رغم أن خريطة الشرق الأوسط الرسمية لم تتغير منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي (باستثناء السودان)، إلا إن الحدود القديمة لا تعكس الواقع على الأرض، ونتيجة للاضطرابات الإقليمية، أصبحت الهويات القبلية والطائفية والعرقية أكثر وضوحًا من ذي قبل؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير في الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية قبل قرنٍ، وحافظ عليها الحكام العرب المستبدين منذ ذلك الحين، حيث كان الحكام العرب، ذوو القبضة الحديدية، يمثلون نوعا من الغراء الصناعي، يجمع طوائف مختلفة، وأحيانا معادية، في محاولة لتشكيل دولة قومية واحدة. لكن التغييرات التي حدثت بحكم الأمر الواقع في الشرق الأوسط الآن يمكن أن تسبب تحولات جيوسياسية بعيدة المدى تؤثر على تشكيلات التحالف، وحتى سوق الطاقة العالمي.

على سبيل المثال، تضم سوريا مجموعات اجتماعية مختلفة، وهي الآن منقسمة إلى ثلاثة كيانات سياسية على الأقل، لكل منها قواته المسلحة: (أ) ممر من الجنوب، عبر دمشق وحمص وحماة، إلى الساحل الشمالي للبحر الأبض المتوسط، يسيطر عليه نظام الأسد والعلويين، (ب) المناطق الشمالية من البلاد، والمدن الكبرى مثل إدلب ودير الزور، تسيطر عليها قوات المعارضة السنية المختلفة، بجانب معركة على المدن الأخرى- بما في ذلك حلب ودمشق- لم تحسم بعد، (ج) في المناطق الواقعة تحت السيطرة الكردية؛ تنقسم قوى المعارضة السنية بين أولئك الذين ينادون بإنشاء دولة ليبرالية ديمقراطية في سوريا، والراغبون في تأسيس إمارة إسلامية. العديد من هذه المجموعات، بما في ذلك عناصر من خارج سوريا، منخرطون بالفعل في صراع عنيف.

ومن المرجح أن يحاول الأكراد في سوريا تأسيس كيان سياسي مستقل في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. وعلى عكس الأقليات الأخرى في سوريا، عانى الأكراد (البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين، ويسيطرون على معظم احتياطيات النفط في سوريا) كثيرًا من الاضطهاد. واستغلت المليشيات الكردية الفوضى في البلاد وسيطروا على مناطق في الشمال الشرقي تركها الجيش السوري، وأعلن مسئولون أكراد كبار أن الأكراد يرغبون في إنشاء منطقة مستقلة، ووقع المجلس الوطني الكردي – وهو هيئة تمثيلية تتألف من معظم الأحزاب السياسية الكردية – اتفاقًا مع المجلس الوطني السوري، سوف يتمتع الأكراد بموجبه بنوع من الحكم الذاتي في الدولة السورية الموحدة مستقبلاً، لكن حتى تتوحد سوريا مرة أخرى، قد يكون الحكم الذاتي الكردي أمرًا واقعًا. في الوقت ذاته، توارت هذه الإمكانيات خلف الانقسامات بين المنظمات الكردية، التي يدعم بعضها عناصر من خارج سوريا.

ويرتكز نموذج الحكم الذاتي الكردي المستقل المحتمل في سوريا على نموذج الحكم الذاتي الكردي الناجح على الجانب الآخر من الحدود، في العراق. وفي حين يواصل الأكراد في العراق القيام بدور نشط في العملية السياسية بالبلاد، تتمتع كردستان بحكم ذاتي في كل جوانب الحياة تقريبًا؛ يدير المنطقة برلمان مستقل، والقوات المسلحة الكردية منفصلة عن المؤسسة الأمنية في العراق، وأثار استياء بغداد في الأشهر الأخيرة أن بدأت كردستان توقيع عقود مستقلة لاكتشاف وإنتاج النفط والغاز مع شركات الطاقة الأجنبية. وتتمتع المنطقة الكردية بأعلى مناطق الأمن والنمو الاقتصادي في العراق، وتدعم الأكراد السوريين بالتدريب والسلاح.

كما تعاني أجزاء أخرى في العراق من عدم اليقين، فمنذ انسحاب القوات الأمريكية ازداد الصراع الطائفي العنيف. وتجلى الإحباط المستمر لدى أهل السنة – الذين أبعدوا عن قيادة البلاد – في الهجمات القاتلة التي شهدتها مدن عراقية بوتيرة وحِدَّة لم تشهدهما البلاد منذ 2008، وزادت العناصر الإسلامية – من سوريا والعراق التي التحقت بالقوات – من خطر الحرب الأهلية المدمرة، ولا تزال القومية العراقية مهيمنة في العراق، بينما الحركات الانفصالية الرئيسية ليست سائدة، لكن فكرة وجود كيان فيدرالي لاقت قبولاً في السنوات الأخيرة. في الواقع، يسمح الدستور العراقي للمحافظات بقدر معين من الحكم الذاتي. وفي وقت مبكر من العام 2011، قررت أربع محافظات سنية بدء عملية من شأنها أن تتوج استقلاليتها رغم معارضة بغداد، وفي السنوات الأخيرة، دعا الكثير من السياسيين السنة والشيعة للانفصال عن الدولة العراقية، على غرار النموذج الكردي. ويمكن لاستمرار العنف الطائفي أن يؤدي إلى تقسيم العراق، وفي نهاية المطاف إلى تفكك الدولة العراقية، ما يؤدي إلى دولة سنية بحكم الأمر الواقع، مع تحول جنوب العراق إلى دولة شيعية تحت رعاية إيرانية.

ليبيا أيضًا تتفكك. كانت الانتفاضة الليبية تستهدف في المقام الأول نظام القذافي، لكنها أيضًا عكست رغبة بنغازي في إنهاء هيمنة الحكومة المركزية في طرابلس. تاريخيًّا، تشمل حدود الدولة الليبية ثلاث مجموعات عرقية مختلفة في ثلاث مناطق متمايزة: طرابلس في شمال البلاد، برقة في الشرق، التي ترى بنغازي عاصمة لها، وتعد موطنًا لمعظم احتياطيات البلاد من النفط، وفزان في الجنوب الغربي. وتشعر برقة، بما يشبه الوضع أيام القذافي، أن الحكومة الحالية في طرابلس تكنز معظم دخل صادرات النفط، رغم أن 80% من موارد الطاقة في البلاد تقع في الشرق. في الواقع، بدأت برقة بالفعل انفصالها عن الدولة الليبية والحفاظ على برلمان مستقل، وأعلنت في يونيو هذا العام استقلالها، وأغلقت برقة أيضًا النشاط في حقول النفط ومطار بنغازي للاحتجاج على سياسة الحكومة؛ واستولت المليشيات المسلحة – التي تعوق العمليات – موانئ ليبيا الثلاثة الهامة، وسيطر مقاتلو المليشيات على العديد من مجمعات النفط والغاز، وفي أكتوبر، عينت برقة قائدًا عامًّا لقواتها الدفاعية التي يبلغ قوامها 20 ألفًا، وستكون مهمتها استعادة النظام إلى المنطقة التي تعاني من عدم استقرار شديد.

من جانبها، تشمل فزان العديد من الهويات القبلية والجغرافية المختلفة. وقد أعلنت المنطقة، ذات الثقافة والقبائل والهوية الساحلية أكثر من شمال إفريقيا، استقلالها في سبتمبر. ولم تعترف الحكومة المركزية في طرابلس بالحكم الذاتي للمناطق المختلفة لكنها تفتقر إلى القوة لفرض سيادتها.

الدول الأخرى التي تفتقر إلى هوية متماسكة عرضة للمثل. في مارس 2013، شرعت اليمن في حوار وطني من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن نظام سياسي جديد، لكن الممارسة العملية لا تسمح لصنعاء باستعادة السيطرة الكاملة على جميع أجزاء الدولة، وبالتالي تتحدث الأفكار الحالية عن كوكبة اتحادية. البعض في جنوب اليمن يصر على قطع العلاقات تمامًا مع الدولة اليمنية؛ وفي الواقع يمثل الوضع في الجنوب العقبة الأكبر أمام نجاح الحوار الوطني، وفي الشمال، استولى الحوثيون – وهي جماعة شيعية متمردة – على محافظة صعدة على الحدود السعودية، وتعمل على توسيع نطاق سيطرتها على المحافظات المجاورة في الوقت الذي تقاتل السلفيين السنة من اليمن والخارج، ولا تزال قوات الأمن اليمنية تقاتل تنظيم القاعدة للسيطرة على أجزاء من الجنوب. وحتى لو نجح الحوار الوطني، وشرعت اليمن في مسار جديد كدولة موحدة أو اتحادية، لا تزال هناك جيوب خارجة عن سيطرة صنعاء الفعالة.

يمثل تفكك الدول على الأقل تدهورًا مؤقتًا في الوضع الإستراتيجي لإسرائيل؛ فالإرهاب والجريمة واللاجئين وانتشار السلاح ليست سوى بعض الآثاء المترتبة على فشل الدول المحيطة بإسرائيل، لكن التغيير أيضًا يعني حل الجيوش النظامية التي شكلت تهديدًا في الماضي، وفرصًا في الحاضر لإسرائيل لبناء علاقات مع أقليات مختلفة مع احتمالية الاستيلاء على مقاليد الحكم في المستقبل.

حدثت التغييرات حتى اليوم داخل الحدود القائمة، لكن هذا قد لا يدوم. فالدول معرضة للتفكك عبر مراحل فيدرالية، أو انفصال متفق عليه، أو حكم ذاتي. وقد تنشأ كيانات سياسية مستقلة غير معترف بها لا على الصعيد الدولي ولا من قبل الحكومة المركزية. هناك أيضًا عناصر قادرة على منع تفكك الدول، على سبيل المثال: المساعدة من دول خارجية مهتمة بالاستقرار، كما هو الحال في اليمن، أو لديها مصلحة مشتركة، مثل مصادر الطاقة النفطية في العراق، وبشكل عام، يعارض المجتمع الدولي أي تغييرات في الحدود وتفكك الدول؛ معتبرين أن أي تغيير في الوضع الراهن من شأنه زعزعة الاستقرار في المنطقة، وحتى العالم. ومع ذلك، في سياق الاضطرابات الإقليمية، تبحث الشعوب العربية عن حرية العيش في بيئات سياسية تتناسب مع هويتهم.

 


عرض التعليقات
تحميل المزيد