بموازاة نمو نفوذها الاقتصادي, ترسم بكين مسارها الخاص في العلاقات الدولية

يشرق عهد جديد للسياسة الخارجية الصينية، بموازاة ارتكاز الدولة على نموها الاقتصادي للانتقال من إحجامها القديم عن إعلان نفسها دولة رائدة عالميًّا، وعدم قدرتها النسبية على الدفاع عن نفسها، إلى مرحلة جديدة تستطيع بكين فيها أن تبحث عن تسويات في خضم البيئة الأمنية التي واجهتها خلال الستين عامًا الماضية، وفي وسائل الإعلام الناطقة بالصينية، يتحدث السياسيون بشكل متزايد عن الصين كقوة عظمى، بيدَ أن غزو روسيا لأوكرانيا وضع سياسة بكين الخارجية الجديدة على المحك وأثار تساؤلات حول حجم الدور الصيني عالميًّا.

تقترب الصين من توفير كل الإجراءات المطلوبة لتحديد شكل الدولة العظمى: القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ذات الامتداد العالمي، لكن لا يبدو أنها تتصرف كقوة عظمى من حيث مساهمتها في القيادة الدولية أثناء النزاعات مثل الحالة الأوكرانية، وبدلاً من ذلك، نرى حزم بكين يظهر فقط حين يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحها الضيقة.

وعلى عكس سياسة دينج شياو بينج (مهندس نهضة الصين الحديثة) الخارجية التي تقوم على أن “تخفي الصين قوتها وتترقب اللحظة المواتية”، أعلن الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينج أن الصين يجب أن تكون “استباقية”. على هذه الوتيرة تنتقل الصين من درجة التأهب الأولى إلى الثانية، لكن مسار السياسة الخارجية قد لا يكون دومًا سلسًا.

فرغم التدخل الروسي في أوكرانيا المضطربة شعبيًّا، أحجمت بكين عن انتقاد موسكو، متوافقة مع السياسة الصينية القائمة منذ فترة طويلة على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وفي حين شجبت الصين تدخل “قوات أجنبية معادية” في الاحتجاجات الشعبية بشينجيانج والتبت، يبدو أنها لن تتخذ موقفًا علنيًّا حيال خرق روسيا للسيادة الأوكرانية. وعبر مكالمات هاتفية مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم 10 مارس، حث “شي” الزعيمان على استخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية لحل الأزمة.

وفي يوم 15 مارس، تقدم ممثل الصين لدى الأمم المتحدة باقتراح من ثلاث نقاط حول حل سياسي للأزمة؛ وحثّ على تشكيل مجموعة دولية للمساعدة في الوساطة؛ وأوصى بامتناع جميع الأطراف عن المزيد من الاستفزاز، واقترح أن تساعد الجهات المالية الفاعلة دوليًّا على استقرار الوضع الاقتصادي في أوكرانيا. لكن الصين امتنعت عن التصويت على مشروع قرار للأمم المتحدة في اليوم ذاته، أدان الاستفتاء الذي هدف إلى شرعنة نقل شبه جزيرة القرم من أوكرانيا إلى روسيا.

لكن الصين كقوة رائدة، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، مارست “حقها في الكلام” عن الوضع في أوكرانيا، بيدَ أنها تجنبت المشاركة في رد الفعل الدولي؛ حيث صوت جميع الأعضاء الـ13 الآخرين في مجلس الأمن لصالح القرار، في حين عارضته روسيا.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الصينية، كان “شي” وممثله في الأمم المتحدة صريحين جدًّا، لكن خارج الصين، يتفق كثيرون على أن استجابة الصين كانت متواضعة جدًّا، ومتأخرة جدًّا، مثل هذا السلوك في أوقات الأزمات الدولية يقود المعلقين إلى التساؤل عما إذا كانت الصين “طرفًا معنيًا مترددة” في النظام العالمي، وما إذا كانت مجرد قوة إقليمية.

ومنذ أصبح سكرتيرًا عامًّا للحزب الشيوعي الصيني في عام 2012، أشرف شى جين بينج على التوسع في الإصلاحات الاقتصادية الصينية والانفتاح على العالم الخارجي، بموازاة قيادة حملة قمع جديدة ضد حرية التعبير والتجمع، وتشديد الأمن ضد الأويغور وسكان التبت، وتحت قيادة “شي”، أصبحت الصين وجهًا لوجه مع اليابان بشأن الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي، معلنة منطقة تمييز للدفاع الجويADIZ  على جزر سينكاكو/ دياويو المتنازع عليها، ومُظهِرة حزمًا أكثر في بحر الصين الجنوبي.

ولأن النموذج الاقتصادي للصين يتطلب أسواقًا جديدة، وامتيازات للوصول إلى الموارد، سيكون أحد عوامل الاعتدال في نهج سياستها الخارجية. فبكين لا تستطيع أن تسيء إلى جارتها روسيا؛ لمجموعة معقدة من الأسباب؛ تتنوع ما بين الأمن الداخلي والخارجي والوصول إلى مصادر جديدة لإمدادات الطاقة. والبيئة الخارجية التنافسية، المثيرة للجدل، التي تواجه الصين في جوارها المباشر يحتم على بكين اتخاذ نهج حذر نسبيًّا في الأمن القومي، ما بين المدى القصير والمتوسط​​. وهي في الوقت ذاته تعزز بيئتها الخارجية، خاصة في محيطها، كلما وسعها ذلك. من أجل ذلك يمكن أن نتوقع رؤية السياسة الخارجية الصينية على حافتين: (1) حازمة واستباقية في بعض الأحيان، (2) غامضة وغير تصادمية تارة أخرى. وحيثما عجزت الصين عن المشاركة في التغيير، فإنها ستخرج بأقصى استفادة ممكنة من النظام العالمي الحالي، وستسعى بهدوء وراء مصالحها الخاصة؛ لكن كلما لاحت إمكانية وضع معايير جديدة، سوف تتصرف بكين بحزم.

في التسعينيات، أجرى صناع السياسة الصينيين دراسات متعمقة حول الدروس التي يمكن استخلاصها من سقوط الاتحاد السوفييتي، وفي العقد الأول من الألفية الثانية درسوا صعود وسقوط القوى العظمى الأخرى، مثل: البرتغال وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى- والولايات المتحدة – والدروس التي تقدمها كل تجربة للصين، ومن ثمَّ يُرَجَّح أن الصين، باعتبارها قوة عظمى صاعدة، رغم زيادة ميزانية جيش التحرير الشعبي  PLAهذا العام بنسبة 12.2%، لن تتبع الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفيتي في إجراء استثمارات مرهقة في الإنفاق العسكري، فميزانية جيش التحرير الشعبي الصيني تمثل 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للصين، مقابل 4.4% في أمريكا حاليًا، و13-14% في الاتحاد السوفييتي قبيل بدء عصر جورباتشوف في منتصف الثمانينيات.

بدلاً من ذلك تستثمر الصين في مجال الحرب غير النظامية، مع التركيز على أسلحة النبض الكهرومغناطيسي، والحرب الفضائية والسيبرانية، والردع النووي، الذي يتسم بأنه متواضع لكنه كافٍ في الآن ذاته، بموازاة تدشين شبكة معقدة من الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف المتمركزة حول الصين مثل منظمة شنغهاي للتعاون، واتفاقات التجارة الحرة مع دول مثل أيسلندا، وشراكات أقل رسمية حول قضية محددة مع دول ذات أهمية إستراتيجية للصين مثل زيمبابوي وسريلانكا وروسيا.

ولأن الصين قوة عظمى جديدة، غير آمنة نسبيًّا، سواء فيما يتعلق بالسياسة الداخلية أو البيئة الخارجية التي تواجهها؛ يتحتم عليها أن تتبنى سياسة مزدوجة: استباقية في الدفاع عن مصالحها، وغامضة حيال مصالحها الفعلية؛ بهدف تأخير الصراع المفتوح مع المنافسين المحتملين الآخرين لأطول فترة ممكنة.

الصين ليست بأي حال طرفًا مترددًا؛ بل بالأحرى زعيمًا مترددًا، ولا ينبغي لنا أن نتوقع من الصين أن تتصرف بطريقة القوى الكبرى السابقة والحالية، فهي تشق طريقًا خاصًا في العلاقات الدولية، وسوف تحتاج إلى حسم مفهومها الخاص لانعدام الأمن قبل أن تستجيب، باعتبارها قوة رائدة عالميا، لأزمة جيوسياسية مثل تلك التي تجري في أوكرانيا.

* البروفيسور آن-ماري برادي، متخصص في السياسة الصينية والقطبية، بجامعة كانتربري، نيوزيلندا، وحاليا باحث زائر في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، بالعاصمة واشنطن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد