تستعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاختيار رئيس جديد لها في يونيو (حزيران) 2021، وقد بدأت التيارات السياسية باختلاف ميولها بالاستعداد لهذه الانتخابات الرئاسية، التي تأتي في وقت صعب تمر به البلاد والمنطقة بأكملها.

سيترك الرئيس الإيراني المعتدل حسن روحاني منصبه في أغسطس (آب) 2021 بعد دورتين متتاليتين، ولا يمكنه الترشح لمرة ثالثة بموجب الدستور الإيراني.

ويبدو أن التيار الأصولي بدأ الاستعداد مبكرًا للانتخابات الرئاسية الصيف المقبل، ونشر عددًا من القوائم التي تضم أبرز المرشحين المحافظين في الأسابيع الماضية، في حين أن التيار الاصلاحي ما زال يعاني من التشتت، خاصة بعد تعرضه لضربة موجعة، في الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في فبراير (شباط) 2020 وتعرض عدد كبير من أعضائه للإقصاء.

يعمل البرلمان ذي الأغلبية المحافظة على تقليل فرص الإصلاحيين في الفوز بمنصب الرئيس، ويقود هذه الجهود محمد باقر قاليباف، السياسي المحافظ البارز وأحد قادة الحرس الثوري الإيراني سابقًا. أعلن البرلمان عن خطة لتعديل قانون الانتخابات الرئاسية؛ مما أثار الجدل وسط قطاعات واسعة من الساسة والشعب الإيراني في الأيام الماضية.

في السطور القادمة من هذا التقرير نتناول التعديلات المثيرة للجدل التي أقرها البرلمان الإيراني لقانون الانتخابات، وما الذي يقوله مؤيدو ومعارضو هذه التعديلات.

الحد الأدنى والأقصى لسن الترشّح

تُحدد المادة 115 من الدستور الإيراني كافة شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، مثل أن يكون الرئيس رجل سياسة، أو رجل دين، يؤمن بالدين الرسمي للدولة، من أب وأم إيرانيين، مؤمن بالمبادئ الثورية، ومبادئ الجمهورية الإسلامية.

ولم تتناول أي فقرة من فقرات المادة الدستورية مسألة عمر المرشح، إلا أن التعديل المقترح مؤخرًا من قبل البرلمان الإيراني يتطرق لهذه المسألة.

في المسودة الأولى التي اقترحها نواب البرلمان اقترح الحد الأدنى لعمر المترشح ليكون 45 عامًا، والحد الأقصى 70 عامًا، وبعد الكثير من النقاش تم التصويت بالاغلبية على تعديل الحد الأدنى لسن المترشح، ليصبح 40 عامًا فقط.

على الفور انتشرت التكهنات التي تفيد بأن التعديل الأخير لسن المرشح وضع قصدًا لمنع محمد جواد آذري جهرمي من الترشح، وهو وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الحالي الذي لن يبلغ الـ40 إلا في سبتمبر (أيلول) 2021 القادم، أي بعد موعد التقديم للانتخابات.

لكن لماذا تكهن البعض بذلك؟ آذري جهرمي، هو الوزير الشاب الوحيد في حكومة حسن روحاني، وبالرغم من رفضه في كثير من المقابلات أن يصنّف بأنه محافظ أو إصلاحي، إلا أن يُرى مرشحًا محتملًا وخيارًا جيدًا للمعسكر الإصلاحي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

يقول السياسي الإصلاحي عبد الله رمضان زاده، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «آذري جهرمي، لا يتمتع برصيد كاف عند التيار الأصولي، الرجل شاب، وأظهر دعمه للشباب في كثير من الأحيان، وخاض معركة طويلة مع الأصوليين لمنع حجب تطبيق «الإنستجرام» في إيران، وعارض الكثير من الخطط الأصولية للسيطرة على الإنترنت، ولذا فهو غير محبوب».

Embed from Getty Images
محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني.

وموقف جهرمي من الرقابة على الإنترنت ليس الموقف الوحيد الذي يزعج التيار المحافظ، في وقت سابق نصّب نفسه محاربًا للفساد في الحكومة بشكل عام، وفي وزارته بشكل خاص، وهو أول وزير يعلن عن قضايا الفساد المتعلقة باستغلال البعض لسعر الصرف الحكومي للريال الإيراني مقابل الدولار بعد أزمة إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران.

سمحت الحكومة للوزارات بصرف الريال بسعر أقل من السعر العام في السوق، لتتحصّل الحكومة على السلع الأساسية وتقدمها للمواطنين بسعر زهيد، استغل بعض المسؤولون فرق النسبة للانتفاع الشخصي به، ببيع الدولار لتجار مقربين من الدولة.

وقد أعلن آذري جهرمي عدم طموحه في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن بحسب مصدر مقرب من الوزير، تحدث لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، قال إنه فكّر بشكل جدي في الأشهر الماضية.

«البطاقة الخضراء».. ومنع جواد ظريف من الترشح

كان من ضمن التعديلات التي عمل عليها النواب في البرلمان الإيراني منع أي شخص حامل للبطاقة الخضراء، بطاقة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، من الترشح للانتخابات الرئاسية الإيرانية.

الجدير بالذكر أن الدستور الإيراني ينص على ضرورة أن يكون المرشح الرئاسي من أصل إيراني، ولكن لم يتطرق لمسألة حمل بطاقات الإقامة في بلد أجنبية.

وكما كان الحال مع مسألة الحد الأدنى لسن المترشح، فقد فسّر هذا الإجراء على الفور بأنه لمنع ظريف، وزير الخارجية الحالي، من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

تردد اسم ظريف طوال الأشهر الماضية مرشحًا مفضلًا للتيار الإصلاحي والمعتدل ليمثله في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكنه دائمًا ينفي ويرفض هذه التكهنات.

وفي آخر لقاء متلفز له مع تلفزيون طلوع الأفغاني، أعلن رفضًا مطلقًا لشائعات ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، قائلًا: «لا أرى قدراتي مناسبة لهذا المنصب، لكنني على استعداد لمواصلة مسيرتي المهنية في السلك الدبلوماسي».

يعلق رمضان زاده على هذا التصريح لـ«ساسة بوست» قائلًا: «مازال الإصلاحيون يرون في جواد ظريف خيارًا جيدًا للغاية، وأمر منع من يملك البطاقة الخضراء من الترشح لن يمنعه إذا أراد ذلك؛ لأنه أعلن أنه لم يعد يمتلك البطاقة الخضراء بعد الآن».

من الجدير بالذكر أن ظريف، مثل كثيرين من الساسة الإيرانيين، ذهبوا للدراسة وأقاموا في دول أجنبية قبل وبعد الثورة، والرئيس روحاني نفسه درس سابقًا خارج إيران.

صلاحيات أكبر لمجلس صيانة الدستور

تعطي التعديلات الأخيرة صلاحيات أكبر لمجلس صيانة الدستور، الذي يشرف على كافة الانتخابات في إيران.

المجلس مكوّن من 12 عضوًا، ستة منهم من الفقهاء الدستوريين، يتم ترشيحهم من قبل القضاء، وستة آخرون رجال دين يتم تعيينهم بشكل مباشر من قبل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله خامنئي، وهي هيئة محافظة معروفة بتاريخها الطويل في إقصاء المرشحين الإصلاحيين، وقد تناولنا عملها بشكل مفصل في تقرير سابق.

من الصلاحيات التي أعطاها النواب الإيرانيون في التعديلات الاخيرة لمجلس صيانة الدستور، مسألة فحص القدرات الاقتصادية للمرشح الرئاسي، وضرورة عمل بحث ميداني عن بيئة عمل المرشحين، ومكان إقامتهم.

إلى جانب أن يقدم المرشح لمجلس صيانة الدستور ترشيحه لخمسة مستشارين، في مجالات: الدفاع، والأمن، والشؤون الدولية، والاقتصاد، والثقافة، والشؤون الاجتماعية، الذين يخطط المرشح أن يتعاون معهم في حال فوزه بالمنصب.

وعلق السياسي الإصلاحي، جلال جلالي زاده، في حوار مع «ساسة بوست»، قائلًا: «مجلس صيانة الدستور لا يعلم شيئا عن الاقتصاد، فكيف له أن يفحص قدرات المرشح الاقتصادية؟ وبخصوص أمر التقصي عن حياة وعمل المرشح، فهذا الأمر خاص بالمرشحين للبرلمان، وليس للرئاسة، هل يعقل أن يترشح شخص للرئاسة لا يعلم الجميع تاريخه وعمله في المجال السياسي والإداري».

وينص الدستور الإيراني على أن يكون المرشح للانتخابات الرئاسية الإيرانية رجلًا سياسيًا له صيت في الإدارة والسياسة، وعلى دراية بالأمور التنفيذية في الدولة، ليتمكن من أن يصبح رئيسًا للجمهورية الإسلامية.

«تحية من البرلمان العسكري للجنرالات»

كتبت جريدة «آرمان ملى» المؤيدة للإصلاح مقالًا بعنوان: «تحية من البرلمان العسكري، للجنرالات»، في اعتراض صريح على تعديلات البرلمان الأخيرة بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، والتي تمكّن القادة العسكريين من السيطرة على سير الانتخابات، وتسهّل لهم الترشح للانتخابات، بما في ذلك قاليباف، رئيس البرلمان الحالي.

Embed from Getty Images

محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس البرلمان الإيراني الحالي، وأحد رموز الأصوليين في إيران.

تمنح التعديلات الأخيرة الحرس الثوري الإيراني صلاحية الاشراف على الانتخابات ومساعدة مجلس صيانة الدستور في عملية التدقيق الخاصة بفرز المرشحين.

وانتقد البعض هذه الصلاحيات باعتبارها قتلًا لفكرة الديمقراطية في الجمهورية الإسلامية، ويصفه النائب البرلماني مالك شريعتي بأنه «هندسة» للانتخابات لتمكين الأصوليين من منصب الرئاسة.

وفي الفترة الأخيرة أعلن عدد من القادة العسكريين السابقين نيتهم لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعلى رأسهم حسين دهقان وزير الدفاع السابق، والمستشار العسكري للزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، والذي أعلن ترشحه رسميًا الشهر الماضي.

يقول جلالي زاده لـ«ساسة بوست»: «لماذا يشرف الحرس الثوري على عملية الانتخابات، ولماذا يتم إعطاؤه سلطة التحكم في فرز المرشحين؟ طوال تاريخ الجمهورية الإيرانية، ووزارة الداخلية فقط هي من تشرف على سير الانتخابات، ولا يحق لأحد التدخل في عملية فرز أهلية المرشحين، ولا مجلس صيانة الدستور».

ويصف زاده بغضب الأمر، بأنه محاولة لعسكرة الجمهورية الإسلامية، ويقول: «ستتحول إيران من جمهورية دينية، إلى جمهورية دينية عسكرية، لا يفرق الأمر شيئا عن الديكتاتوريات المجاورة لنا».

ويحق للقادة العسكريين السابقين، أي من أنهوا خدمتهم العسكرية، الترشح للانتخابات الرئاسية في إيران، ولا يحق لأي قائد عسكري مستمر في منصبه الترشح، إلا بعد تقديم استقالته من منصبه، ولكن التعديلات البرلمانية الأخيرة تناقش إمكانية إتاحة فرصة الترشح للعسكريين الحاليين، دون شرط ترك مناصبهم.

ناصر إيماني، سياسي محسوب على التيار الأصولي، وبالرغم من موافقته على أغلب التعديلات الأخيرة للبرلمان الإيراني على قانون الانتخابات الرئاسية، إلا أنه يرفض مسألة ترشح العسكريين الحاليين للرئاسة، فيقول لـ«ساسة بوست»: «أنا مع ترشيح قائد عسكري سابق، فبعد أن يترك منصبه يحق له أن يتمتع بحقوقه المدنية، مثل باقي أفراد الشعب الإيراني، لكن مسألة ترشح قائد عسكري حالي، لا أراها مناسبةً في أي وقت من الأوقات».

يتوقع بعض الخبراء خارج وداخل إيران أن من الممكن أن يكون الرئيس الإيراني القادم من العسكريين، فهناك مزاج عام لدى الأصوليين يميل لتولي قائد عسكري للمنصب.

يفضل محمد عيلي بور مختار، البرلماني السابق والمحسوب على التيار الأصولي، فكرة أن يكون الرئيس المقبل واحدًا من قادة الحرس الثوري، ويقول لـ«ساسة بوست»: «ينص الدستور على أن يكون رئيس الجمهورية الإسلامية رجلًا ثوريًا، مؤمنًا بمبادئ الثورة والجمهورية الإسلامية، وأجد أن قادة الحرس الثوري أجدر الناس بهذا الوصف».

الأصوليون: التعديلات الجديدة إصلاحات للعملية الانتخابية

يرى السياسي الأصولي ناصر إيماني أن اعتراضات الإصلاحيين على التعديلات البرلمانية «سخيفة»، ويقول لـ«ساسة بوست»: «التعديلات تحاول تنظيم عملية الترشح، فمثلًا ضمن التعديلات الجديدة ضرورة حصول المرشح على درجة الماجستير، أراه شرطًا جيدًا، لا يمكن لكل من يعرف القراءة والكتابة الترشح للانتخابات الرئاسية».

يرى إيماني أن التعديلات البرلمانية تتيح لمجلس صيانة الدستور والنظام الانتخابي فرصة العمل بشكل أكثر دقة وهدوءًا؛ «عند تقييد الشروط التى يجب أن تتوفر في المرشح الرئاسي، يستطيع النظام الانتخابي العمل بشكل جيد، والتركيز على اختيار أفضل خمسة مرشحين في النهاية».

Embed from Getty Images

الإصلاحيون: «يريدون القضاء على المنافسة»

يصف جلال جلالي زاده، السياسي الإصلاحي، التعديلات البرلمانية الاخيرة بأنها محاولة من الأصوليين للقضاء على خصومهم، ويقول لـ«ساسة بوست»: «برلمان المحافظين الذي فاز بدون مشاركة عادلة يريد القضاء على منصب الرئيس، والقضاء على الإصلاحيين والمعارضين لهم، وهذا لن يكون في مصلحة البلاد بأي شكل من الأشكال».

ويرى السيد جلالي أن الخطوات الأخيرة للبرلمان لن تؤدي للتنافس في الانتخابات الرئاسية، ولن يكون هناك إقبال شعبي على التصويت كما حدث في الانتخابات البرلمانية، و«هذه التعديلات تعني نهاية أي أمل للمنافسة. إن دائرة السلطة تضيق يوما بعد يوم، ولن يكون هناك أية قيمة لمنصب الرئيس بعد ذلك».

موافقة مجلس صيانة الدستور

إلى الآن لا يمكن القول إن التعديلات البرلمانية الأخيرة على قانون الانتخابات سيتم تطبيقها بشكل نهائي، فالتعديلات تنتظر موافقة مجلس صيانة الدستور، الذي من ضمن صلاحياته الموافقة على مشاريع القوانين والتعديلات الدستورية التى يقرها المشرعون في البرلمان.

لكن بقراءة متأنية للمشهد السياسي الداخلي في الجمهورية الإسلامية، وسيطرة المحافظين على السلطة القضائية والتشريعية، يمكن الاستنتاج بأن موافقة مجلس صيانة الدستور قد تكون قريبة، حتى وإن طلب المجلس بعض التعديلات على ما أقره البرلمان من تغييرات.

يقول إيماني: «أتوقع الموافقة على التعديلات، نحتاج أن يتم تطبيقها على الانتخابات الرئاسية المقبلة».

المصادر

تحميل المزيد