من المعروف أن الصهيونية ومنذ نشأتها إلى اليوم لم تحظ بالإجماع الذي أريد لها عند يهود العالم، فظهرت فرق في أغلبها حريدية (متدينة) أو يسارية لا تكتفي برفض فكرة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين، بل وتلتزم منذ عشرات السنين ببذل الغالي والنفيس لدحض المشروع الصهيوني بكل امتداداته عبر العالم، كمنظمة “ناطوري كارطا” (حريدية)، “البوند” (عمالية/أوروبا الشرقية)، وحركة “يهود أوربيون من أجل سلام عادل” (يسارية دولية).

اليوم تقدم لكم “ساسة بوست” نوعا آخر من الشخصيات اليهودية التي تعارض الفكرة الصهيونية والتي تتميز عن سابقاتها بكونها نشأت وتكونت في الكيان الصهيوني، إضافة إلى إعتمادها على قراءة نقدية للرواية الإسرائيلية الرسمية لنشأة الحركة الصيهونية وللصراع مع العرب انطلاقا من مدرجات الجامعات الإسرائيلية.

المؤرخون الجدد .. مدرسة تقض مضاجع الفكرة الصهيونية

تعتبر مجموعة “المؤرخين الجدد” (بالعبرية : ההיסטוריונים החדשים / هاهيستريونيم ههدشيم) مدرسة فكرية إسرائيلية التكوين والاهتمام، تضم مجموعة كبيرة من الباحثين والمؤرخين ممن عملوا على إعادة قراءة التاريخ الصهيوني عامة والإسرائيلي خاصة بطريقة تدحض الروايات الرسمية للأحداث المرتبطة بنشأة الحركة الصهيونية إضافة إلى الأحداث التاريخية المرتبطة بتأسيس إسرائيل، لا سيما فيما يخص دور القوى الدولية، الصراع مع العرب، الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، ظروف عيش اليهود في أوروبا، الهجرة اليهودية، بل حتى فكرة الشعب اليهودي نفسه.

يعود أول ظهور علني للباحثين المصنفين في هذه المدرسة إلى نهاية الثمانينيات، نظرا لأن تلك السنوات عرفت فتح أرشيف عدد من القوى الدولية التي عرفت نشاطا صهيونيا قويا وكانت على ارتباط وثيق بتأسيس الكيان العبري، كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وإسرائيل نفسها.

ويتميز أغلب “المؤرخين الجدد”، بكونهم أكاديميين مرموقين، سواء بجامعات إسرائيلية أو بجامعات غربية مرموقة، وقد نشأ جلهم داخل بيئات صهيونية أو قريبة من المناخ العام في إسرائيل، ويتميز جلهم بكونهم اعتمدوا قراءة جديدة للتاريخ الصهيوني تختلف حد التناقض مع الروايات الرسمية سواء داخل إسرائيل أو في الأوساط الداعمة لها، لهذا فقد اعتبر ظهورهم في الساحة الأكاديمية الدولية كتحدٍ حقيقي لمدى مصداقية المشروع الصهيوني.

ما هي أبرز القضايا التي يتحدث عنها المؤرخون الجدد

تظل نشأة إسرائيل إضافة إلى فترة الانتداب البريطاني من المراحل الحاضرة بقوة في أعمال المؤرخين الجدد، لا سيما الجرائم والانتهاكات المقترفة في حق السكان الأصليين، إضافة إلى عنصرية الإيديولوجية الصهيونية، ناهيك عن الدراسة النقدية للنظريات والأطروحات التي قام عليها المشروع الصهيوني.

كفكرة الدولة اليهودية، معاداة العرب، معاداة السامية، اللغة العبرية الحديثة، الهجرة اليهودية، عنف العصابات الصهيونية، الاستيطان اليهودي، تأثير القوى الاستعمارية في مجريات الصراع، الهولوكوست، إضافة إلى السلوكيات التابعة في السياسات الإسرائيلية الموجهة للعرب الداخل أو الفلسطينيين أو حتى دول الجوار العربي.

من هم أبرز «المؤرخين الجدد» وما هي أعمالهم؟

تضم لائحة “المؤرخين الجدد” العشرات من الباحثين الإسرائيلين عبر العالم، إلا أنهم ونظرا لكون هذه التسمية إعلامية فإنه من الصعب حصر اللائحة، لذلك تكتفي “ساسة بوست” بذكر 4 من أبرز رواد هذه المدرسة الفكرية.

 

  • سيمحا فلابان / Simha FLAPPAN / שמחה פלפן

 

يعد المؤرخ الوحيد الذي لم يولد بعد تأسيس إسرائيل (ولد في بولونيا) وتوفي سنة 1987، رغم كونه كان يبرر أعماله بنقد القيادات الصهيونية وليس الفكرة الصهيونية، إلى أنه يعد أول المؤرخين الجدد، ذاع صيته عالميا لكتابين رئيسيين يعتبران اليوم أولى أعمال ما يسمى “المؤرخين الجدد”.

    • “الصهيونية والفلسطينيون”، 1979
    • “نشأة إسرائيل: الأساطير والحقائق”، 1987

 

  • بيني موريس / Benny MORRIS / בני מוריס

 

يعتبر بيني موريس (ولد في ضواحي حيفا سنة 1948) من أكثر الباحثين تأثيرا في مدرسة المؤرخين الجدد، وقد ركز جل أعماله حول الحقبة التي عقبت تأسيس الدولة، لا سيما مسألة الترانسفير وتهجير الفلسطينيين والهجرة اليهودية، من أعماله:

    • “بداية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين”، 1989
    • “1948 : قصة أول حرب إسرائيلية عربية”، 2008
    • “ضحايا، مراجعة للصراع العربي الإسرائلي”، 2003
    • “حرب إسرائيل السرية، تاريخ الأجهزة السرية الإسرائيلية”، 2000

وجدير بالذكر أن بيني موريس أخذ في السنوات القليلة الماضية في مراجعة مواقفه السابقة، حتى اعتبر أن القيادة الفلسطينية هي من تضيع فرص السلام مع الكيان الصهيوني، وقد عرف انقلابه في الموقف هجوما شديدا من مؤرخين آخرين من نفس المدرسة كباروخ كيمرلينغ في رسالته الشهيرة المعلنة في أواخر سنة 2004.

 

  • إيلان بابي / Ilan PAPPE / אילן פפה

 

يعتبر الكثير من المتابعين أن إيلان بابي هو الباحث الأكثر التزاما وعملا من أجل القضية الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي، وقد تعرض لضغوط إعلامية وسياسية قوية بداخل إسرائيل أجبرته على مغادرة البلاد في سنة 2008 للاستقرار في بريطانيا، هو مرشح سابق للكنيست عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ويعد وجها مألوفا للإعلام العربي إذ أنه ساهم بشكل فعال مع قناة الجزيرة الوثائقية في إعداد سلسلة “إسرائيل رؤية من الداخل، 2008″، تضم مؤلفاته:

    • “التطهير العرقي لفلسطين”، 2006
    • “أرض لشعبين، التاريخ الفلسطيني المعاصر”، 2000
    • “صناعة الصراع العربي الإسرائيلي”، 1992
    • “بيروقراطية الشر: تاريخ الإحتلال الإسرائيلي”، 2012
    • “ستنجح المقاطعة: وجهة نظر إسرائيلية، 2012 (صدر هذا الكتاب دعما لحملة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل عبر العالم)

 

  • آفي شلايم / Avi SHALAIM / אבי שליים

 

من أصل عراقي، وله التزام صحفي كونه ما زال يكتب أسبوعيا لصحيفتي الغارديان البريطانية وهآرتس الإسرائيلية، اختص بالحروب العربية الصهيونية وخاصة في سير القادة العرب (لا سيما الأسرة الهاشمية في الأردن)

و هو المؤرخ الإسرائيلي الجديد الوحيد الذي يكتب بالعربية إضافة إلى العبرية والإنجليزية، من إصداراته:

    • “سياسة التقسيم/أو/ التماهي في الأردن”، 1990
    • “الحرب والسلام في الشرق الأوسط”، 1995
    • “الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي”، 2001

و تجدر الإشارة إلى أنه من غير المنصف التطرق إلى موضوع المؤرخين الجدد دون ذكر:

شلومو ساند (مؤلف “كيف اخترع الشعب اليهودي” و”كيف لم أعد يهوديا”) وهو معارض شرس للصيهونية، توم سجيف (مؤلف “إسرائيل الأخرى: أصوات الرفض والانشقاق”)، باروخ كيميرلينغ (صاحب “إسرائيل بين تعدد الثقافات والحروب الثقافية”)، دون أن ننسى إيديث زرتال (مؤلف “الهلكوست الإسرائيلي وسياسة التوطين”).

كيف يتعامل القارئ العربي مع هذه الظاهرة؟

من الواضح أن المؤرخين الجدد ليسوا على قلب واحد وأن درجات ولائهم أو عدائهم للصهيونية تختلف كثيرا فيما بينهم، لذلك فقد اختلف مصيرهم في الداخل الإسرائيلي بين من يتعامل معه كباحث صرف ومن تعرضوا للتجريح والاتهام بالخيانة (لا سيما إيلان بابي وشلومو ساند).

لذلك فإن  ما خلقته هاته الظاهرة من مواجهات فكرية وإعلامية بإسرائيل لا يمكن إلا أن يدفع القارئ العربي إلى أن يطلع على أعمال هؤلاء الكتاب ليزيد من معرفته بالفكرة الصهيونية إضافة إلى عيوبها ونواقصها التاريخية، لا سيما أن هؤلاء الكتاب كانوا محظوظين بالتوفر على مصادر قد يصعب على المهتم في العالم العربي الوصول إليها بوسائله الخاصة، كل ذلك دون أن نغفل الجانب النقدي في التعامل مع هذه الأعمال واعتماد المقارنات

و الأهم من ذلك كله، أن يتذكر القارئ أنه هذه أعمال جاءت من قلب إسرائيل الأكاديمي، و أن معرفة العدو هي نصف الطريق لكسب المعركة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد