علاء الدين السيد

4

علاء الدين السيد

4

1,668

إذا كنت قد درست في أي وقت مضى العلوم الاجتماعية، فإنك على الأرجح ستكون قد سمعت باختبار يسمى «تجربة ملغرام – Milgram experiments»، وهي عبارة عن سلسلة مشينة من التجارب التي بدأت في عام 1961، وخلصت إلى أن معظم المتطوعين من شأنهم أن يلحقوا الضرر بشخص آخر إذا أمرهم شخص ذو سلطة القيام بذلك.

هذا الاختبار أصبح واحدًا من تجارب علم النفس الأكثر إثارة للجدل والأكثر شهرة في كل العصور. والآن، وبعد مرور أكثر من 50 عامًا، قام فريق من الباحثين في بولندا بتكرار نسخة حديثة من هذا الاختبار، ووجد أن النتائج ما زالت صحيحة.

تجارب ملغرام

وقال توماس جرزيب، من جامعة SWPS للعلوم الاجتماعية والإنسانية في بولندا، إنه عندما يعلم الناس بتجارب ملغرام، فإن الغالبية العظمى منهم يعلن أنه لن يقوم بهذا الأمر، إلحاق الضرر بشخص ما، فهم لا يتخيلون إمكانية القيام بهذا السلوك. وأضاف «أوضحت دراستنا – مرة أخرى – القوة الهائلة للموقف أو الوضع الذي يواجهه الشخص ويضطر للتعامل معه، وكيف أنه في مثل مواقف معينة يمكن لهذا الشخص بسهولة الموافقة على القيام بأمور يعتبرونها غير جيدة وغير محببة».

إذا لم تكن قد مرت عليك سابقًا تجارب ملغرام، فهي مجموعة من التجارب التي أجراها العالم النفسي في جامعة ييل، ستانلي ملغرام، والتي بدأت في يوليو (تموز) 1961، بعد ثلاثة أشهر من بدء محاكمة مجرم الحرب النازية الألمانية، أدولف إيخمان.

عبر هذه التجارب، أراد ملغرام أن يعرف: هل يمكن أن يكون إيخمان والملايين من المتواطئين معه في المحرقة اليهودية يقومون بأداء الأوامر فقط لا غير.

لاستكشاف هذه، أقام تجربة حيث طلب من المتطوعين – الذين كانوا تحت سلطة أحد القائمين على التجربة – القيام بصدمات كهربائية لشخص في غرفة مجاورة، الذي يمكنهم سماعه لكنهم لا يرونه، في كل مرة يقوم هذا الشخص بإطلاق جواب خاطيء على الأسئلة الموجهة له.

كان هناك 30 زرًّا مختلفًا يمكن لهذا الشخص الضغط عليها، كل منها يتسبب في انطلاق جهد كهربي معين. بقدر ما كان المشاركين على علم بهذه الأزرار، بدأت الصدمات الخفيفة بدرجة 15 فولت، لكن مع مرور الوقت قام المتطوعين بالوصول إلى درجات جهد كهربي خطيرة وصلت إلى 450 فولت، والتي كان قد جرى تحذيرهم مسبقًا من أنها ستلحق الضرر بشكل جدي على الشخص الخاضع للاستجواب.

ما لم يدركه المتطوعون هو أن الجهاز لم يفعل أي شيء عدا إنتاج عدد قليل من الأصوات المخيفة والتأثيرات الضوئية، والشخص في الغرفة الأخرى كان في الواقع ممثلًا محترفًا يقوم بأداء دور المستجوب، والذي جرى دفع الأموال له كي يقوم بالبكاء كما لو كان يعاني من الألم.

كل هذا لم يكن معروفًا بالنسبة للمتطوعين، الذين كانوا يعتقدون أنهم يضرون فعلًا شخصًا آخر، ولكن قيل لهم إنهم لا بد من الاستمرار في الأمر لأن الأمر – رغم بشاعته – في منتهى الأهمية بالنسبة للتجربة. بمعنى أن المتطوعين كانوا يعلمون أنها تجربة لكنهم كانوا يعتقدون أن ما يحدث فيها كله حقيقي.

وأوضحت تجارب ملغرام أن 65% من بين 40 متطوعًا، خضعوا للأوامر، ووصل بهم الأمر إلى الضغط على الزر الخاص بجهد 450 فولت، على الرغم من صرخات الألم التي كان يطلقها الشخص في الغرفة الأخرى مطالبًا إياهم بالتوقف. كما رفض البعض إتمام التجربة، وكثير منهم احتج لفظيًا ضد الاستمرار في التجربة، لكن الثلثين أطاعوا الأوامر وواصلوا التجربة.

تجربة جديدة

في السنوات التي تلت هذه التجربة، انتقد بعض الباحثين التجربة موضحين أن منهجية ملغرام كانت قذرة وكان هناك تلاعب في البيانات، ولكن تكررت أشكال مختلفة من الاختبارات في جميع أنحاء العالم منذ ذلك الحين، مع نتائج متسقة إلى حد ما.

لكن، كان هناك منطقة في العالم لم تكن قد أجرت هذه التجربة بعد، أوروبا الوسطى. وبالعودة إلى جرزيب، فقد ذكر أن هدفهم من التجربة الجديدة هو دراسة مدى ارتفاع مستوى الطاعة بين سكان بولندا. وأضاف «ينبغي التأكيد على أنه لم يجر أحد اختبارات مشابهة لنموذج ميلغرام في أوروبا الوسطى على الإطلاق. فالتاريخ الفريد لبلدان هذه المنطقة جعل من مسألة الطاعة تجاه السلطة أمرًا مثيرًا للاهتمام للغاية بالنسبة لنا».

في هذه النسخة الحديثة من التجربة، جمع الباحثون 80 مشاركًا (40 رجلًا و40 امرأة) تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا. وعلى غرار تجارب ملغرام، جرى تشجيع المتطوعين من قبل الفاحص للقيام بصدمات كهربائية لشخص في غرفة أخرى مع زيادة قوة الصدمة في كل مرة يجيب فيها المستجوب بإجابة خاطئة، وقيل للمشاركين أنه من المهم الاستمرار بغض النظر عن مدى زيادة قيمة الجهد.

ولكن في هذا الإصدار المحدث من التجربة، كان هناك فقط 10 أزرار مع قيم متدرجة ولكنها أقل من الأزرار الثلاثين التي كانت توجد في الدراسة الأصلية، في محاولة لجعل التجربة أكثر أخلاقية. وفي النهاية، وجد الباحثون أن 90% من المتطوعين أطاعوا الأوامر الخاصة بإلحاق أعلى مستوى من الصدمات المتاحة، وهذه النسبة مشابهة لنفس عدد المشاركين الذين ضغطوا على الزر رقم 10 في التجربة الأصلية.

وقال جرزيب «بعد نصف قرن من أبحاث ملغرام الأصلية المتعلقة بطاعة السلطة، فإن غالبية الناس لا تزال مستعدة لصعق شخص عاجز كهربائيًا إذا ما طلب منها».

التعميم

وقبل أن نصل لدرجة شديدة من الاكتئاب تجاه هذا الوضع البائس الذي وصلت إليه الإنسانية، فإنه يستحق الأخذ في الاعتبار أن حجم العينة المشاركة صغير جدًا – وكذلك العديد من التجارب الفردية التي أجراها ملغرام على مر السنين – لذلك من الصعب أن نستنتج الكثير فيما يتعلق بما تعنيه هذه النتائج بالنسبة للبشر بشكل عام.

في الواقع، كان الفريق البولندي على أمل القيام بالتوسع في الأبحاث الأولية لملغرام ومعرفة ما إذا كان هناك فرق بين الرجال والنساء، لكنه اعترف أن حجم العينة التي عمل عليها كان صغيرًا جدًا لاستخلاص هذه الاستنتاجات. وكتب الفريق في ورقته البحثية التي نشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي وعلم الشخصية، «نحن مضطرون أن نعترف بأننا لم نؤكد الفرضية القائلة بأن جنس الشخص الذي صدم الشخص العاجز بالكهرباء من شأنه أن يؤثر على مستوى الطاعة».

كما أنه كان هناك الكثير من الجدل في السنوات الأخيرة حول كيفية تفسير نتائج ملغرام بشكل عام على البشر. في عام 2014، ذهب فريق بحثي إلى أرشيف جامعة ييل، ووجد أنه بدلًا من شعور المشاركين بالأسى من التجارب، إلا إنهم كانوا يشعرون بشعور جيد في المشاركة في هذه المساهمة الهامة في العلم.

وأوضح أحد الباحثين، أليكس هاسلام من جامعة كوينزلاند، في ذلك الوقت، أن هذا يقدم رؤية جديدة في علم نفس الظلم وطبيعة الدوافع عمومًا الخاصة بالمجرمين، والتي يمكن ألا تكون رغبة منهم في فعل الشر، ولكن الشعور بأن ما يقومون به هو فعل قيم ونبيل.

تعليقات الفيسبوك