اقترح مجموعة من العلماء نظرية جديدة تجمع بين بعض الظواهر الأكثر غموضًا في الكون – الثقوب السوداء وموجات الجاذبية والمحاور – لحل واحدة من أكثر المشاكل المربكة في الفيزياء الحديثة. وقد جعلت هذه النظرية الخبراء في هذه المجالات في قمة الحماس والإثارة بالفعل.

النظرية التي تتصور كون مليء بـ «ذرات الجاذبية» الضخمة القادرة على إنتاج غيوم شاسعة من المادة المظلمة، تتنبأ بأنه يمكن اكتشاف أنواع جديدة تمامًا من الجسيمات باستخدام كاشف موجات الجاذبية العملاق الذي يدعى «ليغو».

يقول فيزيائي الجسيمات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بنيامين سفدي، الذي لم يشارك في البحث، في حديثه لمجلة «نيتشر» العلمية، إنه ربما تكون هذه الورقة البحثية هي الأكثر إثارة التي رآها حتى الآن في الفيزياء الجديدة التي يتعاملون معها في ظل اكتشاف العلماء مؤخرًا لموجات الجاذبية، فهو يرى أنها ورقة واعدة للغاية في علم الفيزياء.

وقال عالم الجسيمات الفيزيائية الفلكية، تراسي سلاتير، أيضًا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن هذه الفكرة التي تحملها الورقة البحثة هي فكرة مذهلة للغاية، فالبيانات الخاصة بـ «ليغو» ستكون موجودة ومتاحة هناك، وسيكون من المدهش إذا تمكنا من رؤية شيء جديد.

 

أسس النظرية

وقبل أن نغوص في الفيزياء المجنونة وراء هذه النظرية الجديدة، دعونا في البداية نعود إلى الأسس الفيزيئاية الرئيسية التي تعتمد عليها.

ربما تكون الثقوب السوداء هي أسهل هذه الأسس – فهي عبارة عن أجسام ضخمة جدًا تتواجد في الفضاء تتسبب في إبادة أي نوع من أنواع المادة، وهو من الأمور الغريبة جدًا في الفيزياء بشكل ملحوظ، فعندما توقعت معادلات ألبرت أينشتاين لأول مرة وجود هذه الجسام، لم يعتقد أبدًا أنها يمكن أن تكون في الواقع أمرًا حقيقيًا.

الثقوب السوداء تحافظ على مثل هذه المجالات القوية للجاذبية، وعندما يتصادم اثنين منهما مع بعضها البعض، فإنها تنتج موجات في تسيج الزمان والمكان تسمى موجات الجاذبية. وقد جرى تأكيد ذلك للمرة الأولى في العام الماضي، على الرغم من أن موجات الجاذبية تنبأ بها أينشتاين منذ أكثر من قرن من الزمان، وهي تموجات في نسيج الزمكان الذي ينبعث من أكثر الأحداث العنيفة والمتفجرة في الكون.

 

 

وماذا عن المحاور؟ حسنًا، لعل هذا المصطلح هو الأكثر صعوبة، لأنه على عكس الثقوب السوداء وموجات الجاذبية، فنحن لسنا متأكدين حتى إذا كانت هذه المحاور موجودة، ونحن نبحث عنها على مدى العقود الأربعة الماضية. والمحاور هي واحدة من العديد من الأشكال المرشحة التي جرى اقتراحها للمادة المظلمة، وهي تمثل مادة غامضة غير مرئية التي يبدو أن تقوم بربط وتجميع مجراتنا معًا، ويتوقع أن تشكل 85% من كل المادة الموجودة في الكون.

ومن المتوقع أن يبلغ وزن هذه المحاور حوالي كوينتيليون (مليار مليار) مرة أقل من الإلكترون، وإذا تمكنا من إثبات وجودها، فإن هذه الجزيئات الضوئية الفائقة يمكن أن تحل بعض المشاكل النظرية الرئيسية مع النموذج القياسي للفيزياء. هذا النموذج يفترض أن القوى الأساسية في الكون قد انفصلت عن الانفجار العظيم، وكانت الجاذبية هي أول ما انفصل، ثم تبعتها القوى الثلاث الأخرى، الكهرومغناطيسية، والنووية الصغرى، والنووية الكبرى.

حسنًا، والآن بعد أن أصبح لدينا كل القطع في المكان، دعونا نذهب إلى هذه النظرية الجديدة التي ستذهل العقول. ونعم، نحن نسميها نظرية، وليس فرضية، لأنها تقوم على إطار رياضي.

 

 

النظرية الجديدة

اقترح فريق من الفيزيائيين بقيادة أسيمينا أرفانيتاكي وماشا باريختار من معهد المحيط للفيزياء النظرية في كندا، أنه إذا كانت المحاور موجودة ولها الكتلة الصحيحة، فإنها يمكن أن يجري إنتاجها في شكل سحب واسعة من الجسيمات بواسطة ثقب أسود يدور بشكل مغزلي.

هذه العملية ستكون كافية لإنتاج موجات الجاذبية مثل تلك التي جرى الكشف عنها في العام الماضي، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكننا استخدام أجهزة الكشف عن موجات جاذبية لمراقبة أخيرًا توقيع المادة المظلمة في الكون، وسد الثغرات الموجودة في النموذج القياسي.

وقالت باريختار لصحيفة جزمودو، إن الفكرة الأساسية هي أننا نحاول استخدام الثقوب السوداء، الأجسام الأكثر كثافة والأكثر إحكامًا في الكون، للبحث عن أنواع جديدة من الجسيمات. يمكنك التفكير في هذا السيناريو على هذا النحو: الثقب أسود هو مثل النواة في مركز ذرة جاذبية عملاقة افتراضية. وتتعلق المحاور في مدارات حول هذه النواة، مثلما تتجول الإلكترونات في الذرات العادية.

يقول ماندلباوم: «تتفاعل الإلكترونات عن طريق القوى الكهرومغناطيسية، لذلك فإنها تخرج موجات كهرومغناطيسية، أو الموجات الخفيفة، بينما تتفاعل المحاور عبر الجاذبية، لذلك تترك لنا موجات الجاذبية».

وإذا كان المحور يسري قريبًا جدًا من أفق حدث الثقب الأسود، فإن الغزل الذي يقوم به الثقب الأسود سوف يؤدي إلى شحن هذه المحاور بقوة، وبسبب عملية تسمى «superradiance» التي اتضح أنها تؤدي إلى تضاعف الفوتونات (جزيئات خفيفة) في العديد من التجارب في الماضي، فإن هذا سوف يتسبب في تكاثر المحاور داخل الثقب الأسود.

 

 

هذه المحاور المضاعفة سوف تتفاعل مع الثقب الأسود بنفس الطريقة مثل المحور الأصلي بالقرب من أفق الحدث، مما يؤدي إلى تكون 1080 محور، «نفس عدد الذرات في الكون كله، حول ثقب أسود واحد»، كما يقول ماندلباوم.

يقول تشاندا بريسكود-واينشتاين، وهو خبير في المحاور في جامعة واشنطن، والذي لم يشارك في البحث: «هذا أمر رائع جدًا، لم أقرأ ورقة بحثية تتحدث عن superradiance في السنوات الأخير». مضيفًا أنه كان من الممتع حقًا أن نرى الفوقية والمحاور في ورقة بحثية واحدة.

هذه المحاور المضاعفة لن تنقسم إلى الوجود بشكل عشوائي، بل ستتجمع معًا في صورة موجات كمية ضخمة مثل الغيوم الإلكترونية التي نراها في الذرة. داخل هذه السحابة، أي المحاور التي تتصادم مع بعضها البعض، سوف تنتج «جرافيتونات – gravitons»، جسيم افتراضي آخر يعتقد أنه وسيط في قوة الجاذبية.

الجرافيتونات هي موجات الجاذبية، بالضبط كما أن الفوتونات هي للضوء، وباريختار وفريقها تقترح أنها ستطلق موجات مستمرة في الكون بتردد يعتمد على كتلة المحور. ومع تحسن الحساسية، يجب أن يكون «ليغو» قادرًا على اكتشاف الآلاف من هذه الإشارات المحورية في السنة الواحدة، طبقًا لما يتوقعه الباحثون، وأخيرًا منحهم وسيلة لمراقبة توقيع المادة المظلمة في الكون، وهو الأمر الذي فشل فيه العلماء لعقود.

وبطبيعة الحال، فإن النظريات الكبرى مثل هذه تأتي دائمًا مع بعض التحذيرات، فحتى تعمل هذه النظرية، يجب أن تكون كتلة المحاور محددة جدًا، وأن الكتلة ليس بالضرورة أن تتماشى بشكل جيد مع التنبؤات الحالية على المادة المظلمة. لكن الفيزيائيين ما زالوا متحمسين للفكرة، مع توقع أن يمنح ليغو زيادة كبيرة في الحساسية في العامين المقبلين، فإنه قد لا يمر وقت طويل قبل أن نتمكن من اختباره حقيقة النظرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد