محمد صلاح عبد الجواد

7

محمد صلاح عبد الجواد

7

2,420

سخرية القدر كانت حاضرة في انتخابات الرئاسة بكوريا الجنوبية إذ فاز المرشح «مون جاي إن» بمقعد الرئاسة، والذي يُعرف بخلفيته اليسارية التي يميل وفقًا لها للدفاع عن الطبقات الدُنيا من المجتمع، فعندما كان طالبًا تم سجنه لشهور بسبب اشتراكه في مظاهراتٍ ضد ديكتاتور كوريا الجنوبية السابق «بارك تشونغ» والذي تم عزل ابنته من كرسي الرئاسة منذ شهرين بسبب تسريبها معلوماتٍ أمنية خطيرة لأحد أصدقائها، ليأتي سجين والدها ويصبح رئيسا جديدًا للجمهورية الكورية الجنوبية.

وتعتبر دولة كوريا الجنوبية لاعبًا استراتيجيًا وسياسيًا هامًا، لاسيما وأن تواجدها جارة لليابان والصين وكوريا الشمالية يدعم مكانتها الدولية القوية، وقد عرفت طوال عقود بتواجدها على خط السياسية الأمريكية، على عكس ما يتوقع من  الرئيس الجديد.

من هو رئيس كوريا الجنوبية الجديد؟

ولد ونشأ «مون جاي إن» لأسرة فقيرة هرعت من شمال كوريا إلى جنوبها جراء الحرب الكورية التي نشبت بين كوريا الشمالية والجنوبية عام 1950، وعندما حظي الأبوان بابنهما مون، كان الأب يعمل في معسكر لأسرى الحرب، بينما كانت تبيع الأم البيض في ميناء مدينة بوسان، وعانى مون جاي إن كثيرًا في ظروف نشأته؛ نظرًا لظروف عائلته، إلى أن استطاع الالتحاق بكلية القانون عام 1972، وقد عرف بانتظامه  والتزامه في الكلية، حتى اندلعت المظاهرات ضد الرئيس الكوري آنذاك «بارك تشونغ»؛ بسبب انتشار الفساد وازدياد معدل الفقر، بالطبع فإن الفتى مون جاي – الذي عانى الفقر بسبب انتمائه لأسرة فقيرة – انضم لتلك الحركة المُناهضة للنظام؛ إلى أن تم اعتقاله بسبب قيادته لإحدى الحركات الطلابية.

ولم يوقف المعتقل مسيرته التعليمية؛ لأنه تابع المذاكرة من داخل المعتقل؛ حتى حصل على بكالوريوس القانون، وأصبح محاميًا، قبل أن يتم إطلاق سراحه عام 1976؛  ليؤدي الخدمة العسكرية في الجيش الكوري الجنوبي.

وبعد 6 سنوات من إنهائه الخدمة العسكرية كان قد تعرّف على صديق عمره «رو مو هيون» الذي أصبح رئيسًا لكوريا فيما بعد، وأنشآ معًا مكتبًا للمحاماة، وخصوصًا للدفاع عن قضايا العمال والحقوق والحريات، والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، وساهم كل «مون جاي» و«رو مو هيون» في حركة الديمقراطية التي أدت إلى إجراء أول انتخابات رئاسية عام 1987، وبعدها مباشرة انغمس رو مو هيون في العمل السياسي، بينما بقى موون جاي في مكتبه لكي يدافع عن الحقوق والحريات، إلى أن أصبح رو مو هيون رئيسًا للبلاد 2003، وبالطبع كان مون جاي أول شخص في فريقه الرئاسي.

كوريا الشمالية قد تصبح حليفًا لا عدوًا

منذ انتهاء حالة الحرب بين الكوريتين عام 1953 لم يتم إبرام معاهدة سلام واحدة، لذلك يمكن أن نعتبر أنهما ما زالا في حالة حرب، وبعد أن ورث «كيم جونج أون» الحكم من والده عام 2011، أشرف على 50 تجربة صاروخية و 3 تجارب نووية منذ تسلمه السلطة وحتى الآن، وأثارت تجاربه  للصواريخ النووية والبالستية الأخيرة ذعر الولايات المتحدة؛ مما دفعها لتحريك أسطولها البحري بالقرب من ساحل شبه الجزيرة الكورية، بالإضافة إلى إقامة منصات صواريخ في كوريا الجنوبية.

وفي خطاب تنصيبه أعلن الرئيس الجديد  «موون جاي إن» رؤيته على فتح مجال للحوار مع كوريا الشمالية  وتخفيف حدة التحركات العسكرية والاحتقان السياسي الذي حل بالمنطقة بين كوريا الشمالية والصين من ناحية وبين الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وقال موون جاي إن  نصًا في خطابه يوم الخميس: «سوف أذهب لأي مكان في العالم لتحقيق السلام لشبه الجزيرة الكورية، سوف أطير في الحال إلى واشنطن، وبعدها سأذهب إلى بكين، ومنها إلى طوكيو، ولو الظروف مستقرة سوف أذهب إلى بيونج يانج عاصمة كوريا الشمالية لكي أقابل الرئيس!»

فهل من الممكن في عهد الرئيس الجديد أن نسمع بأن سلامًا قد حل لأول مرة في شبه الجزيرة الكورية؟

الصديقان كوريا الجنوبية وأمريكا على مشارف شجارهما الأول

الرئيس الجديد منفتح، على عكس الرئيسة المعزولة التي كانت مُحافظة، والتي يملك حزبها تاريخًا طويلًا من العلاقة القريبة مع الولايات المتحدة، بدايةً من الحرب الكورية في خمسينات القرن الماضي، عندما أخذت الولايات المتحدة جانب الجنوبية في الحرب ودعمتها عسكريًا، سواءّ بالمعدات والأسلحة أو حتى  بالأفراد، وبعد الحرب وعلى مدار عقود دعمت أمريكا كوريا الجنوبية بالكثيرة من المعونات المادية والتنموية والعسكرية، وحتى الآن يوجد في كوريا الجنوبية ما يقرب من 18 ألف جندي أمريكي، بالإضافة إلى منصات الصواريخ الأمريكية التي ترتكز على الحدود بينها وبين كوريا الشمالية بحجة حماية الأولى من الثانية.

عارض موون جاي قرار الحكومة السابقة بالسماح للولايات المتحدة لوضع أنظمة «THAAD» المضادة للصواريخ، وهو الأمر الذي جعل الصين تتمنى فوزه في الانتخابات الرئاسية؛ لأنها تخشى أن تستخدم الولايات المتحدة هذه الأنظمة للتجسس عليها.

عُرف موون جاي طوال مسيرته السياسية القصيرة بأنه مُعارض لقرابة العلاقة بين دولته وبين الولايات المتحدة، وفي يناير(كانون الثاني) نُشر كتاب لموون جاي قال فيه  نصًا: «إن بلادنا يجب أن تتعلم كيف تقول: لا، في وجه الولايات المتحدة»، وأثناء حملته الانتخابية قال إنه سوف يضع مصلحة بلاده في المقام الأول، والتي قد تتضمن فتح مسارات اقتصادية وسياسية مشتركة مع كوريا الشمالية، وهذا الأمر لن يقابل بالترحاب، بل المعارضة الشديدة من الولايات المتحدة ورئيسها الحالي دونالد ترامب.

ومن خلال برامجه وآرائه السياسية يمكن أن نستشف أن الرئيس الكوري الجديد يريد أن يُخرج بلده من عباءة أمريكا وأن يجعل منها لاعبًا أساسيًا في الحوار بين الصين والولايات المتحدة عندما تأتي الأمور إلى كوريا الشمالية ونشاطها العسكري وبالأخص نشاطها النووي.

ما مصير الرئيسة السابقة؟

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي واجهت الرئيسة الكورية الجنوبية «بارك جيون هاي»  قرار البرلمان بعزلها من منصبها، وذلك بسبب اتهامها بإفشاء أسرار عسكرية وأمنية خطيرة لأحد أصدقائها طوال فترة حكمها، وأيدت المحكمة الدستورية هذا القرار في منتصف مارس(آذار) الماضي، وقبل نهاية إبريل(نيسان) الماضي قرر المُدعي العام إرسالها إلى المحكمة بتهمة إساءة استخدام السلطة وإفشاء أسرار خطيرة بالدولة، وهي التهم التي قد تُسجن  بارك جيون هاي بسببها مدى الحياة.