بيبي جريلو، كان مدونًا إيطاليًّا، بالحد الأدنى من النشاط السياسي وبعض أدوات الإنترنت، كسب 25% من الأصوات في الانتخابات الإيطالية الأخيرة. موقع إير بي إن بي، في سنوات قليلة دمر صناعة الفنادق تمامًا دون أن يمتلك مترًا مربعًا واحدًا، وذلك بإيصاله الأشخاص الذين يسافرون لمكان ويرغبون في مكان للنوم بأشخاص يمتلكون مساحة في منزلهم. كيك ستارتر، شخص استطاع جمع أكثر من مليار دولار من خلال 5 ملايين متبرع علي الانترنت.

وعلى ذلك ووفق الأمثلة السابقة ووفق تعريف السلطة عند برتراند راسل بأنها “القدرة على إنتاج تأثيرات متعمدة” فإن تلك النماذج تعد سلطة، سلطة تختلف في شكلها وتكوينها عن أي سلطة قديمة.

ولتوضيح معنى السلطة الجديدة يجب أولاً أن نفهم معنى السلطة القديمة، ولنجعل “المال” هو مثلنا عن السلطة القديمة، حيث يحتكر المال فئات قليلة، ويحرسه الكثيرون، ولدى أصحابها مخازن قوية ومتينة للحفاظ عليه، وينفقونه بحرص، لذلك فسلطة المال سلطة منغلقة، ولا يمكن الوصول إليها، وتدار بواسطة صاحبه فقط.

أما السلطة الجديدة فيصنعها الكثيرون، فهي مفتوحة وتشاركية ويمكن أن يديرها ندّان، ويمكن توزيعها مثل الماء والكهرباء، بل تصبح أقوى كلما تدفقت واندفعت، وعلى العكس تهدف هذه السلطة الجديدة إلى التمرير وليس الاحتكار.


 

ولذلك فإن المعركة والتوازن بين السلطة القديمة والجديدة ستكون السمة المميزة للمجتمع والتجارة في السنوات القليلة القادمة. ويستعرض هذا التقرير مفهوم التغيرات التي تحدث في سوق العمل، وكيف للسلطة أن تتغير أو تتبدل، ونحاول الإجابة عن أسئلة مثل: من يملك السلطة؟ وكيف تتوزع؟ وأين تتجه؟

 

نماذج السلطة الجديدة

وسواء السلطة القديمة أو الجديدة فإنهما ينتجان تأثيرات لكن بشكل مختلف، حيث تعتمد نماذج السلطة الجديدة بشكل أساسي على “التشاركية”، في حين تعتمد نماذج السلطة القديمة على ما يملكه فئات من الناس أو ما تملكه بعض المؤسسات، وبمجرد أن تفقد تلك النماذج سمة الاحتكار فإنها بذلك تفقد ما يميزها.

كما تطلب أشكال السلطة القديمة من الناس “الاستهلاك” بشكل أساسي، مثل طلب المجلة اشتراك القراء للحصول على المعلومات، أو توجيه المصانع للناس لشراء منتجاتهم، في حين تذهب نماذج السلطة الجديدة إلى أبعد من الاستهلاك، مثل المشاركة: أخذ منتجات الغير ومشاركتها مع الناس بغرض المناقشة والتحليل، والتشكيل: إضافة بعض المميزات الجديدة على منتج موجود بالفعل، والتمويل: دعم إنتاج ما بالمال في مقابل مميزات، والإنتاج: إنشاء عناصر أو توصيل منتجات وخدمات وتسويقها داخل مجتمعات إلكترونية مثلما تفعل شركة يوتيوب، وإتسي، وإير بي إن بي، وأخيرًا المشاركة في التملك: كما هو موجود في نماذج مثل موسوعة ويكيبيديا حيث يستطيع كل شخص المشاركة بمعلوماته لتكون باسمه.

 

المشاركة والتشكيل


يعتبر فيسبوك هو المثال التقليدي في نماذج السلطة الجديدة التي تطبق المشاركة والتشكيل، حيث يتشارك 500 مليون شخص في تشكيل وإعادة نشر 300 مليار عنصر شهريًّا، وتستغل بعض الكيانات التجارية ميزة التشاركية لتقوية اسم منتجاتها، مثل شركة نايك التي بادرت بجعل المستهلك مصممًا لحذائه الرياضي، وجنت معظم إيراداتها إلكترونيًّا من تلك المبادرة.

 

التمويل

يمثل التمويل مستوى أعلى من الالتزام عن الموجود في المشاركة والتشكيل، حيث يضع ملايين من الناس أموالهم أينما تتواجد أفواههم ، وذلك يعبر عن تمويل الناس للأفكار التي ستعود عليهم بأكثر مما أنفقوه، حيث إن الإقراض والاستثمار والعطاء في نماذج السلطة الجديدة يقلل بشدة الاعتماد على المؤسسات التقليدية، فبدلاً من التبرع عن طريق مؤسسة كبيرة والتي بدورها ستوزع المال باسم المتبرعين، يمكن للناس دعم أشخاص يعانون بأنفسهم ووفق رؤيتهم.

ولكن لتلك الطريقة من التمويل مشكلاتها أيضًا، فهي تعتمد على الميل الإنساني لمواكبة ومحاباة الحالية، وميلهم العاطفي نحو قضايا بعينها، وذلك على حساب التخطيط.

 

الإنتاج

يعتمد هذا المستوى على سلوك أبعد من الدعم والمشاركة لمجهودات الآخرين، والبدء بالمساهمة بالمجهودات الذاتية، مثلما يفعل فريق عمل اليوتيوب أو إتسي أو تاسك رابت، ولا تتكون سلطة لتلك المؤسسات إلا بإنتاج أعمال تعرض من خلالهم، فمثلاً تقوم الخدمات الإلكترونية لشركة إير بي إن بي بإيصال المسافرين الذين يحتاجون مكانًا، بمقيمين في تلك المدينة يحتاجون مستأجرين لغرفة في منزلهم، وبذلك فهم يضعون الفنادق الممثلة للسلطة القديمة في مأزق.

 

التشارك في الامتلاك


تدار بعض الكيانات مثل ويكيبيديا ولينكس والمصادر المفتوحة من أنظمة التشغيل بطريقة المشاركة في التملك، ومثل تلك الكيانات وغيرها هي أفضل تعبير عن اللامركزية.

 

قيم جديدة للسلطة

منذ دخول نماذج السلطة الجديدة في الحياة اليومية للناس ظهرت مجموعة من القيم والمسلمات الجديدة، فالسلطة الجديدة جعلت الناس تفكر وتشعر بطريقة مختلفة، فمثلاً تستطيع فتاة مراهقة أن تسوق لأفكارها الخاصة، فقط بامتلاكها قناة على يوتيوب، وذلك بدلاً من أن تكون – فقط- مستقبلة لأفكار الآخرين وحقيبة لتجميع وجهات نظرهم.

وتنشأ بالفعل فرضية شائعة بين أطراف صناعة السلطة الجديدة – وخصوصًا من تقل أعمارهم عن الـ30 – وهي أن لديهم حقًّا لا يمكن مصادرته في المشاركة في تشكيل وصناعة عالمهم، لكن بالنسبة للأجيال السابقة فإن كلمة المشاركة لا تعني لديهم أكثر من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، أو الانضمام لجماعة دينية لتوعية المجتمع.

 

الحكم

تفضل السلطة الجديدة الشكل غير الرسمي للحكم وصنع القرار، فالسلطة الجديدة الجماعية لا يمكنها تكوين منظمة كالأمم المتحدة، ولكنها بدلاً من ذلك تتجه نحو حل مشكلات المجتمع بشكل إنساني بعيدًا عن الأفعال الحكومية أو بيروقراطية الدول.

 

التعاون

تعتمد السلطة الجديدة على تحفيز التعاون بين أطراف الأعمال كبديل عن المنافسة الموجودة في نماذج السلطة القديمة، وذلك عن طريق نشر أفكار الآخرين وتحفيز ناقلي تلك الأفكار لرفع قدرتهم على النشر، أو البناء على أفكار أخرى موجودة لتطويرها واستغلالها بشكل أفضل.

 

ن.ذ.ب. أو DIO

تسعى نماذج السلطة الجديدة لإرساء خلق جديد في عالم الأعمال وهو “نفعل ذلك بأنفسنا” أو “Do It Ourselves” وهو المبدأ الذي أرساه سكوت هيفيرمان المدير التنفيذي لـ”ميتوب”، فإن الأبطال وأصحاب السلطة الجديدة هم من ينجحون في صناعة أداوتهم بأنفسهم أو زراعة موادهم أو بناء أشياء بأنفسهم.

 

الشفافية


أنصار السلطة الجديدة يؤمنون أنهم كلما كانوا واضحين، كلما كان ذلك أفضل، فإن خصوصية الأجيال السابقة تم استبدالها بنوع من الشفافية والوضوح، مثل حياة الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، فهم يذيبون الحائط الفارق بين العام والخاص، فالحسابات الشخصية على فيسبوك أو انستجرام مثلاً تظهر الحياة الطبيعية للأشخاص، وأحيانًا تحمل تلك الصفحات حديث خاص جدًّا للشخص مع نفسه، وذلك يضع أصحاب المؤسسات ورجال الدولة في موقف صعب يجبرهم على الإفصاح عن جزء كبير من حياتهم الشخصية.

 

الانتماء

بطريقة ما تتطلب السلطة الجديدة التبعية، لكن التبعية والانتماء في هذا العالم الجديد غير باقٍ، فإن الأشخاص في هذا العالم الجديد قليلاً ما يستخدمون بطاقات العمل التي يطبع عليها اسم الشركة أو المؤسسة التابع لها، أو الوظيفة التي يشغلها في إحدى المنظمات. وذلك نظرًا لأن الوظائف (الأدوار) في عالم السلطة الجديدة سرعان ما تتبدل وتتغير.

 

إطار لفهم أطراف السلطة الجديدة

بوضع نموذجي السلطة القديمة والجديدة وقيمهما والمقارنة بينهما، نخرج من تلك المقارنة بالإطار الذي يساعد المنظمات في التفكير في مكانها الآن وتحديد الخطط المستقبلية.

 

المواصلات

فمثلاً تربط الشبكة بين العديد من المستخدمين (المستهلكين) والصناع، وتضم قائمة الربط العديد من الكيانات منها فيسبوك، وتعتمد كل الكيانات في تلك القائمة على المشاركة، لكن القرارات في بعض الأحيان لا تتماشى مع تمنيات ومتطلبات مجتمعاتها، مثل حزب الشاي الذي يملك قوة في جذور اللامركزية، ولكنه لا يظهر تأثيراته سوى في الممرات التقليدية للسلطة.

 

المشجعون

توجد بعض المنظمات والشركات التي تستخدم نماذج السلطة القديمة، ولكن تتبنى بعضًا من قيم السلطة الجديدة، فمثلاً بتاجونيا لديها نموذج قديم وتقليدي في إدارة أعمالها، ولكنها تقف بجانب قيم السلطة الجديدة وتشجعها وتحاول تطبيقها مثل الشفافية. وأيضًا تعتبر صحيفة الجارديان مثالاً على الشركات المشجعة فهي تعمل على تطوير مواقعها ليس فقط من خلال تبنيها قيم السلطة الجديدة ولكن من خلال دمج نماذج للسلطة الجديدة في عملها بشكل أساسي.

 

الحشود أو الجماعات


هم ممثلو السلطة الجديدة من الأنقياء، ويعتمد جوهر عملهم على الإدارة الجماعية، وتحفل قيمهم بتقدير سلطة الحشد والجماعة، وفي تلك المجموعة سنجد الكيانات التي اعتمدت في تكوينها على مشاركة الحشود مثل ويكيبيديا، وإتسي، وبيتكوين.

ويمكن القول إن هناك كيانات أو شركات تحركت في تدرجها من السلطة الجديدة للقديمة بمرور الوقت، فمثلاً تيد وهي الشركة التي كانت تتبنى شعار “أفكار تستحق الانتشار” منذ 10 سنوات، طبقت ذلك على صعيد التعاون والشبكة، لكن على أرض الواقع لم تتبنَ أيًّا من نماذج السلطة الجديدة، حيث كانت مرتفعة السعر وخدماتها حصرية ومؤتمرها السنوي يكون منسقًا وحريصًا بشكل يمنع الإبداع، إلا أنها سعت أيضًا بعد ملاحظة ذلك لتأكيد انتمائها للسلطة الجديدة، وذلك بجعل محتواها وخدماتها مفتوحة ومتاحة لأي شخص بعدما كانت مغلقة.

جعل هذان القراران شركة تيد أقوى، وقادرة على إيصال علامتها التجارية حتى مع دخولها في مخاطر مرتبطة بفك التحكم، وتتمتع تيد الآن بنموذج فريد في الإدارة يجمع بين مزايا السلطة القديمة التكميلية، وقوة نموذج السلطة الجديدة في إدارة الأعمال.

 

إرساء السلطة الجديدة


اكتشفت معظم الشركات أن طبيعة السلطة هي التغيير، ولكن القليل منهم من تعرّف وفهم مفاتيح التغيير الذي تظهر آثاره إيجابيًّا على الشركة، فالكثير منهم يرى أن الكيانات القوية تستخدم التواصل الاجتماعي فيبدؤون باستخدامها، وبذلك يعتمدون على جزء بسيط من التكنولوجيا تاركين الأساس وهو تغيير النموذج كاملاً بالقيم التي يحملها.

أن تمتلك الشركة صفحة على فيسبوك ذلك لا يعني أنها امتلكت أو تبنت استراتيجية السلطة الجديدة، فإذا كنت في أحد مجالات الأعمال وتريد تحويلاً جذريًّا إلى السلطة الجديدة فذلك لا يعني زخرفة الواجهة فقط، فمثلاً صحيفة اقتصادية لا يمكنها أن تدعي التحويل إلى السلطة الجديدة بمجرد إضافتها لخاصية إضافة التعليقات في آخر كل موضوع على موقعها الإلكتروني، حيث يجب عليها أولاً بناء رابطة للقراء وقاعدة نابضة بالحياة، والنقاش بين كتابها وقرائها، وهو ما سيتطلب بالتأكيد تغييرًا في كل من نموذج سلطتها وقيمها. وهو بالضبط ما تعاني منه صحيفة نيوورك تايمز حاليًا.

ولذلك يجب على الكيانات والشركات التقليدية التي تريد تطوير قدرتها على نماذج السلطة الجديدة أن تجمع بين ثلاثة مهمات رئيسة: 1- تقييم مكانتها في بيئة السلطة التي ستتحول إليها. 2- تحديد النقد الموجه لها. 3- تطوير قدرتها على التعبئة.

 

تحديات السلطة الجديدة

يمكن للشركات التي تعتمد على السلطة الجديدة أن تقل قدراتها ومجهوداتها نظرًا لقدرة العاملين فيها وفشلهم في التعرف على حقيقة أنه للحصول على التغيير الحقيقي والواقعي يجب على الشركة والقائمين عليها التكيف مع ذلك. فيجب على تلك الشركات الإبقاء على ثلاثة توجيهات أساسية في الحسبان لضمان استمرار الإدارة بنموذج السلطة الجديدة.

 

1- احترام المجتمع المكون للكيان أو الشركة (لا تكن أنت صاحب القرار)

فالمنظمات التي تنشر نماذج السلطة الجديدة ولكنها تبقي على قيم السلطة القديمة هي في خطر حقيقي من تنفير المجتمعات الداعمة والمكونة لها، فعندما تفقد المنظومة التواصل مع الجماعات أو الحشود المكونة لها فإنها بالتالي أمام تحدٍ حقيقي، فمثلاً منظمة تعمل بنموذج السلطة الجديدة كـ”فيسبوك” لا يمكنها أخذ تغييرات جذرية في شروط الحماية والخصوصية دون الإعلان عنها مسبقًا للمستخدمين، وتحليل ردود أفعالهم.

 

2- التطوير المزدوج


يمكن لمنظمة ما عند التحويل من منهج سلطتها القديم إلى آخر جديد أن تكتشف أنها لتتحول بشكل كامل إلى المنهج الجديد يجب عليها أن تصنع تغييرًا جذريًّا في نظام أكبر من سلطاتها كنظام معين في الدولة مثلاً، مثلما حاولت أكاديمية خان لتكنولوجيا المعلومات في أمريكا حيث وجدت أنه لتخريج طالب بارع في تكنولوجيا المعلومات يجب تغيير نظام تعليم بعض المواد العلمية في مرحلة التعليم المدرسي، لذلك فإن الحل الأمثل لتلك المشكلة هي التغيير المزدوج أو التغيير على صعيدين معًا.

حيث يجب تطوير قدرات السلطتين القديمة والجديدة معًا، فمثلاً قامت آريانا هافنجتون ببناء منصة تتألف من شبكة تضم 50 ألف مدون كخطوة نحو السلطة الجديدة، ولكنها ظلت أيضًا تعمل في مؤسستها على أجهزة عتيقة.

 

3- هيكلية للعمل

تظل دائمًا تأثيرات نماذج السلطة الجديدة محدودة للغاية، فمثلاً حركة أفاز الإلكترونية، برغم وصول عدد أعضائها إلى 40 مليون عضو، إلّا أنه من الصعب التأثير في دوائر صنع القرار التي تتخذ السلطة القديمة منهجًا لها، مثل الأمم المتحدة وإجراءات التفاوض داخلها للخروج بقرار حساس أو فارق.

 

لمشاهدة المحاضرة مترجمة على موقع تيد

عرض التعليقات
تحميل المزيد