد بتجهيز نموذج يقلد كيفية تواصل الأعصاب على الصور التي جمعها لتحاكي حركة الإشارات العصبية في جسم الانسان، ثم ينتج منها صورة ذات دقة عالية باستخدام تقنية فنية تسمى hatching يميزها أنها قادرة على إبراز الخطوط والتفاصيل الدقيقة في الرسومات.

بعد ذلك يقومون بطباعتها على أوراق رقيقة من الذهب باستخدام تقنية مايكروإتشينج microetchings، فينتج عن ذلك لوحة تفاعلية تعكس حركة الضوء خلالها فتتغير الألوان والإشارات العصبية في اللوحة بالتحكم في تغيير الضوء فتبرز تركيبات مختلفة من الأعصاب تضيء وتخبو تبعًا لحركة الإشارات العصبية المبرمجة لها والتحكم بالضوء الموجه لها لنرى لوحة تفاعلية ترينا عملًا دقيقًا لا يحاكي فقط شكل الخلايا العصبية بل يحاكي طريقة عملها أيضًا.

أحيانًا يتم سؤالي هل أنت عالم هل أنت فنان؟ من أنت بالضبط؟ بالنسبة لي الفن والعلم ليسا متضادين بل يعملان بانسجام على نفس النسق بشكل أكبر بكثير مما يمكن كل منهما تحقيقه بمفرده، ليس عليك الاختيار بينها لأن دماغنا قادر على ممارستهما معًا. غريغ دن.

لكن ما هي تقنية المايكروإتشنج microetching وكيف تعمل؟ هذه التقنية هي عبارة عن رقائق ذهبية منحوتة على مستوى مجهري للتحكم بكيفية انعكاس الأضواء على السطح، باعتبار أن الضوء مكون أساسي للصورة، بحيث تصمم هذه الرقائق كي تعكس الضوء من زوايا معينة يظهر فيها الضوء ويختفي ويتنوع حسب مكان وقوف المشاهد.

(توضيح لتقنية المايكروإتشنج microetching).

تعد هذه التقنية ثورية في عالم الفن لأن لونها يعتمد بالأساس على الطريقة التي ينعكس بها الضوء على اللوحة لا على اللون الذي طليت به مما يخلق تنوعًا مذهلًا ومرونة هائلة في تغير الألوان حسب إسقاط الضوء عليها، الأمر الذي يخلق حركة تضاهي طريقة عمل الأعصاب ويضفي عليها بعدًا جماليًا تفصيليًا في كل مرة يتغير فيها الضوء أو مكان المشاهدة.

الصور التي كنت أراها كل يوم أثناء دراستي علم الأعصاب اندمجت مع حبي للفنون فبدأت خلال أيام الجامعة بالعمل على تطوير الحس الجمالي لدي بجدية، في المختبر لم أشعر يومًا بأنني سأقوم بعمل لن يستطيع أحد غيري القيام به، لكنني أرى أن ما أقوم به من جمع الفن مع العلم عمل مميز لن يستطيع أن يفعله الجميع. غريغ دن.

قوس قزح في الدماغ

تعكس لوحة «BRAINBOW HIPPOCAMPUS» منطقة في البطين الجانبي للدماغ تسمى «قرن آمون» تمثل مركز العاطفة والذاكرة والجهاز العصبي اللاإرادي، اللوحة مصممة بتقنية الميكروإتشنج لتبرز أهمية جينية لتقنية تسمى برينبو brainbow تم تطويرها من قبل الباحثين كوسيلة لتصوير الدماغ استخدم فيها العلماء مجموعة من البروتينات الفلورية الزرقاء والحمراء والصفراء في الخلايا العصبية للدماغ، ما  جعل من السهل تتبع الخلايا العصبية في الدماغ وأظهر تشكيلات رائعة في الألوان التي أبرزت الخلايا العصبية.

(فيديو للوحة RAINBOW HIPPOCAMPUS).

انفجار عصبي في دماغ الجنين

أما لوحة «الهجرة العصبية Neural Migration» فتصور فترة من نمو دماغ الجنين حيث تقوم «المادة الإشعاعية الدبقة radial glia» – الخلايا سوداء اللون – بالتقسيم بشكل مستمر وسريع لخلق خلايا عصبية جديدة – الخلايا بيضاء اللون – التي تتحرك بمجرد نشوئها حتى تتسلق الخلايا الأم وتجد مكانًا مريحًا داخل القشرة المخية، في تصوير بديع لعملية خلق المليارات من الخلايا العصبية الجديدة في فترة بضعة أسابيع من فترة الحمل.

عن طاقة الوعي ..«Pranayama لوحة «البراناياما   

البراناياما هي تقنية في رياضة اليوغا تعني السيطرة على العقل من خلال التنفس، مارسها البشر منذ آلاف السنين، ويحصل فيها الشخص على وعي أقوى إلى أن يصل إلى مرحلة وعي – برانا – prana تعطي الجسم طاقة خفية تمكنه من التحكم في الحركة من خلال التنفس.

اللوحة البراناياما تعكس الحالة العصبية لتقنية اليوغا هذه، فتعكس تصورًا حيويًا لمرحلة برانا في الجسم بتقنية المايكروإتشنج، يرى المشاهد حالة الشهيق لو رأى اللوحة من جهة اليسار والزفير لو رأى اللوحة من جهة اليمين، باستخدام انعكاسات الضوء المختلفة، ثم تظهر حالة الوصول لمرحلة برانا في مركز الجسم والأطراف والدماغ، وتخلق مشاهدة اللوحة لدى الرائي تذكيرًا بضرورة جلب العقل إلى التركيز والوعي قدر الإمكان.

(فيديو للوحة Pranayama).

لوحة «ماذا وأين What and where»

هذه اللوحة احتفال بإضافة الدكتورة «ليزلي ونجرليدر Dr. Leslie Ungerleider’s» إلى عالم علم الأعصاب، مجال الرؤية بالخصوص، وهي التي عملت في تحديد مسارات المعالجة البصرية الظهرية dorsal والبطنية ventral في الدماغ، فالمسار البطني يعالج المعلومات العقلية المتعلقة بكيفية التعرف على الأشياء (ماذا) في حين أن المسار البطني يفسر كيف ترتبط الأشياء ببعضها البعض في مساحة معينة (أين).

تم تصميم اللوحة لتعكس في تخطيطها هذا الانقسام في المسارين، فالنصف السفلي (البطني) يصور حقلًا من الخلايا العصبية الهرمية السوداء على خلفية ذهبية يُظهِر فيها تحفيزًا بسيطًا لإشارات التعرف على الأشياء بينما يُظهِر النصف العلوي من اللوحة (الظهري) نشاطًا يدل على إنشاء العلاقات المكانية وربطها معًا.

لوحة «التأمل الذاتي self reflected».. الدماغ يتأمل نفسه

وتعتبر هذه اللوحة آخر أعمال «غريغ» وأكثرها ميزة وطموحًا، تم عملها لتوضيح طبيعة الوعي البشري وخلق اتصال بين قطعة الهلام ذات حجم الكفين – الدماغ – والنظام السلوكي العميق الذي تحكمه هذه القطعة.

تقدم هذه اللوحة نظرة غير مسبوقة للدماغ وهو يتأمل ذاته، تبوح فيه تقنية الميكروإتشينج العاكسة بنطاق هائل من التصميمات العصبية المتوازنة المتقنة بشكل يعكس ما يحدث في عقولنا ونحن نتأمل هذا العمل الفني الرهيب، لتذكيرنا بأن هذا الجهاز العصبي، الجهاز الأكثر روعة في الكون هو جوهر كينونتنا وجذر إنسانيتنا.

أن تخبر شخصًا ما أن لديه 86 مليارًا من الخلايا العصبية لن يكون بنفس القدر من أهمية أن تريه تلك الخلايا العصبية أمام عينيه، هذه اللوحة تعد أضخم من أي عمل مضى، وتعكس عمل الدماغ بحجم يساوي 22 ضعفًا من حجم الدماغ العادي.

استخدمت هنا 1,750 ورقة ذهبية بتقنية الميكروإتشينج لإيصال الانعكاسية الضوئية إلى أقصى حد يتيح للمشاهد رؤية تعد الأقرب إلى الحقيقة لنشاط الدماغ حتى الآن، تعرض اللوحات بنشاط ضوئي لوحدات خلايا عصبية يزيد عددها عن 500 ألف، فظهرت اللوحة بنتائج مذهلة من تدفق ضوئي دقيق وتوازن في تصوير حركة أنشطة الدماغ.

(فيديو يعرض لوحة  التأمل الذاتي self reflected).

خيارات صعبة بين الدقة والجمال

يزودنا الفن بقوة وعي وعواطف بشكل مباشر وعميق لن تستطيع البيانات الجامدة والمعلومات الجافة أن تزودنا به، العالم في متناول أيدينا والناس بحاجة إلى سبب للاهتمام فيما يبحثون عنه، القيام بأعمال فنية كافية وشافية ترسم المشاهد ببعد عصبي عميق وإعطائه هذا العمل لتأمله على مهل يجعله يفكر مليًا في طبيعة دماغه وتفكيره. غريغ دن.

يواجه دن أحيانًا صعوبة في اتخاذ قرارات تجعله يختار بين الدقة والجمال والوضوح، لأن التحدي الأكبر

هنا بالطبع، أن الدماغ ثلاثي الأبعاد وتصويره بدقة على لوحة ثنائية الأبعاد يجعل المهمة صعبة.

لاتخاذ قرارات ناجحة يسأل دن نفسه: «من هو الجمهور وما هو الغرض من هذه اللوحة؟» المشكلة دومًا عند دن أن الغرض مزدوج فبقدر ما يرغب بأن تظهر لوحاته بشكل جميل يهمه جدًا أن تخرج اللوحات بدقة عصبية تظهر حركة الإشارات العصبية بشكل صحيح ودقيق، ما يجعله يختار بأولوية وبدقة نوعية الإشارات العصبية التي يستطيع عملها على سطح ثنائي الأبعاد دون أن تفقد اللوحة بعدها الجمالي.

فن النحت أيضًا له نصيب من علم الأعصاب

قام «رالف هلميك» بتكوين قطعة نحتية علقت في السقف مكونة من مائة خلية عصبية مصنوعة من البرونز والفولاذ تتدفق من السقف معلقة على ثلاثة أسلاك كسحابة من الخلايا العصبية.

يقول عن صنعه للمجسم أنه استخدم خدعة بصرية فنية تعرف باسم «anamorphosis» تدخل مستوى آخر من الاكتشاف البصري أخرجت التصاميم الورقية إلى الحياة على شكل هذا المجسم العملاق، ويضيف: «في كثير من الأحيان يقضي العلماء حياتهم بعيدين عن الناس مشغولين بأبحاثهم في مختبراتهم فالأعمال الفنية هذه تعرفنا للناس وترفع الوعي بما نقوم به من مجهود».

مصدر الصورة: broward.org

فيما قام النحات Chris Williams بتثبيت منحوتة في جنوب بلازا يبلغ وزنها 5 آلاف باوند وطولها 25قدمًا لخلية عصبية مصنوعة من البرونز والزجاج قال عنها: «يسعدني أن أقوم بعمل منشأة يتعرف عليها العامة وتثير مزيدًا من التفكير».

قطعة مجوهرات على هيئة خلية عصبية

في معرض فني في أستراليا بعنوان «أعلى وأسفل Above and Below» قام مصمم المجوهرات «مانينوف هاموند» بعرض مجموعة فنية مستوحاة من علم الأعصاب قال عنها: «هذا المعرض ثمرة جهد 10 سنوات حسنت فهمي للمجهر واستخدامه وفهمت كيفية استخدام البروتينات المتوهجة لإعادة تشكيل المجوهرات على أنماط توهجها في الخلايا العصبية، صنعت فيها قطعًا مصنوعة من الفضة والذهب والأحجار الكريمة واستعنت بكتب علم الأعصاب للوصول إلى أكثر الأشكال مقاربة للصورة الحية الحقيقية».

يقول عالم الأحياء الأمريكي إدوارد أوسبورن ويلسون: «الدماغ هو أكثر الأمور تعقيدًا في الكون، بالنسبة للدماغ طبعًا»، ليخفي سخرية عميقة من أن الدماغ يرى نفسه من وجهة نظره فقط، وهذا التآلف بين العلم والفن الذي أوصلنا لها الدماغ خلق بعدًا ماديًا خارجيًا وفنيًا جعلنا نفتتن بتعقيد الدماغ ونراه بجمالية مذهلة، بالنسبة للدماغ طبعًا!