مصادم الهدرونات الكبير قد يكون على أبواب اكتشاف جسيمات جديدة قد تقلب فهمنا للفيزياء رأسًا على عقب، فالملاحظات التي وصلت للعلماء في مركز سيرن سابقًا يمكن أن تقود إلى اكتشافات لوجود جسيمات جديدة بالفعل عندما يقوم العلماء بإعادة تشغيل المصادم مرة أخرى.

مصادم الهدرونات الكبير، قد يكون على أبواب اكتشاف جسيمات جديدة قد تقلب فهمنا للفيزياء رأسًا على عقب، فالملاحظات التي وصلت للعلماء في مركز سيرن سابقًا يمكن أن تقود إلى اكتشافات لوجود جسيمات جديدة بالفعل عندما يقوم العلماء بإعادة تشغيل المصادم مرة أخرى.

ورغم أن بعض العلماء يحذرون من عدم الاندفاع وراء التأكيد على وجود الجسيمات الجديدة، لأنه قد تكون الآثار التي ظهرت على شاشات المراقبة تمثل ومضات ناجمة عن خطأ ما، إلا أن الاكتشاف في حالة تأكيده سيمثل تغييرًا كبيرًا في علم الفيزياء.

الاكتشاف المحتمل

مصادم الهدرونات يستعد للعمل مرة أخرى على تجارب هامة قد تمنحنا أملًا جديدًا فيما يعتقد بأنه أكبر اكتشاف فيزيائي، بعد اكتشافه السابق لجسيمات «بوزون هيغز» قبل أربع سنوات. الآلة الأكبر من نوعها في العالم كله ستعود للعمل من جديد لكن بطاقة وقدرات أكبر مما سبق، وهو ما يجعلها قادرة على العثور على جسيمات كانت قد ظهرت تلميحات سابقة على إمكانية وجودها.

وإذا ما وجدت هذه الجسيمات بالفعل فإنها يمكن أن تؤدي إلى إعادة كتابة بعضٍ من أكثر الأجزاء أساسية في علم الفيزياء. فالنموذج الأساسي للفيزياء الذي يفسر لنا كيفية بناء الكون، يوجد به بعض الفجوات الهامة المتعلقة بالمادة المظلمة وإمكانية وجود أبعاد أخرى غير الأبعاد الأربعة المعروفة. هذه الفجوات يمكن أن تمتلئ بمعرفة جديدة من خلال الاكتشافات المنتظرة هذه.

وعندما يعود المصادم للعمل من جديد، فإن العلماء يتطلعون لاكتشاف العلامات الباهتة التي تدل على وجود جسيمات جديدة والتي ظهرت لهم أثناء تشغيل المصادم في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2015. فمنذ ذلك الحين، أخذ العلماء وبمنتهى القوة يضعون نظرياتهم عن معنى هذه العلامات وما قد تؤدي له من وجود جسيمات صغيرة، وفي ذات الوقت حذر علماء آخرون من أنه لن يمكن التوصل إلى شيء حقيقي إلا بعد القيام بمزيد من العمل والتجارب، وبالتالي فيفضل عدم الانجرار وراء الاستنتاجات والنظريات.

وقد ذكر عالم الفيزياء النظرية تشابا تشاكي، في تصريحاته لصحيفة الإندبندنت البريطانية، أن هذه العلامات هي إشارة لاكتشاف جديد محتمل. وأضاف أنه لو كان الاكتشاف صحيحًا بالفعل، فإنه من المحتمل أن يكون الشيء «الأكثر إثارة الذي رأيته في فيزياء الجسيمات خلال مسيرتي كلها، أكثر إثارة من اكتشاف بوزون هيغز نفسه»، على حد وصفه.

مصادم الهدرونات الكبير

عودة العمل

بعد انتهاء فترة الإجازة الشتوية، أعيد افتتاح المركز من جديد يوم 25 مارس (آذار) 2016، من أجل التحضير لإعادة تشغيل المصادم أوائل الشهر الجاري. بدأ العلماء في مركز سيرن (وهو المركز الذي يحتوي على المصادم العملاق)، بدؤوا بإجراءات السلامة والأمان وعمليات تنظيف الأنبوب الضخم، قبل أن يشرعوا في ضرب حزم كبيرة من الجزيئات على أمل الحصول على بيانات كافية لتوضيح اللغز؛ هل هناك جسيمات جديدة بالفعل.

ولا يتوقع العلماء الحصول على إجابات قاطعة خلال الأسابيع القليلة القادمة، فالأمر يحتاج إلى وقت أطول من ذلك، قد يصل إلى شهر أغسطس (آب) القادم حين يقام مؤتمر الفيزيائيين في مدينة شيكاغو الأمريكية.

يذكر أن يوم الجمعة الماضي شهد المصادم حادثة طريفة عندما قام حيوان ابن عرس بغزو المصادم والتسبب في تعليق أي أعمال روتينية به، الحيوان غزا تحديدًا المحولات التي تساعد على مد المصادم بالطاقة وتسبب في قطع الكهرباء عنه. وقال المسؤولون عن مركز سيرن إنه كان واحدًا من عدد قليل من الأخطاء الصغيرة والذي سيتسبب في تأخير عودة المصادم – الذي تبلغ تكلفته 4.4 مليار دولار – إلى العمل بضعة أيام.

بوزون هيغز

هو جسيم أولي يعتقد أنه مسؤول عن اكتساب المادة كتلتها. وقد رُصِدت أولى الإشارات لوجود هذه الجسيمات عمليًا في مصادم الهدرونات الكبير عام 2011، وقام مركز سيرن بالإعلان عن الاكتشاف رسميًا في الرابع من يوليو (تموز) 2012 بنسبة تأكد بلغت 99.999%.

وكان العالم الفيزيائي الإسكتلندي بيتر هيغز، قد تنبأ بوجود هذا الجسيم في إطار ما يعرف بالنموذج الفيزيائي القياسي الذي يفترض أن القوى الأساسية في الكون قد انفصلت عن الانفجار العظيم، وكانت الجاذبية هي أول ما انفصل ثم تبعتها القوى الثلاث الأخرى، الكهرومغناطيسية والنووية الصغرى والنووية الكبرى.

وطبقًا لهذه النظرية، فجسيم بوزون هيغز هو جسيم أولي افتراضي ثقيل نسبيًا، أثقل من البروتون بمقدار من 115 إلى 155 مرة. هذا الجسيم مسؤول عن طريق ما ينتجه من مجال يسمى مجال هيغز عن حصول الجسيمات الأولية على كتلتها.

في مصادم الهدرونات عام 2011، صُوّب شعاعان من البروتونات نحو بعضهما البعض، كل منهما يسير بسرعة فائقة تقترب من سرعة الضوء. أدى هذا إلى تصادم البروتونات ببعضها البعض لتنشأ ظروف مشابهة لظروف الانفجار العظيم لكن على مستوى مصغر. الغرض من التجربة كان تمثيل ظروف اللحظة الزمنية التالية للانفجار العظيم والتي تقدر بجزء من عشرة مرفوعة للأس رقم 35 من الثانية التالية مباشرةً لحدوث الانفجار العظيم.

هذه هي اللحظة التي يعتقد العلماء أن بوزونات هيغز قد تكونت خلالها، ليتم تأكيد وجود هذه الجسيمات بالفعل وهو ما تسبب في تغيير الفيزياء للأبد. وجسيم هيغز ليس له شحنة وعزمه المغزلي يساوي صفرًا، وتتراوح كتلته ما بين 124 إلى 126 جيجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، طبقًا لمعادلة أينشتاين عن تكافؤ المادة والطاقة.

صورة تخيلية لمجال هيغز

مصادم الهدرونات

في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تمكن هذا المصادم من تحديد واكتشاف عدد فوتونات (الجزيئات التي يتكون منها أي ضوء في العالم) أكثر مما كان متوقعًا نتيجة لعملية تحطيم بعض الجزيئات. فالومضات الصغيرة جدًا للضوء التي ظهرت على أجهزة الرصد أثناء التجربة أثارت استغراب علماء المركز بسبب عددها الأكبر من المتوقع.

فقد كشف الباحثون المسؤولون عن جهازي الكشف والرصد الرئيسيين الخاصين بمصادم الهدرونات العملاق، وهما (Atlas and CMS)، أن كلا الجهازين رصدا ومضات صغيرة زائدة في البيانات الخاصة بهما. وفي المصادم تجري عملية تصادم بين ذرتي هيدروجين بسرعة 99,9999991% من سرعة الضوء، ونتيجة للطاقة الهائلة لهذه السرعة تنشأ جسيمات متناهية الصغر يتم الكشف عنها عبر أجهزة الرصد.

وأشار الباحثون إلى أن اصطدام البروتونات ببعضها البعض قد أسفر عن نشأة فوتونات أعلى قليلًا في مستوى الطاقة من التوقعات النظرية للعلماء قبل إجراء التجربة. وعلى الرغم من أن مثل هذه الحالات الشاذة تحدث كثيرًا وتشير لأخطاء معينة في الرصد، إلا أن الذي فاجأ العلماء هو أن كلا فريقي الرصد على كلا الجهازين يعملان بشكل مستقل ومنفصل، لكنهما مع هذا حصلا على هذه الومضات الزائدة في نفس المواضع.

وقد كشف كلا الفريقين أنهما حصلا على جسيمات جديدة أضخم 15 مرة من حجم ذرة الحديد. وهو ما يشير إلى أن الجسيم الجديد قد نشأ بشكل مفاجئ ثم اختفى على الفور، متسببًا في انطلاق دفعة من الضوء كما لو كانت سكرة الموت الخاصة به، وهي تلك التي تمكن العلماء من التقاطها.

وقد تساءل عدد من العلماء عما إذا كانت هذه الجسيمات الجديدة هي جسيمات «غرافيتون»، وهي الجسيمات التي يعتقد العلماء أنها مسؤولة عن نقل الجاذبية. والغرافيتون هو جسيم أولي افتراضي مسؤول عن نقل الجاذبية كما تفترض نظرية الحقل الكمي، وإذا ما كان موجودًا فمن المتوقع أن يكون عديم الكتلة وذلك لأنه من المفترض أن قوى الجاذبية هي قوى لا نهائية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد