كشفت إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي عن وثائق من أرشيف الدولة، ومن أرشيف الحركة الصهيونية ومنظماتها في فلسطين الانتدابية قبيل النكبة الفلسطينية وأثناءها وفي السنوات التالية لتأسيس إسرائيل. هذه القاعدة القائلة بنشر وثائق الأرشيف بعد مرور 30 عامًا أو 50 عامًا أحيانًا، استنسختها إسرائيل من حكومة الاستعمار البريطاني الحاكمة لفلسطين حتى عام النكبة، وتُطبقها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودولٌ أخرى.

وبفتح الأرشيف الإسرائيلي، أصبح من الممكن لأول مرة للباحثين أن يُراجعوا ماذا حصل عام 1948، وبدؤوا في رحلة طويلة لإعادة كتابة تاريخ إسرائيل من جديد، باتبّاع التقاليد والمعايير الأكاديمية، في محاولة لفهم كيف نشأت إسرائيل، وماذا كانت خطط زعماء الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة؟ وهل من دليل على أنهم قصدوا وخطّطوا لتهجير الفلسطينيين أم لا؟ وكيف فكّروا في مشاكل كبرى تواجه إسرائيل حتى اليوم مثل التفوّق السكاني (الديموغرافي) لعرب فلسطين على اليهود.

هذه الأسئلة ليست نظرية أو تاريخية فحسب، بل لها آثارٌ مباشرةٌ على الواقع الإسرائيلي، وعلى واقع القضية الفلسطينية وفهمنا لها، وآثار على موقعها القانوني والدولي.

بالإضافة للعشرات من الشهادات الموثّقة لفلسطينيين وغير فلسطينيين شهدوا أحداث النكبة، سيكون لوثائق الأرشيف الإسرائيلي أهمية خاصة إن وثّقت كون النكبة كانت حدثًا مخططًا له وتعمّدت خلاله القيادة الصهيونية أن تهجّر قسرًا وبالترهيب مئات الآلاف من الفلسطينيين، وهذا يُثبت – بأدلة إسرائيلية – أنّ هذه جريمة تطهير عرقي، وتصبحُ جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية في القانون الدولي، وأهم نتائجها أنها تعزز من حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، وتؤكّد أنهم لم يخرجوا بمحض إرادتهم أو تفاديًا للحرب فحسب، وتفتح الباب أمام مسائلات قانونية واسعة لإسرائيل.

يتحدثُ هذا التقرير عن تيّار المؤرخين الجدد في إسرائيل الذين اعتمدوا على هذا الأرشيف، ويركّز على ثلاثة مؤرخين أساسيين هُم: بيني موريس، وآفي شلايم، وإيلان بابيه، ويطرح التقرير وجهات نظر كلّ منهم في أحداث تاريخية أساسية، ويعالج مواقفهم السياسية المُتباينة إما انحيازًا لإسرائيل أو معارضةً لها.

Embed from Getty Images

ثلاث صور للمؤرخين الإسرائيليين الجدد، الأولى لبيني موريس، والثانية لآفي شلايم، والثالثة لإيلان بابيه

عام 1948.. الحرب والنكبة وقيام دولة إسرائيل

أول حدثٍ عمل المؤرخون الجدد على معالجته هو عام 1948 وأحداثه المختلفة: الحرب، والنكبة، وإعلان قيام دولة إسرائيل، هذا العام المميّز في ذاكرة المنطقة وفي ذاكرة المشروع الصهيوني، والذي أحدث زلزالًا سياسيًا دمّر حياة الفلسطينيين ووصل مداه ليهزّ العالم العربي.

مثلما اقتلعت النكبة الفلسطينيين من أراضيهم، اقتلعت أيضًا الأساتذة والباحثين والمثقفين الفلسطينيين من مكتباتهم وخسروا معها الكثير من وثائقهم التاريخية والقديمة، مما اقتنوه أو ورثوه عن أهلهم، خاصةً أن التهجير كان مفاجئًا وسريعًا وعلى نيةٍ بالعودة لاحقًا، فلم يأخذ المهجّرون معهم إلا الأساسيات.

وكان لهذا الاقتلاع للمثقفين الفلسطينيين أثرٌ مدمّر على الذاكرة الفلسطينية، وأخّر توثيق الرواية الفلسطينية للأحداث لعقود كما يوضّح المؤرخ الفلسطيني بشارة دوماني في بحثه، «إعادة اكتشاف فلسطين العثمانية» المنشور عام 1992، وفي مقابل شتات المثقف الفلسطيني، كانت تنظيمات الحركة الصهيونية أشبه بدولة مصغّرة، سرعان ما تحوّلت لمؤسسات كاملة النضج مع خروج الانتداب البريطاني، ووفّرت هذه المؤسسات دعمًا للمؤرخين الإسرائيليين، ومعظمهم في ذلك الوقت صهاينة مُخلصون قاتلوا في الحرب.

/

من مشاهد النكبة الفلسطينية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وثّق هؤلاء المؤرخّون الرواية الصهيونية الرسمية للأحداث، وظلّت مهيمنةً على المجتمع الإسرائيلي حتى الثمانينات مع خروج تيار المؤرخين الجدد الذي هدّم الأساطير الإسرائيلية، ولكن بأيادٍ إسرائيلية هذه المرة.

وعن ذلك يقولُ آفي شلايم: «قال ناقدونا أنّ لنا أجندة سياسية. أنا ليس لدي أية أجندة سياسية، أجندتي الوحيدة هي كتابة التاريخ بشكل جيد. الكتابة عن الصراع بأتم وأدق وأصح وأمتع شكل ممكن، لقد تعرّضت أنا وزملائي لهجوم شديد من إسرائيل لأننا ذبحنا الأبقار المقدسة، ودمرّنا أسطورة ميلاد إسرائيل، وتحدينا الرواية الصهيونية الرسمية عن أسباب وجذور الصراع العربي الإسرائيلي».

ومع الضجّة التي أثارها تيار المؤرخين الجدد، وما رافقها من غضب وانتقادات حادة من المجتمع الإسرائيلي ضدّهم، تتجسدُ مقولةُ إن التاريخ ليس حقلًا أكاديميًا صرفًا، بل أحيانًا يتحوّل لـ«أرض معركة» تُعيد تعريف الشعوب لأنفسها.

وعن عام 1948 يسأل المؤرخون الجدد: هل كانت الحرب حربًا فعلًا؟ هل قاتلت إسرائيل وحدها الجيوش العربية؟ وماذا فعلت إسرائيل مع العرب، هل طردتهم أم خرجوا بطوع إرادتهم؟ وهل لهم حقٌّ في العودة.

بيني موريس: مؤرخٌ انقلبَ على كتاباته

وُلد بيني موريس في أعقاب النكبة، في كيبتوز استيطاني، في ديسمبر (كانون الأول) 1948، ووالداه يهوديان هاجرا من بريطانيا، وهو البلد الذي توجّه له لاحقًا للدراسة وحصّل على درجة الدكتوراة هناك من جامعة كامبريدج.

عملَ موريس في إسرائيل مراسلًا لصحيفة «جيروزاليم بوست» وكتب فيها عن الغزو الإسرائيلي الدامي للبنان، ثم شارك في حصار بيروت بعد دخوله الجيش الإسرائيلي، ولاحقًا رفضَ موريس أن يشارك في الخدمة العسكرية في الضفة المحتلّة وسُجن على إثر ذلك لأقل من ثلاثة أسابيع، ثم خرج.

وفي 1996 بعد فشله في الحصول على عمل في جامعات إسرائيلية بسبب كتاباته الأكاديمية، أعلنَ للصحافة الإسرائيلية أنه ينوي الخروج من إسرائيل، وحينها استدعاه الرئيس الإسرائيلي، عيزر وايزمان (1993-2000) محتويًا موريس ببراجماتية عالية.

Embed from Getty Images

المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس

بدخول الضيف موريس على مكتب الرئيس سأله إن كان يؤمن بحقّ إسرائيل بالوجود كدولة يهودية، فردّ موريس بالإيجاب، ليرفع وايزمان سماعته ويتأكّد من ضمان وظيفةٍ له في جامعة إسرائيلية. بهذه البراعة احتفظ وايزمان بموريس داخل إسرائيل، ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، كشفَ موريس عن قناعات عنصرية وشكوك قديمة لديه تجاه العرب والفلسطينيين، ولكن بلغة صاخبة ودمويّة، ليشنّ هجومًا واسعًا على الفلسطينيين ويبرر كل الانتهاكات الصهيونية التي وثّقها سابقًا عن أحداث عام 1948.

وصار موريس الذي صنّف نفسه يومًا بأنه «صهيوني ليبرالي»، أقربَ إلى «صهيونيّ متطرف»، يقولُ صراحةً إن بن جوريون، أبا إسرائيل ومؤسسها، أخطأ خطأ مفصليًا لأنه لم يطرد كلّ العرب من فلسطين عام 1948، وورَّث لإسرائيل أزمةً ديمغرافية دائمة.

وببساطة عادَ موريس إلى الفكر الصهيوني التقليدي؛ قيام إسرائيل مهما كان الثمن، أما نكبة الفلسطينيين، فيُبررها ببرود الأكاديميّ الاستعماريّ: «لا يمكن تحضير العجة دون أن تكسر البيض. عليك أن توسّخ يديك»، أي لتُؤسس إسرائيل يجب قتل الفلسطينيين أو طردهم. وهكذا كان لاتصال الرئيس الإسرائيلي ثمرته الكبيرة، فبعد سنوات قليلة من ذلك الموقف، ومع اكتمال تحوّل موريس، أصبح لدى إسرائيل «مؤرخٌ سلاح»، من العيار الثقيل أكاديميًا، حاضرٌ لتبرير انتهاكات الماضي بطريقة تقدّم ذرائع مسبقة لأي جرائم جديدة في الوقت الحاضر أو مستقبلًا.

في لقاء شهير لبيني موريس مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في يناير (كانون الثاني) 2019، تنبّأ بمستقبل أسود لإسرائيل، وقال إنّها ستضعف، وأن العنف سيزيد بين أصناف الناس المختلفة الذين يعيشون داخل إسرائيل، و«سيُطالب العرب بعودة اللاجئين. وسيكون اليهود أقلية مضطهدة، تُذبح في بحر عربيّ كبير من الفلسطينيين… ومن يستطيع من اليهود سيهرب إلى أمريكا والغرب».

ومن اللافت للنظر أن موريس يتحدّث عن المرحلة الأولى للنكبة باعتبارها مجرد «حرب أهلية» بين العرب واليهود، ومؤخرًا في 20 مايو (أيار) 2021 نشرَ مقالًا في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قال فيها أن ما شهدته إسرائيل من انتفاضة عرب الداخل، ومواجهاتهم مع المستوطنين والإسرائيليين، ما هي إلا من «الإرث العنيف لعام 1948»، وحلّل المشهد الداخلي لإسرائيل مجددًا باعتباره حربًا أهلية.

ألّف موريس العديد من الكتب، وأهم ما تُرجم منها إلى العربية: «مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين»، من جزئين ونُشرت الترجمة عام 2013، ويتحدث هذا الكتاب تحديدًا عن أحداث عام 1948 وكيف أنتجت ما يسمّيه بـ«مشكلة» اللاجئين الفلسطينيين، وهو اسمٌ ناعم يعكسُ وجهة نظره بحملة التطهير العرقي والتهجير القسري ضد الفلسطينيين آنذاك.

ونُشر له كتابٌ آخر، عنوانه «الطريق إلى القدس: جلوب باشا، وفلسطين، واليهود»، وتُرجم عنوانه إلى العربية بـ«آخر الباشوات: غلوب باشا، فلسطين واليهود»، إذ يبحث موريس في الكتاب شخصيّة جلوب باشا، الضابط البريطاني الذي أشرف على عمليات عسكرية ومشاريع استعمارية بريطانية في العالم العربي، واختصّ بتاريخ العرب والمنطقة، ولعب دورًا مؤثرًا في حرب عام 1948 إذ قاد القوات الأردنية وأشرف على التنسيق مع بقية الجيوش العربية المُشاركة في تلك الحرب.

ونُشر أحدث كتب موريس عام 2019، بعنوان: «مذبحة الثلاثين عامًا: تدمير تركيا لأقليتها المسيحية، 1894-1924»، ليهرب فيه موريس من التاريخ الإسرائيلي والصهيوني، ويشتغل بالتحقيق فيما يروى عن أحداث عنف وقعت في القرنين التاسع عشر والعشرين، ضدّ مسيحيي منطقة الأناضول بشكل خاص، ويستدلّ هو والمؤلف الآخر بأرشيف عدة دول وشهادات مختلفة، ويجادل الكتاب باختصار بأنّ الحكومات العثمانية، ثم التركية، تتابعت على تنفيذ سياسات تطهير عرقي ضدّ المسيحيين في الأناضول بهدف الوصول لشعب يدينُ بالإسلام.

ماذا يقول بيني موريس؟

يقرُّ زملاء بيني موريس – وخصومه – من المؤرخين الجدد أنّ أعماله التاريخية من أهم ما كشفت عن جرائم تهجير الفلسطينيين وقتلهم أثناء النكبة الفلسطينية عام 1948، ووثّق موريس أحداث الطرد في قرى وبلدات ومدن مختلفة، في الغالب بالاعتماد على الأرشيف الإسرائيلي، وعلى وثائق الحكومة، ووثائق البلديات والمستوطنات ووثائق شخصية، ويقول إنّه قرأ «ملايين الوثائق حرفيًا».

يُدرك موريس جوهرَ الحركة الصهيونية وقناعتها بضرورة التخلّص من الفلسطينيين، ولكن كيف نتخلص منهم؟ جواب هذا السؤال مجرّد تفاصيل بالنسبة له، المهم هو التخلّص منهم. ويرى أن ديفيد بن جوريون كان سعيدًا وراغبًا بطرد الفلسطينيين، هو وكل القيادات التابعة له، ويقول إنّ الحركة الصهيونية رأت العرب المقيمين داخل حدود 48 عملاء و«طابور خامس» يعملون ضدّ إسرائيل، التي لم تصبح دولةً بعدُ في ذلك الحين.

/
كتاب «مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» للمؤرخ الإسرائيلي بيني موريس

ولكن أخطر ما يقدّمه موريس، نفيه ورفضه لفرضية أنه كان هنالك خطةٌ ممنهجة وعامة للتخلص من الفلسطينيين، ويستدلُّ على ذلك بعدم وجود مواد مكتوبة وموثّقة تدلُّ على الخطة، وينفي وجود أيّة أوامر واضحة تأمر بالطرد، ويرى من دراسته أن طرد بعض القرى وإبقاء أهل قرى أخرى تمّ بناءً على شخصية وقرار ومزاج الجنرال الذي تعامل مع كل قريةٍ على حدة، ويرفضُ تسمية ما حصل بأنه «تطهير عرقي» ضد الفلسطينيين.

ويرسم موريس قصة النكبة كالآتي: هُجّر 750 ألف فلسطيني بـ«ضغط عسكري» إسرائيلي، بعضهم طُرد وبعضهم آثر الخروج بسبب هذا الضغط و«بسبب الحرب». تمّت عملية «طرد» الفلسطينيين على مرحلتين، الأولى بدأت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، هاجرَ فيها أبناء الطبقة المتوسطة والثرية من الفلسطينيين ممن لديهم القدرة على الخروج واستئجار مكان آخر، وجميعهم خرجوا بنيّة العودة لاحقًا، واستمرّت هذه الموجة حتى مارس (آذار) 1948.

ثم بدأت موجة التهجير الجماعيّ من أبريل (نيسان) 1948، وهو ما يعتبره موريس تاريخ بدء «الغزو» الإسرائيلي للمناطق العربية بتهجير من فيها وأحيانًا بنسف القرى وتدميرها بالكامل. في الموجة الأولى كانت العصابات الصهيونية في «حالة دفاع» لصدّ الهجوم العربي من وجهة نظره، وفي الموجة الثانية انتقلت للهجوم والغزو، ولكن موريس يُعيد نفس الخطأ الذي تمارسه اليوم وسائل الإعلام الغربية التي تتحدث عما يحصل في فلسطين باعتباره «مواجهات بين قوى متساوية» ومتكافئة، إلا أن شهادات العديد من الفلسطينيين، ودراسات أكاديمية تاريخية عدّة، توثّق أن سلطات الانتداب البريطاني سهّلت للحركة الصهيونية التسلح والتدريب بدرجة تفوق ما لدى عرب فلسطين بمرات.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنتين
دليلك المبسط لفهم القضية الفلسطينية في 5 محطات

ومن هذه النقطة يُؤسس موريس لصورة صراع مُتكافئ، وتستغلّ إسرائيل هذه السردية لتعزيز صورتها كضحية مُستهدفة ومُحاطة بالأعداء من كل جانب: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، وهو ما كشفت أبحاث بقية المؤرخين الجدد عدم صحته، وأنّه كان للحركة الصهيونية اتفاقات سريّة مع قيادات عربية في هذه الدول.

لنتابع قصّة موريس عن النكبة: طلبت القيادات العربية من الناس أن يخرجوا من المدن تفاديًا للحرب، وبعضهم أخرجوا فقط النساء والأطفال، ويبدو أن هذه الحالة كانت محدودة، إلا أن المناهج الإسرائيلية تقول إنّه في العموم طلب قادة العرب من أهلهم الرحيل، وينفي موريس هذه السردية ويقول أن الوثائق العسكرية والاستخباراتية الصهيونية تقول إن قادة العرب طلبوا منهم البقاء وعدم مغادرة المدن والبلدات.

يتحدّث موريس عن مذبحة دير ياسين باعتبارها حدثًا مفصليًا في النكبة، وهي المذبحة الشهيرة في يوم 9 أبريل 1948، وقتل فيها على الأقل 100 فلسطيني، وصارت رمزًا لوحشية العصابات الصهيونية وما يمكن أن تفعله في الفلسطينيين إن قاوموا، وتحوّلت لمُحفّز للتهجير بسبب الخوف من تكرارها.

ومن المُهم في هذا السياق أن موريس لا يقبلُ بالشهادات الشفهية ولا يستعملها في أبحاثه التاريخية، إلى حدّ أنّه وثّق بنفسه شهادة لشخص رأى قتل ما يزيد عن 10 ولا يقل عن 20 فلسطيني في قرية الطنطورية، إلا أنه لا يعتبرُ هذا القتل «ممنهجًا»، ويستخفُ بهذه الأرقام من قتلى المدنيين ويعتبرها مجرّد نتيجة طبيعية للحرب، وعمليًا، يبحثُ موريس عن مذبحةٍ بحجم الهولوكوست ليعتبرها «مذبحة ممنهجة».

آفي شلايم.. يهودي عراقي يؤرّخ للأردن وفلسطين

وُلد آفي شلايم عام 1945 في بغداد عاصمة العراق الملكيّة آنذاك، لعائلة يهودية عراقية، وتمتّع والده بثراء واسع وبعلاقات قوية مع السلطات العراقية، ولكن عائلته هاجرت العراق إلى إسرائيل، الدولة حديثة الولادة، بعد حرب 48 ووقوع مضايقات ضدّ اليهود العراقيين.

وصلَ آفي شلايم إلى إسرائيل طفلًا، ويذكرُ أن والده كان منزعجًا وظلّ كذلك حتى آخر عمره لأنه لم يستطع تعلّم العبرية وإعادة تأسيس تجارته، ولكن تحوّل موقف شلايم الصهيوني، فقد بدأت إسرائيل من وجهة نظره في التحول لقوة عسكرية استعمارية تسعى لاحتلال أراضٍ جديدة، رغمَ تحقيق الصهيونية لأهدافها الأساسية: تأمين دولة لليهود. وعن تلك اللحظة يقول «أنا لم أتغيّر، بلادي تغيّرت… ولم أترك وطني ولكن بلادي تركتني».

وهنا يأخذ شلايم موقفًا وسطًا بين بيني موريس وإيلان بابيه، إذ يعتقدُ أن المشروع الصهيوني في حدّ ذاته فكرة نبيلة تسعى لإعطاء اليهود حقّ الدولة وحقّ تقرير المصير، ولكن تظلُّ إسرائيل شرعيةً في نظره رغم أنها بُنيت على مظلمة تهجير الفلسطينيين. خرج شلايم من الخدمة العسكرية وانتقلل للدراسة في بريطانيا عام 1966، وأخذ الدكتوراة في التاريخ من جامعة كامبريدج، وهي ذات الجامعة التي درسَ فيها بيني موريس.

Embed from Getty Images

آفي شلايم، مؤرخ إسرائيلي بريطاني، من أصول يهودية عراقية

وينضمُّ شلايم اليوم لبابيه في نقد إسرائيل ووصفها بأنها قوة استعمارية ودولة فصل عنصريّ واحتلال، وقد آمن لوقت طويل بأن حل الدولتين حل مقبول، ولكن قال في لقاء عام 2017 إنّه يؤمن بحل الدولة الواحدة لليهود والفلسطينيين معًا بحقوق متساوية، ولكنه يعتقدُ أنه حلٌ مثاليّ وغير ممكن لأن إسرائيل لن توافق عليه ولا يوجد من يؤيده داخلها.

ماذا يكشف آفي شلايم؟ عبد الله الأول تواصل مع الحركة الصهيونية قبل حرب 48

يُفكّك آفي شلايم أسطورةَ أن إسرائيل كانت محاطةً بالأعداء من كل جانب في حرب 48، ويوثّق شلايم في أعماله أنّ الملك عبد الله الأول، مؤسس الأردن، اتفق مع الحركة الصهيونية على أن يظلّ الفلسطينيون خارج المعادلة: تُسيطر الأردن على الضفة الغربية، ويأخذ الإسرائيليون الأراضي التي نصَّ عليها قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة، واتفق الطرفان على تقويض أي احتمالية لنشوء دولة فلسطينية بعد النكبة، ويعتقد شلايم أن الحركة الصهيونية تواصلت مع قيادات في دول عربية أخرى.

وتنصُّ الرواية الإسرائيلية على أنّ العصابات الصهيونية كانت أقل عددًا وذخيرة، وأضعف في تنظيمها وتدريبها من العرب، وينفي شلايم ذلك ويجادل بأن العصابات الصهيونية كانت شديدة التنظيم، ومتفوقةً عسكرية، وأن النقص كان محدودًا في السلاح وسرعان ما عُوّض بإمدادات أوروبية متجاوزةً قرار الأمم المتحدة لحظر تصدير السلاح إلى الشرق الأوسط خلال الحرب.

لآفي شلايم مجموعةٌ من الكتب التاريخية، من أهمها كتابه «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي»، واسمُ الكتاب مستوحىً من مقالة للمنظر الصهيوني المتطرّف زئيف جابوتينسكي، وعنوانها:«الجدار الحديدي: نحن والعرب»، وفكرته بإيجاز: لن يسمح العرب بإقامة إسرائيل إلا إذا رُدعوا بالقوة العسكرية التي هي الجدار الحديدي الحامي لإسرائيل، وعندما يقود العرب جيلٌ جديد من القادة سيكونون أكثر اعتدالًا في مواقفهم بسبب فشلهم المستمر في كسر الجدار الحديديّ للقوة العسكرية الإسرائيلية، وحتى ذلك الحين ستؤجّل إسرائيل التفاوض مع من حولها حتى تُصبح في موقع قوة يسمح لها بفرض ما تريد.

/
غلاف كتاب «تواطئٌ عبر نهر الأردن» للمؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم

ويرى شلايم أن هذا ما فعلته إسرائيل عام 1973 مع مصر السادات، ثم في 1993 في مفاوضات أوسلو مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم مع الأردن عام 1994 باتفاقية وادي عربة. عقيدةُ الجدار الحديدي في نظر شلايم هي جوهرُ السياسة الإسرائيلية وأساس تعاملها مع الدول المُجاورة، ويلوم شلايم إسرائيل لميلها الدائم لاستخدام القوة العسكرية الضاربة بدلًا عن التفاوض الجاد والصادق لحل القضية، ويرى أن رابين هو السياسي الإسرائيلي الوحيد الذي تجرأ أن يخوض مفاوضات جادة وانتهت باغتياله.

ولشلايم كتابان كاشفان عن الأردن، الأول «تواطؤ عبر نهر الأردن»، عامَ نُشر عام 1990، وفيه يكشف شلايم عن التعاون بين الملك عبد الله الأول والحركة الصهيونية قبيل وبعد حرب 48، أما الكتاب الثاني، فيُوثّق فيه شلايم سيرة الملك الأردني الأطول حكمًا، الملك الحسين بن طلال (1953-1999)، ويقولُ إنّه مُشابهٌ لجده الملك عبد الله الأول في براجماتيته، ومحاولاته منذ بداية تسلّمه للحكم الوصول لصلح أو تفاهم مع إسرائيل، ومن توثيقه لحياة الملك حسين واتصالاته مع إسرائيل، تعزّزت لديه قناعته بأن إسرائيل هي المسؤولة عن فشل مفاوضات السلام وأنّها لم تكن محاطةً بالأعداء دومًا.

لكتابة هذه السيرة الذاتية، وهي من السير القليلة التي توثّق حياة الملك الحسين بموضوعية، قابلَ شلايم الحسين أكثر من مرة، وقابل عشرات المسؤولين الأردنيين والإسرائيليين ممن عملوا مع الحسين أو عملوا على ملف العلاقات الإسرائيلية الأردنية، ونُشر هذا الكتاب بعنوان «أسد الأردن: حياة الملك حسين في الحرب والسلام»، وهو مترجمٌ للعربيّة.

إيلان بابيه.. المؤرخ المناضل ومُناصر الفلسطينيين

ولد إيلان بابيه عام 1954، بعد النكبة بستة أعوام، في حيفا بإسرائيل، وينحدر من أسرة يهودية ألمانية هاجرت قبل الهولوكوست هربًا من اضطهاد النازية، وله أقارب من طرف أمه وأبيه قُتلوا في المحرقة. انخرطَ بابيه في الجيش الإسرائيلي وفي عمر 19 كان مع القوات الإسرائيلية المقاتلة في الجولان ضد سوريا، وهكذا يكون جميع المؤرخين الجدد ممن شاركوا في الحروب الإسرائيلية وانخرطوا ولو لوقتٍ قصير في الجيش.

Embed from Getty Images

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه

درسَ بابيه في بريطانيا وأخذ الدكتوراة من جامعة أوكسفورد، ووصل الضغط الإسرائيلي عليه إلى ذروته بعد نشره لكتاب «التطهير العرقي في فلسطين» عامَ 2006، والذي يتضح موقف بابيه فيه من عنوانه، وفيه يوثّق ويشرح ما حصل عام 1948 باعتباره جريمة تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، لا مجرد نتيجة طبيعية للحرب مثلما يقول بيني موريس.

يتحدث فيه عن تخطيط الحركة الصهيونية لتهجير الفلسطينيين، ويكشف مشروعًا باسم «ملفات القرى»، لجمع خرائط ومعلومات شاملة عن القرى وسكّانها وسيناريوهات التعامل معها عسكريًا، وهذه الوِحدة وأعمالها تمّت بإشراف ديفيد بن جوريون، وفي نظر بابيه هي التي أعدّت لعملية التطهير العرقي.

استفزّ الكتاب وعنوانه ضغطًا واسعًا، وفُتحت لجنة تحقيق لتنفّذ محاكمة تأديبيةً لبابيه، ومنعته جامعة حيفا من المشاركة في المؤتمرات والندوات الجامعية، ويقول بابيه أنها ضغطت على أصدقائه من الزملاء ليبتعدوا عنه، وبعد عدة تهديدات بالقتل قرّر بابيه الهجرة من إسرائيل، وانتقلَ هو وعائلته للعمل في جامعة إكستر في بريطانيا.

بابيه أكثر المؤرخين الثلاثة حسمًا في موقفه من القضية الفلسطينية، وهو من أوّل الإسرائيليين والأكاديميين المؤيدين للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل، ويرى بابيه باختصار أنه لا يمكن أن تكون إسرائيل «دولةً يهودية» وفي نفس الوقت «ديمقراطيّة»، وهو مؤمنٌ بحل الدولة الواحدة للجميع، إسرائيليين وفلسطينيين، بحقوقٍ متساوية. ويركّز بابيه في الفترة الماضية جزءًا من أعماله لتفكيك ما أسماه «الخرافات الإسرائيلية»، ولا تقتصر كتاباته على الأسلوب الأكاديمي الصرف، ومن ذلك كتابه «10 خرافات عن إسرائيل» الصادر عام 2017، ويفكّك فيه مقولات إسرائيلية مثل: فلسطين أرضٌ بلا شعب، وأن إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ويفكك المساواة بين اليهودية والصهيونية.

كلمةٌ للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، باللغة العربية، عن حل الدولة الواحدة للقضية الفلسطينية

مثلَ موريس، يُدرك بابيه حقيقة وجوهر الصهيونية، ولكنه يتخذ منها موقفًا معاديًا إلى حد كبير، ويعتبرها آخر مشروع استعماريّ استيطانيّ في العالم، ويرى نفسه جزءًا من النضال لإنهاء هذا النظام بشكله العنصري الحالي.

وعن هذه القناعة الفاصلة لديه، يقول: «بعض أقاربي في العائلة الممتدة يستصعبون الحديث معي، ولكن بالنسبة لي، انتميتُ إلى مجتمع يرتكب أشياء مريعة بحق الفلسطينيين، وشعرتُ أن من واجبي أن أعترض، حتى لو جعلني هذا منبوذًا»، وهو ما حصل بالفعل واضطره بعدها للخروج من إسرائيل ليصير من أهم معارضيها عالميًا، فخلفيته الاجتماعية والدينية تُصعّب استخدام التهم الإسرائيلية المُكررة عادًة في مثل تلك المواقف ضده، فعائلته يهودية أوروبية بيضاء، لا يهودية عربية سمراء، وله أقارب كانوا من ضحايا الهولوكوست.

وهنا الفارق في السلوك السياسي بين بابيه وموريس، فالأول صار ناقدًا لإسرائيل بهدف حلّ القضية الفلسطينية بشكل عادل، وموريس وظّف معرفته ورؤاه السياسية لخدمة إسرائيل من الداخل ولتعزيز موقعها في الصراع، لا بحثًا عن حل دائم ومستدام للقضية.

ماذا يقول إيلان بابيه؟

بإيجاز، يرى بابيه أن الجماعات الصهيونية وقادتها، بما فيهم بن جوريون، لطالما أكّدوا على ضرورة أن تكون فلسطين بلا فلسطينيين، بأي وسيلة كانت، هذا التوجّه الواضح في الصهيونية أسّس لما يصفه بابيه بـ«وجود الإرادة الأيديولوجية» لارتكاب التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

ويقول بابيه إن وقوع المذابح والتطهير العرقي لا يحتاج لأمر عسكري مكتوب وموثّق، ولكن يتطلب وجود مناخٍ عام وقناعات سياسية، ونزع للإنسانية عن الضحايا حتى يسهل قتلهم، وهو ما يراه حاضرًا في الصهيونية وحتى اليوم في المجتمع الإسرائيلي.

تبدأ أحداث النكبة بالنسبة لبابيه من فبراير (شباط) 1947، بمحاولات إخراج الناس من قراهم حتى فبراير 1948، وحينها انتقلت العصابات الصهيونية إلى استراتيجية طرد الفلسطينيين بشكل ممنهج، وتقول الرواية الإسرائيلية الرسمية أنّه عرض على كل قرية خيارُ الاستسلام أو الطرد، ويرفضُ بابيه هذه الرواية ويسأل: لماذا إذًا طُردت القرى التي لم تُقاوم؟

/
غلاف كتاب «التطهير العرقي في فلسطين»، للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه

ويقولُ بابيه أن القيادة الصهيونية وضعت خطةً باسم «الخطة دي – Plan D» لتنفيذ عملية التهجير، وسبقها دراسةٌ شاملة للقرى والبلدات الفلسطينية، وقبل انطلاق الحملة الممنهجة على القرى هُجّر فلسطينيو المدن والحواضر الكبرى بحلول مايو 1948، باعتبار أن هذه المدن «عقلُ» الفلسطينيين كما وصفها بن جوريون، وقال إنّه سعى لتدمير بنيتها الاقتصادية بالكامل، بدءًا بتدمير القرى المُحيطة لها.

ذكرنا سابقًا أنّ إيلان بابيه يرى الصهيونية وإسرائيل مشروعَ استعمار استيطانيّ، يسعى لجلب أكبر عدد ممكن من فئة معينة إلى أرض محدّدة ليستقرّوا فيها، ويحاول بالتوازي طردَ أكبر قدر ممكن من الشعب المُقيم على هذه الأرض. وهنا يردُّ بابيه على بيني موريس، الذي يرى أن القيادة الصهيونية لم ترد قتل أو تهجير الفلسطينيين، واكتفت بالهجرة اليهودية للتغلب ديموغرافيًا على الفلسطينيين، ويؤكّد بابيه أن الحركة الصهيونية عملت بالطريقتين: طرد الفلسطينيين وتسريع الهجرة.

وصفُ الصهيونية بأنها حركةٌ «استعمارية» و«استيطانية» لم يكن مألوفًا ولا مقبولًا في المجال الأكاديمي الإسرائيلي والأمريكي، وكان لبابيه دورٌ مهمٌ في التنظير – بالأكاديميا الناطقة بالإنجليزية – لهذا الربط الذي ما زال غير مستساغٍ حتى اليوم في البيئات الجامعية الغربية.

صوتُ من شهدوا على النكبة

يُصرُّ إيلان بابيه على أهمية استخدام الشهادات الشفهية لمن عاشوا الأحداث، كوسيلةٍ للتوثيق والتأريخ لما حصل، وهو منهج علميّ وظّفه بابيه وطلابه من بعده في تأريخهم لأحداث النكبة، وتحديدًا لما حصل في قرية الطنطورية. ينفي موريس وقوع مذبحةٍ في قرية الطنطورية لعدم وجود أي وثيقة مكتوبة تؤكّد وقوعها، ويتندّر بابيه على موقف موريس مشيرًا إلى عدم قدرته على استعمال الشهادات الشفهية للفلسطينيين بالطبع لأنه لا يُتقن العربية، على عكس بابيه.

ولكن لماذا يُصر بابيه على استخدام التاريخ الشفهي؟ يرى بابيه أن الشهادات الشفهية هي الوسيلة الوحيدة للمضطهدين ليرووا ما حصل لهم، فكثيرٌ منهم لا يملك رفاهية كتابة وتوثيق ما حصل، وثانيًا يرى بابيه أن الإنسان الذي يشهد أحداثًا عنيفة أو شديدة التأثير عليه، مثل مشاهد الذبح والاغتصاب والقتل الجماعيّ، لا يمكن أن ينسى ما رأى بسهولة، حتى لو سجّلت شهادته بعد مرور أعوام طويلة، وأخيرًا يقولُ بابيه إنه لا يثق بأي وثيقة كتبها عسكريٌّ إسرائيلي، ويفضّل أن يصدّق الفلسطينيين على أن يُصدّق جنديًا إسرائيليًا، لأنه يستحيل لقاتل أو مُغتصب أن يسجّل في وثيقة رسمية ما فعله، وهذا لم يحدث في معظم المذابح بالعصر الحديث، بحسب بابيه.

ويتساءل بابيه: إن كانت الشهادات الشفهية بلا قيمة، فلماذا يُؤخذ بها في كل مكان في العالم، خاصةً في كندا، والولايات المتحدة، وأستراليا، حيثُ قتل أهل البلاد الأصليون وجُمعت شهاداتهم وقصصهم بعد مرور عقود وأحيانًا قرون. ولماذا يُؤخذ بالشهادات الشفهية للناجين من الهولوكوست وتُرفض شهادات النكبة؟

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 أسابيع
كيف تعلِّم أطفالك القضية الفلسطينية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد