هل يغير أغلب البشر الهواتف الذكية كل عام أم عامين أم عندما يتلف الهاتف أو لا يعمل بكفاءة؟ الإجابة عن هذا السؤال أخطر مما نتوقع، وهي لا تتعلق بتحكمنا في أنفسنا، وعدم سيطرة دعاية الشركات الكبرى على أدمغتنا، الأمر يتعلق حرفيًا بعملية قتل بطيئة وقاسية للكوكب الذي نحيا عليه، كوكب الأرض.

هذه ليست مبالغة أو محاولة للتأثير عليك لهدف ما، فقد قال باحثون كنديون إن الممارسة الشائعة المتعلقة بشراء الهواتف الذكية الجديدة كل عامين، «تؤثر سلبًا في كوكب الأرض، وتهدد بتقويض الجهود المبذولة للحد من انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري».

دراسة علمية غير متوقعة

في ورقة بحثية نشرت في وقت سابق من العام الماضي، خلص الأستاذ المشارك في جامعة «ماكماستر» لطفي بلخير، إلى جانب الخريج الجديد من كلية الهندسة أحمد المليجي، إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمي -بما في ذلك الأجهزة الاستهلاكية- هي بالفعل في وسط عملية انفجار سريع لـ«بصمة الكربون».

و«بصمة الكربون» تعرف تاريخيًا بأنها إجمالي الانبعاثات الناتجة عن فرد أو حدث أو منظمة أو منتج، معبرًا عنه كمكافئ لغاز ثاني أكسيد الكربون.

وفي معظم الحالات، لا يمكن حساب إجمالي البصمة الكربونية بالضبط، بسبب عدم كفاية المعرفة والبيانات حول التفاعلات المعقدة بين العمليات المساهمة، بما في ذلك تأثير العمليات الطبيعية التي تخزن أو تطلق ثاني أكسيد الكربون. ولهذا السبب، اقترح علماء تعريف البصمة الكربونية على أنها مقياس للكمية الكلية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2) والميثان (CH4) لمجموعة من السكان أو نظام معين أو نشاط محدد، مع الأخذ في الاعتبار جميع المصادر ذات الصلة ضمن الحدود المكانية والزمنية للسكان أو النظام أو النشاط موضع الاهتمام.

وفي حين أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمي بأكمله استأثر بنسبة 1 إلى 1.6% فقط من انبعاثات الكربون العالمية عام 2007، إلا أنه بحلول عام 2040، سيشكل 14% من إجمالي الانبعاثات، حسب ما توقع الباحثون. وهذا يعادل نصف انبعاثات قطاع النقل على سبيل المثال.

وكتب الباحثون في بحثهم الذي نشرته «دورية الإنتاج النظيف»(Journal of Cleaner Production): «إنه مستوى غير مقبول بشكل واضح لأنه سيقوض بالتأكيد أي تخفيضات تتحقق من مصادر انبعاثات الغازات الدفيئة الأخرى».

منتجات «آبل» الجديدة.. أبرز مميزاتها وساعات العمل التي تحتاج لشرائها

كيف تسبب الهواتف الذكية هذا الضرر؟

ويتوقع الباحثون أن تكون مراكز البيانات وشبكات الاتصالات أكبر المساهمين في البصمة الكربونية للتكنولوجيا، لكن الهواتف الذكية ستكون الأكثر إحداثًا للضرر فيما يتعلق بجميع أجهزة الاتصالات الأخرى.

وسيصل عدد الهواتف الذكية في العالم إلى 8.7 مليار جهاز بحلول عام 2040، أي ما يعادل 95% من إجمالي سكان العالم في ذلك الوقت. وتجدر الإشارة إلى أن الأبحاث الأخرى تُظهر أن ربع مستخدمي الهواتف الذكية لديهم أكثر من هاتف واحد، وأن هذه النسبة ترتفع.

Embed from Getty Images

سيصل عدد الهواتف الذكية عام 2040 إلى 8.7 مليار

على مدار عمر الهاتف، فإن 85% من انبعاثات الكربون التي يسببها، ستحدث قبل أن يشتري المستهلك المنتج أصلًا، كما وجد الباحثون. وهذا هو السبب في أن عادة شراء هاتف ذكي جديد كل عامين، وهي عادة أنشئت من قبل مزودي خدمات الاتصالات وعقودهم لمدة عامين التي تأتي مع الهواتف المدعومة، تدمر البيئة.

شركات الاتصالات وانبعاثات «الغازات الدفيئة»

وكتب الباحث الرئيسي للدراسة لطفي بلخير، قائلًا إنه: «من الواضح أن هذا النموذج التجاري، في حين أنه مربح جدًا لمصنعي الهواتف الذكية وشركات الاتصالات، إلا إنه غير قابل للاستمرار لأنه يضر كثيرًا ويؤثر سلبًا في الجهود العالمية لتخفيض انبعاثات «الغازات الدفيئة».

ويقصد بـالغازات الدفيئة أو غازات الاحتباس الحراري؛ تلك الغازات التي تمتص وتطلق طاقة مشعة ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء الحرارية، وتسبب «غازات الاحتباس الحراري» ظاهرة الاحتباس الحراري. والغازات الدفيئة الرئيسية في الغلاف الجوي للأرض هي بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز والأوزون. وبدون الغازات الدفيئة، سيكون متوسط درجة حرارة سطح الأرض حوالي −18 درجة مئوية، بدلًا من المتوسط الحالي البالغ 15 درجة مئوية.

شركات الاتصالات تدفعنا لشراء هواتف جديدة بانتظام

وفي حوار عبر الهاتف مع موقع «هافنغتون بوست كندا»، قال بلخير إنه يشتبه في أن مصنعي الهواتف قد يعمدون إلى إبطاء طرازاتها القديمة لإقناع المستهلكين بشراء منتجات جديدة. وأضاف «لديك الكثير من الناس يقولون إنهم قاموا بترقية هاتفهم لأنه أصبح بطيئًا للغاية».

Embed from Getty Images

شراء الهواتف كل عامين يضر الكوكب

وأوضح أننا لا نسمع الأشخاص الذين يستخدمون الأجهزة اللوحية يقولون نفس الشيء عن بطء أجهزتهم «مع أنها لا تزال تستخدم أحدث البرامج»، ومع أن الأجهزة اللوحية هي تكنولوجيا مشابهة جدًا للهواتف الذكية، إلا أن الباحثين في جامعة «ماكماستر»، وجدوا أن الأجهزة اللوحية لها عمر افتراضي يبلغ سبع سنوات، مقارنةً بـ 1.8 عامًا فقط للهواتف الذكية.

وقال بلخير «هذا يثبت حقا أن التكنولوجيا جيدة، إنه نموذج العمل الربحي الذي يقود عملية التغيير والتحديث المستمر للهواتف».

«أبل» تعترف بإبطاء الهواتف

من جانبها اعترفت شركة «أبل» في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أن برنامج التشغيل «iOS» الخاص بها يعمل على إبطاء أداء أجهزة الأيفون القديمة. وبررت الشركة ذلك الأمر بأن نظام «iOS» يفعل ذلك؛ لمواجهة المشاكل الموجودة في بطاريات أيونات الليثيوم القديمة. فعندما يكبر عمر البطارية، لا تحتفظ بالشحن، ويمكن أن يتوقف الهاتف عن العمل بشكل غير متوقع إذا وضع تحت ضغوط شديدة. وبالتالي يمنع نظام التشغيل حدوث ذلك عن طريق إبطاء الأداء.

من قال إن العبودية انتهت؟ عمال «أبل» ينتحرون ليصلك الـ«آيفون» الأنيق!

وتسبب اعتراف «أبل» بموجة غضب على شبكة الإنترنت وأثار الكثير من الأسئلة. إذ لطالما اعتقد الناس أن الشركة تعيق الأجهزة القديمة لتوجيه العملاء لشراء أجهزة جديدة وهو ما نفته شركة «آبل». لكن الشركة طالتها انتقادات لاذعة بشدة بسبب افتقارها للشفافية حول سياسات البطارية.

هذه الضجة حدثت بسبب تقرير أصدرته شركة «برايمات لابس» في 18 ديسمبر 2017 حول فحص شكوى شائعة بين المستخدمين، مفادها: «يبدو أن أجهزة أيفون تعمل ببطء أكثر عندما ينزل طراز جديد للأسواق».

إذا كانت المشكلة من الشركات.. فهل هناك طرق للمساهمة؟

نعود إلى بلخير، وحواره مع موقع «هافنغتون بوست كندا»، فقد ذكر أنه في الوضع المثالي، ينبغي تمديد عمر الهواتف الذكية إلى أربع سنوات أو أكثر. بالطبع هذه الفكرة قد تواجه مقاومة قوية من مصنعي الهواتف الذين يعتمدون على تسريع تقادم الهواتف السابقة لجذب المستهلكين نحو شراء الهواتف الجديدة. هنا ربما عليك أن تستخدم هاتفك لأطول فترة ممكنة قدر الإمكان، وألا تسقط في مصيدة العامين التي تخدعنا بها شركات الاتصالات.

النصيحة الثانية التي يقدمها بلخير كانت أنه من المهم أن يتأكد الناس من إعادة تدوير هواتفهم، وألا يرموها فقط. تلك الهواتف تحتوي على كميات كبيرة من المعادن الثمينة (بما في ذلك 0.03 جرام من الذهب، وهي كمية أكبر 10 أضعاف من تلك الموجودة في حاسوبك الشخصي أو اللابتوب). إعادة تدوير هذه المواد يعني ضررًا أقل للبيئة، نتيجة التقليل من عمليات تعدين المعادن النادرة الضارة جدًا للبيئة. وقال بلخير إن الصناعة يجب أن تهدف إلى «التصنيع الدوري»، لننجح في استعادة جميع العناصر في الهاتف الذكي وإعادة استخدامها في الهواتف الجديدة. هذا من شأنه أن يوفر الكثير من المال للمصنعين ويكون له تأثير بيئي إيجابي كبير.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد