علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

6,298

يبدو أن فكرة العودة إلى الطبيعة التي بدأت تنتشر في السنوات القليلة الماضية لن تكون مجرد موضة في العلاج والطب، لكنها قد تمثل بداية لعودة الإنسان إلى المنتجات المهمة التي استفاد منها الأطباء على مدى قرون ماضية للعلاج.

ويلاحظ الكثير من الناس أن العديد من الأطباء والبرامج الصحية بدأت تنتشر مؤخرًا معتمدة على فكرة العلاج بالمنتجات الطبيعية الموجودة في الطبيعة من حولنا، بدلًا عن التركيز على المواد الكيميائية المصنعة. هذه الفكرة تعيد للأذهان طرق ووسائل العلاج التي كان يتبعها الإنسان في القرون الوسطى، وفي ذروة تألق الحضارة الإسلامية.

فترة القرون الوسطى تشير إلى مرحلة واحدة من التاريخ البشري، لكنها تحمل تناقض بين منطقتين، المنطقة العربية التي كانت تشهد فترة رقي وازدهار وتقدم علمي واضح، وفي المقابل كانت هناك أوروبا التي انتشر فيها الكثير من الجهل والنزاعات والتخلف. هذه الفترة الزمنية يشار إليها بين الناس باسم «العصور المظلمة»، في إشارة إلى أنها كانت فترة غير مضيئة لا بالعلم ولا بالمعرفة، وهو أمر خاطئ وانطباع لا يعطي هذه الفترة حقها، خصوصًا مع التقدم الذي شهدته الحضارة الإسلامية في ذلك الوقت.

لفترة طويلة، كان الأطباء يرفضون نوعية الطب القادم إليهم والذي كان مستخدمًا خلال فترة القرون الوسطى، ويجادلون بأن هذه العلوم والوسائل قد عفى عليها الزمن، وأصبحت غير ملائمة لعصرنا الحديث. ومع ذلك، فإن بعض العلماء الآن ينظرون من جديد إلى هذه الفترة من التاريخ في محاولة للحصول على أدلة تشير إلى إمكانية الحصول على مضادات حيوية جديدة.

الميكروبات تتطور

يوم 27 مايو (أيار) 2016، أفاد مسؤولون بوزارة الصحة الأمريكية أنهم سجلوا ظهور أول حالة في البلاد لمريض مصاب بعدوى مقاومة للمضاد الحيوي الأقوى، والذي يعتبر الملاذ الأخير والاستراتيجي لحالات الطوارئ ضد البكتيريا. المسؤولون أعربوا عن قلقهم البالغ من أنّ هذا النوع من البكتيريا، يمكن أن يشكل خطرً كبيرًا فيما يتعلق بالعدوى الروتينية، إذا ما انتشرت بشكل أكبر.

ولندرك خظورة الأمر، يكفي أن نقرأ تصريح توماس فريدن، مدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، الذي ذكر أننا نعيش الآن مرحلة ما بعد المضادات الحيوية، وأوضح أن هذه البكتيريا قاومت بالفعل تأثير عقار «كوليستين»، وهو المضاد الحيوي الذي كان العلماء يحتفظون به في حالات الطوارئ؛ لمكافحة أي أنواع من البكتيريا يمكن أن تكون بمثابة كابوس للبشر؛ نتيجة قوتها.

هذه البكتيريا الخطيرة جرى اكتشافها، بعدما أصيبت امرأة من ولاية بنسلفانيا الأمريكية، تبلغ من العمر 49 عام، بالتهاب في المسالك البولية. يذكر أن هذه السيدة، لم تسافر مطلقًا خلال الأشهر الخمس السابقة لإصابتها بهذه العدوى.

تطور الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية يعني أنه من الضروري دائما العثور على أدوية جديدة لمحاربة الميكروبات التي لم تعد قابلة للعلاج بالمضادات الحيوية الحالية، ولكن التقدم في إيجاد مضادات حيوية جديدة يجري ببطيء شديد حاليًا، حاليًا توقف توقف «خط الأنابيب» الخاص باكتشاف مضادات حيوية جديدة، وهو ما يهدد بخطر صحي عالمي غير مسبوق.

يموت حاليًا حوالي 700 ألف شخص حول العالم سنويًا نتيجة الإصاب بميكروبات مقاومة للأدوية. وإذا لم يتغير الوضع، يقدر أن هذه الإصابات ستقتل 10 ملايين شخص سنويًا بحلول عام 2050.

القرون الوسطى هي الحل

وقال إيرين كونلي في تقرير له على موقع thecoversation العلمي، إنه جزء من فريق «المضادات الحيوية القديمة – Ancientbiotics»، وهو عبارة عن مجموعة تضم علماء القرون الوسطى، وعلماء الأحياء الدقيقة، وعلماء الكيمياء الطبية، وعلماء الطفيليات، وصيادلة، وعلماء البيانات من العديد من الجامعات والبلدان. «نحن نعتقد أن الإجابات على أزمة المضادات الحيوية يمكن العثور عليها في التاريخ الطبي. مع مساعدة من التقنيات الحديثة الموجودة الآن، نحن نأمل في كشف كيفية معالجة الأطباء في العصور الوسطى للعدوى، وعما إذا كانت علاجاتهم فعالة حقًا».

وتحقيقًا لهذه الغاية، يجمع هذا الفرق قاعدة بيانات من الوصفات الطبية في القرون الوسطى. ومن خلال الكشف عن الأنماط في الممارسات الطبية في القرون الوسطى، يمكن لقاعدة البيانات هذه أن تخبر الأبحاث المخبرية المستقبلية بالمواد المستخدمة لعلاج العدوى في الماضي. «على حد علمنا، هذه هي أول محاولة لإنشاء قاعدة بيانات للأدوية في القرون الوسطى بهذه الطريقة ولهذا الغرض».

في عام 2015، نشر فريق علمي تابع لكونلي، دراسة تجريبية عن وصفة طبية تعود لأكثر من ألف سنة ماضية، تسمى «Bald’s eyesalve». هذه الوصفة مستخرجة من مرجع طبي قديم يسمى «Bald’s Leechbook». هذه الوصفة كانت تستخدم في ذلك الوقت وكان إيسالف لاستخدامها ضد أحد الحالات المعدية التي تسمى «Wen»، وهي عبارة عن حويصلة ميكروبية تصيب جفن العين.

 

هذه الحالة المرضية لاتزال موجودة حتى الآن، ومن بين أحد أسبابها الشائعة هو نوع من الميكروبات الذي يسمى بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية «Staphylococcus aureus». وتتميز هذه البكتيريا بأنها مقاومة للميثيسيلين، وهي بكتيريا مقاومة للعديد من المضادات الحيوية الحالية. وتتميز الالتهابات الناجمة عن مثل هذه الأنواع من الميكروبات بأنها المسؤولة عن مجموعة متنوعة من الالتهابات الحادة والمزمنة، بما في ذلك الالتهابات الجرحية والإنتان والالتهاب الرئوي.

بالعودة إلى الوصفة الطبية «Bald’s eyesalve»، فكانت تتكون من النبيذ والثوم ونباتات من عائلة «Allium» مثل الكراث أو البصل، والـ «oxgall». وتنص الوصفة إلى أنه بعد خلط المكونات معًا، يجب تركها في وعاء نحاسي لمدة تسع ليال قبل الاستخدام.

في الدراسة السابقة، تحولت هذه الوصفة إلى أن تكون عامل مضاد للكشف عن المكورات العنقودية، في نموذج العدوى في المختبر. كما تمكنت هذه الوصفة من قتل البكتيريا المضادة للميثيسيلين المسببة التي تصيب الجروح الجراحية في الفئران.

بين العلم والخرافة

اليوم، تستخدم كلمة «القرون الوسطى» كعبارة مهينة، تشير إلى السلوك القاسي أو الجهل أو التفكير إلى الوراء. وهو ما تسبب في تأكيد أسطورة أن هذه الفترة لا تستحق الدراسة، خصوصًا المتعلقة بمنطقة القارة الأوروبية. هذا الأمر جعل العلماء يعزفون عن الدراسات الإكلينيكة للممارسات الطبية التي كانت تحدث في أوروبا ما قبل الحداثة.

لكن لا ننسى هنا أن الكيميائي تو يويو حصل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء والطب لاكتشافه لعلاج جديد للملاريا بعد البحث في أكثر من 2000 وصفة من وصفات التراث الصيني القديم الخاص باستخدامات الأدوية العشبية. هذا الأمر جعل الكثير من العلماء يطرحون سؤالًا، عما إذا كانت هناك رصاصة ذهبية قادرة على التخلص من العدوى البكتيرية توجد مختبأة داخل كتب وعلوم القرون الوسطى؟

بالتأكيد، هناك الخرافات والعلاجات التي تعود إلى القرون الوسطى التي لن نكررها اليوم، مثل تطهير جسم المريض من الخلطة المسببة للأمراض. مع ذلك، يقترح إيرين كونلي أن عمله يمكن أن يوضح وجود منهجية وراء الأدوية التي كان يستعملها الأطباء في فترة القرون الوسطى، وإذا وضعت هذه المنهجية مع الكثير من التجارب و المراقبة المعتمدة على التقنيات الحديثة الحالية، فيمكن بالفعل الوصول إلى علاجات جديدة مضادة للبكتيريا المعدية.

أزمة المضادات الحيوية

المضادات الحيوية، ويطلق عليها أيضًا اسم «مضادات البكتيريا»، هي أحد أنواع الأدوية التي تستخدم كمادة مضادة للميكروبات بشكل عام. والمضادات الحيوية تشمل تلك الأدوية التي تستخدم في علاج أو الوقاية من العدوى البكتيرية، وهي إما أن تقتل البكتيريا أو تمنع نموها. وتشمل المضادات الحيوية قطاعًا واسعًا من الأدوية، التي تتميز كل مجموعة منها بأن لها آلية معينة في قتل البكتيريا. كذلك فإن لكل دواء «مضاد حيوي واحد» «مجموعة البكتيريا» التي يمكنه قتلها، دون غيرها.

وتعتبر المضادات الحيوية واحدة من أخطر مجموعات الأدوية التي يساء استخدامها، والتي يترتب عليها مشاكل صحية، ليست للمريض ذاته، ولكن على مستوى الدولة نفسها، وربما العالم أجمع؛ فالمضادات الحيوية تحوي عيبًا خطيرًا يتمثل في قدرة البكتيريا على تكوين مناعة ضدها مع مرور الوقت، وبالتالي قد تصبح بعض أنواع المضادات الحيوية غير قادرة على مقاومة أنواع معينة من البكتيريا، ما يقلل فعاليتها تجاه مقاومة – وبالتالي الشفاء من الأمراض التي تسببها ـ العدوى البكتيرية.

في الولايات المتحدة، وهي إحدى الدول المتقدمة صحيًا، تتسبب عملية مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، في إصابة حوالي مليوني شخص بالأمراض، وتسببت أيضًا في وفاة حوالي 23 ألف شخص سنويًا. ويذكر أن جين «إم سي آر 1»، ظهر لأول مرة في البشر والخنازير في الصين، نهاية عام 2015، وهي البداية الحقيقية لدق ناقوس الخطر.

وساهم الوصف المبالغ به والمتكرر، للمضادات الحيوية من قبل الأطباء، والاستخدام الواسع للمضادات الحيوية مع الماشية والدواجن التي يأكلها البشر، في الوصول بنا إلى هذه الأزمة الكبيرة. فالإحصاءات تشير إلى أن أكثر من نصف المرضى الذين يجري حجزهم في المستشفيات، يحصلون على المضادات الحيوية في مرحلة ما خلال إقامتهم، لكن الدراسات – أيضًا – أشارت إلى أن ما بين 30 إلى 50% من هذه الحالات، ليست بحاجة فعلية للمضادات الحيوية، وهي تساهم بالتالي في زيادة مقاومة البكتيريا.

تعليقات الفيسبوك