أخذ العلماء خطوة عملاقة نحو حل واحدة من أكبر الألغاز في علم الفلك – ما هي الطبيعة الحقيقية لـ«المادة المظلمة» التي يعتقدون أنها تشكل 85% من الكون؟ فوجود هذا الكم الهائل من المواد التي لا يمكن رؤيتها هو أمر ضروري، يحتاج العلماء للتيقن بشأنه؛ كي يتمكنوا من تقديم تفسير مناسب للطريقة التي تدور بها المجرات في الفضاء.

فلو كانت هذه المجرات تتكون فقط من النجوم التي يمكننا أن نراها، فإن القوى المتضمنة داخل هذه المجرات، ستتسبب في تحليق النجوم في جميع الاتجاهات؛ وبالتالي فإن وجود كتلة زائدة غير مرئية في هذه المجرات، (وهو ما يعني وجود جاذبية إضافية)، يمكنه أن يمنحنا تفسيرًا للسبب وراء عدم حدوث هذه الحركة العشوائية للنجوم.

في عام 1977، جاء الباحثون بالنظرية القائلة: بأن المادة المظلمة تتكون من جسيمات افتراضية تسمى «الأكسيونات» (axions)، وهي تشبه كثيرًا ما اقترحه العالم «بيتر هيغز» من وجود جسيمات افتراضية لشرح السبب وراء امتلاك الأشياء لكتلة في ستينات القرن الماضي.

وأدى اكتشاف «بوزون هيغز» في «مصادم الهادرون الكبير» (CERN) في عام 2013 إلى منح جائزة نوبل لهيغز، من جامعة أدنبرة، والفيزيائي البلجيكي «فرنسوا إنغليرت».

كتلة الإكسيونات

وقد ظلت الأدلة الفعلية لوجود هذه الأكسيونات بعيد المنال على مدى عقود، ولكن الآن، استخدم الباحثون حاسوب عملاقًا لحساب القيمة التي يمكن أن تكون عليها كتلة «الأكسيون» في حالة ما إذا كانت تشكل بالفعل معظم المادة المظلمة في الكون. ووجد الباحثون أن كتلته تبلغ بين 50 و 1500 ميكروإلكترون فولت – أو ما يصل إلى 10 مليار مرة أخف من كتلة الإلكترون، وفقًا لورقة بحثية نشرت في مجلة نيتشر العلمية.

وسيسمح هذا الأمر الهام للفيزيائيين للبحث عن هذه الجسيمات متناهية الصغيرة بشكل لا يصدق في العالم الحقيقي. فمعرفة طبيعة المادة المظلمة سيكون إنجازًا على نفس قدم المساواة مع اكتشاف بوزون هيغز.

وذكر الباحث في مركز بحوث «ديسي» بألمانيا، «أندرياس رينغوالد»، أن المادة المظلمة هي شكل غير مرئي للمادة التي لم تكن – حتى الآن – قد كشفت عن نفسها، إلا من خلال آثاره الجاذبية. وأوضح أن ما تتكون منه هذه المادة لايزال لغزًا كاملًا. وأضاف «وصف الظلام الملحق بهذه المادة لا يعني ببساطة أنه لا ينبعث منها ضوء مرئي. بل إن هذه المادة لا تتمكن من إعطائنا أية موجات أخرى أيضًا؛ مما يجعل تفاعلها مع الفوتونات ضعيفًا جدًا في الواقع».

وقال: إن معرفة أي نوع من كتلة قد يكون يملكها هذا الأكسيون، ستكون أمرًا «مفيدًا للغاية» لأولئك الذين يبحثون عن أحد هذه الأكسيونات، وإلا فإن البحث عنها قد يستغرق عقودًا؛ لأن العلماء وقتها سيحتاجون إلى البحث في مدى واسع من الكتل».

واقترح «زولتان فودور»، الباحث في جامعة فوبرتال في ألمانيا وجامعة إيوتفوس في المجر، والذي قاد فريق البحث، أن النتائج التي توصلوا إليها سيمكنها إحداث تقصير كبير في الجدول الزمني للبحث. وأضاف أن «النتائج التي تم تقديمها ستؤدي على الأرجح إلى سباق لاكتشاف هذه الجسيمات».

ووفقًا لحساباتهم، فيجب أن تكون هناك كمية هائلة من الأكسيونات إذا كانت موجودة بالفعل. وسوف نحتاج إلى أن يكون في المتوسط حوالي 10 مليون من الأكسيونات في كل سنتيمتر مكعب من الكون، وبسبب أن المادة المظلمة تتكتل معًا، فينبغي أن تحتوي مجرة «درب التبانة» على حوالي تريليون من الأكسيونات لكل سنتيمتر مكعب.

وفي مقال نشر في مجلة «نيتشر»، أشادت «ماريا باولا لومباردو»، من المعهد الوطني للفيزياء النووية في إيطاليا، بالجودة العالية لهذه الدراسة. وأضافت أن العلماء تمكنوا من حساب الكتلة المتوقعة للأكسيونات مع دقة غير مسبوقة، ونتيجة لذلك فهي يمكن أن تكون مفيدة؛ لفهم خصائص هذه الجسيمات الغامضة، وتوجيه استراتيجيات للكشف عنها.

وقالت «لومباردو»: إنهم فعلوا ذلك باستخدام «درجة كبيرة من الدقة والتعقيد. مزيج مثير للإعجاب من الأفكار الجديدة واستخدام بارع من التقنيات الناشئة» للتغلب على أية مشكلة محتملة واحدة.

المادة المظلمة لاتزال تحير العلماء


المادة المظلمة

هو أحد أنواع المواد التي افترض العلماء وجودها، والتي لا يمكن رؤيتها عبر التليسكوبات، لكن يتم الاستدلال على وجودها من خلال الآثار الجانبة التي تطرأ على المواد المرئية والإشعاعات، وعلى بنية الكون الواسعة بشكل عام. كل هذه الآثار جعلت العلماء متيقنين من وجود هذه المادة في جميع أنحاء الفضاء.

ولأنه لم يتم الكشف والتحقق من وجود هذه المادة، فهي تظل واحدة من أكبر الألغاز المتعلقة بالفيزياء الحديثة. ومن المعروف أن كل مادة في الكون تقوم بامتصاص أو بعكس الضوء من عليها، أو بامتصاص جزء وعكس جزء آخر، لكن المادة المظلمة هذه لا تمتص ولا تعكس الضوء مطلقًا، ولا أي نوع آخر من الإشعاعات الكهرومغناطيسية بأي شكل من الأشكال.

وطبقاً للأرقام والبيانات التي حصلت عليها مركبة الفضاء الأوروبية «بلانك»، وهي تمثل مرصدًا فضائيًا تم بناؤه لقياس الاختلافات في نوع من أنواع الإشعاعات الكونية المسمى إشعاع الخلفية الكونية الميكروويفي، واستنادًا إلى النموذج القياسي لعلم الكونيات، فإن مجموع الكتلة – الطاقة الموجودة في الكون (بالتأكيد على أن الكتلة والطاقة هما صورتا عملة لنفس الشيء) تحتوي على ما نسبته 4,9% من المادة العادية، و26,8% من المادة المظلمة، و68,3% من الطاقة المظلمة، هذا هو تكوين الكون الذي نعرفه، والذي تمثل فيه جميع الأجسام والأجرام والمجرات والضوء والإشعاعات التي نرصدها نسبة 4,9% فقط لاغير، والباقي هو مادة وطاقة مظلمة لا يمكن رصدها.

علماء الفيزياء الفلكية افترضوا وجود هذه المادة نتيجة وجود تعارض بين كتلة الأجسام الكبرى في الفضاء التي يتم حسابها باستخدام تأثيرات جاذبيتها، وبين كتلة المادة التي يتم حسابها عبر المواد المحسوسة، مثل النجوم والغاز والغبار التي تحتويها الأجرام الكبرى.

دراسة العلماء للتأثيرات الجاذبية لهذه الأجرام جعلتهم يتوقعون أن تكون كتل هذه المواد المرئية أكثر مما هي عليه بعد قياساتهم، بمعنى آخر فإن الكتلة الحقيقية للأجرام السماوية عند قياسها بما فيها من مواد يكون أقل من الكتلة المفترض أن تكون عليها هذه الأجرام نتيجة قوة جاذبيتها.

ونعود هنا إلى النظرية النسبية العامة لأينشتاين التي أوضحت أن الجاذبية تنشأ من حدوث تشوه في الزمان والمكان حول الجسم، هذا التشوه يزداد كلما زادت كتلة الجسم وبالتالي تزداد جاذبيته.

تم افتراض وجود هذه المادة لأول مرة عام 1932، من قبل العالم الهولندي «جان أورت»، لكن دون أدلة كافية على وجودها في ذلك الوقت. هذا الافتراض جاء من خلال عمليات حساب السرعات المدارية للنجوم في مجرة درب التبانة. العالم السويسري «فريتز سفيسكي»، كان أول من أطلق عليها اسم المادة المظلمة، وذلك عام 1933.

وقد تم اكتشاف أدلة أكثر قوة على وجود هذه المادة، من خلال منحنيات دوران المجرة (تمثل رسوم بيانية بين مقدار سرعة مدارات النجوم وبين المافة القطرية بين النجم ومركز المجرة) وذلك عام 1939، لكنها لم تنسب للمادة المظلمة في ذلك الوقت. وفي فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي تم ربط هذه المنحنيات بوجود المادة المظلمة. بعد ذلك ظهر الكثير من الأدلة على وجود هذه المادة مثل توزيع درجات حرارة الغازات الحارة في المجرات والتجمعات الكونية.

اقرأ أيضًا:

المادة المظلمة .. حقائق تدير العقول


عرض التعليقات
تحميل المزيد