دخلت ليبيا للتو مرحلةً انتقالية خامسة، بعد نحو 10 سنواتٍ من اندلاع الثورة الليبية عام 2011، وست سنواتٍ من الانقسام السياسي بين حكومتي الشرق والغرب، وذلك بعد تصويت أعضاء الملتقى الوطني في العاصمة السويسرية جنيف أمس، على اختيار أعضاء مجلس رئاسي، يرأسه محمد المنفي، ورئيس حكومة انتقالية مؤقتة هو عبد الحميد الدبيبة، لتولي مهام إدارة شؤون البلاد، حتى 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، ومن ثم تُجرى انتخابات برلمانية ورئاسية.

لكن إفراغ المشهد السياسي من كافة الوجوه القديمة لا يحمل تأكيدًا بعدم العودة مُجددًا إلى المربع «صفر»؛ فرئيس الحكومة الانتقالية عبد الحميد الدبيبة الذي يراه البعض محسوبًا على تيار الإسلام السياسي المدعوم من تركيا، ويراه آخرون أحد وجوه نظام القذافي وشغل عدة مسؤوليات في عهده؛ سبق وأن أدرج برلمان طبرق المعترف به دوليًا اسمه ضمن الكيانات الإرهابية في عام 2017، ما قد يتسبب في تدخلاتٍ إقليمية جديدة، في ظل عدم انتهاء مسارات الحل الدستوري والعسكري إلى الآن!

التقرير التالي يحاول أن يعرض لك روايةً متوازنة لرجال الحُكم الجدد في ليبيا.

لم تكن أبدًا سهلة.. كيف وصلت ليبيا لانتصارها الأخير؟

في يناير (كانون الثاني) 2021، أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بعد مفاوضات استمرت شهرين، اتفاق أعضاء الملتقى السياسي الليبي على التصويت السري على آلية اختيار السلطة التنفيذية المؤقتة التي تشمل رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه، بالإضافة لرئيس الحكومة.

Embed from Getty Images

(اجتماعات الملتقى الوطني الليبي في جنيف)

وينقسم أعضاء الملتقى الوطني المكون عددهم من 75 عضوًا ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة على النحو الآتي: «24 من طرابلس و37 من برقة و14 من فزان»، ويمثلون التراب الليبي، واختارتهم الأمم المتحدة من نواب، ورجال أعمال، وشيوخ قبائل، وشخصياتٍ عامة.

وقد وضعت الأمم المتحدة شروط تمرير أية قائمة بموافقة أعضاء الملتقى السياسي بنسبة 63%، وفي حالة عدم الموافقة عليه، يجري عرضه مرة ثانية للتصويت، ولن يحتاج سوى نسبة 50% +1، واعتمدت الأمم المتحدة أربعة قوائم، كل قائمة مكونة من أربع شخصيات، وهم رئيس للمجلس الرئاسي ونائبان ورئيس للحكومة.

الأمم المتحدة اشترطت أيضًا أن تحظى القائمة المترشحة بتزكية 17 عضوًا على النحو الآتي: «ثمانية من الغرب، وستة من الشرق، وثلاثة من الجنوب»، ومن بين أربع قوائم ترشحت رسميًّا، برزت القائمة الرابعة التي ضمت أعداء الأمس، ممثلين في الحرس القديم بالتحالف الجديد الذي جمع بين وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا الموصوف بأنه رجل أنقرة في طرابلس، ورئيس البرلمان الليبي في طبرق، عقيلة صالح، الذي منح لتحركات خليفة حفتر العسكرية في ليبيا، شرعية دستورية.

وخلال الجولة الأولى التي جرت أمس؛ فشل المرشحون في الحصول على النسبة المطلوبة (63% بما يوازي 48 صوتًا)، لكنّ قائمة عقيلة صالح وفتحي باشاغا تصدرت المشهد بحصولها على 25 صوتًا من إجمالي 74، تلتها قائمة محمد المنفي، وعبد الحميد الدبيبة بالحصول على 20 صوتًا.

وطبقًا لما جرى الاتفاق عليه، دخلت القائمتان جولة ثانية للتصويت، يكون الفائز فيها من يحصل على نسبة 50% +1؛ وبعد ساعات أُعلن فوز القائمة الثالثة التي تضم الدبيبة، ومحمد المنفي بـ 39 صوتًا مقابل 35 للقائمة الخاسرة.

المثير أنّ أمام الدبيبة 21 يومًا فقط، لتقديم تشكيلة حكومته إلى غريمه السياسي عقيلة صالح، بصفته رئيس مجلس النواب من أجل عرضها للتصويت ومنحها الثقة، وفي حال تعذر ذلك، تُقدَّم لملتقى الحوار الوطني، ويستمر عمل تلك السلطة المؤقتة إلى ديسمبر 2021، حتى موعد إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، كما أشرنا سابقًا.

تاريخٌ مثير للجدل.. هذا ما نعرفه عن حكام ليبيا الجُدد!

يرتبط اسم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي،بالأزمة الدبلوماسية التي وقعت بين اليونان وحكومة الوفاق في ديسمبر عام 2019، حين طردت اليونان المنفي الذي عمل سفيرًا لديها، وذلك ردًّا على توقيع حكومة الوفاق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا.

(عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الليبية المؤقتة) المصدر

ومحمد المنفي -45 عامًا- الذي ينحدر من مدينة طبرق، ويحمل الدكتواره في الهندسة من جامعتها، لا يُعرف عنه أنه يحمل أية أيدلوجياتٍ سياسية، سوى أنه من المعارضين لعقيلة صالح وخليفة حفتر، ومتقارب مع المعسكر الإسلامي في الغرب.

وفي عام 2012، ترشح المنفي بصفة مستقلة لعضوية المؤتمر الوطني العام، الذي كان آنذاك السلطة التشريعية المؤقتة في ليبيا، بعد حل البرلمان. وضمَّ المؤتمر 200 عضوًا – كان المنفي واحدًا منهم – وانتهت مهام المؤتمر رسميًّا في مطلع عام 2014، بعد انتخاب البرلمان الحالي.

وبينما تنتهي كافة المعلومات المتوافرة حاليًّا عن محمد المنفي عند ذلك الحد، يبرز رجل الأعمال القادم من مدينة مصراتة عبد الحميد الدبيبة بأنه أكثر شخصية تُعاديها بنغازي. فقد أدرجه برلمان طبرق المؤيد لحفتر على قائمة الكيانات الإرهابية عام 2017، بتهمة «تمويل الكتائب المسلحة الموالية والتابعة لجماعة الإخوان المسلمين».

والدبيبة البالغ من العمر 62 عامًا، والذي يرأس حاليًّا تيار «حركة ليبيا المستقبل» سبق وواجه اتهاماتٍ بدفع رشاوى بقيمة 200 ألف دولار داخل أعضاء الملتقى السياسي الليبي لشراء أصواتٍ لدعمه في الوصول إلى منصب رئيس الحكومة الذي يرأسه حاليًّا، ورغم أنه نفى هذه الاتهامات، إلا أنّ الأمم المتحدة قررت فتح تحقيق، خاصة بعد تورط ابن عمه الملياردير علي الدبيبة، والذي يتهمه النائب العام الليبي باختلاس ما بين 6 و7 مليارات دولار.

لكن.. هل تنتهي الفوضى في ليبيا بوصول سلطة جديدة؟

يُمكن القول بأن التصويت الأخير الذي شهدته جنيف أمس لاختيار رئيس حكومة مؤقتة، ومجلس رئاسي، يعد بمنزلة فوز معسكرٍ إقليمي على آخر، فالقائمة الخاسرة التي ضمت عقيلة صالح وفتحي باشاغا كانت مدعومة من القاهرة والرياض وأبو ظبي، بينما القائمة الفائزة كانت مدعومة من تركيا.

وبالحديث عن العلاقات الاقتصادية بين الدبيبة وأنقرة، فهيئة الدولة الليبية للاستثمار التي تسيطر عليها عائلة الدبيبة منحت ما يصل إلى 19 مليار دولار من عقود البناء الليبية لشركاتٍ تركية، بدلًا من مصر، ضمن نزاع مصري – تركي على كعكة الإعمار في ليبيا.

Embed from Getty Images

(رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح)

وعليه، فإنّ أولى المشاكل التي ستواجه السلطة التنفيذية الجديدة تتمثل في أوراق القوة التي يمتلكها الطرف الخاسر، فعقيلة صالح ما زال يرأس البرلمان الليبي، ومدعوم من خليفة حفتر الذي يسيطر فعليًّا على جنوب وشرق ليبيا.

بينما وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، الذي يصفه البعض بأنه «الحاكم الفعلي لطرابلس»؛ يمتلك هو الآخر جيشًا تحت سيطرته في الغرب الليبي، وسبق أن استخدمه للضغط على فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، الذي أقاله من منصبه قبل التراجع عن ذلك، وهو ما يعقّد مهمة اختيار وزير الدفاع للحكومة الجديدة، والذي يقال بحسب تسريبات أنه محجوز للواء أسامة الجويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية في حكومة الوفاق.

وفي السياق ذاته، فإن أوراق القوى العسكرية التي يمتلكها الطرف الخاسر لن تُعقِّد فقط تعيين أعضاء الحكومة، بل قد تمتد إلى عدم القدرة على الإطاحة بشخصياتٍ بعينها، خاصة أنّ كلا من عقيلة صالح وفتحي باشاغا رفضا الاستقالة من منصبيهما قبل الترشح لرئاسة الحكومة والمجلس الرئاسي.

وبوصول المسار السياسي الليبي إلى محطته الأخيرة بالتوافق حول اختيار أعضاء السلطة التنفيذية، يتبقى مساران آخران في الأزمة الليبية: (المسار العسكري، والدستوري)، إلى جانب إشكالية أخرى تتعلق بتوحيد المؤسسات الليبية وعلى رأسها الجيش، والتوافق حول اختيار أسماء شاغلي المناصب السيادية.

ورغم توافق اللجنة الدستورية التي انعقدت قبل أسبوعين، في مدينة الغردقة المصرية على إجراء استفتاء على مشروع الدستور؛ إلا أنّ أبرز النقاط الخلافية لم تُحسم بعد، وبدونها لن يتم عرض المشروع للاستفتاء، والمقرر له أن يكون قبل موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وسبق لتلك الجولات أن واجهت أيضًا فشلًا علنيًّا بعدم توصُّل الوفدين القانونيين الممثلين عن طرابلس وبنغازي إلى نقطة اتفاقٍ بشأن الوصول لصيغة توافقية حول الدستور، وتجاوز نقاط الخلاف.

ومن بين أكبر الخلافات التي تجعل المسار الدستوري هو أعقد المسارات في الأزمة الليبية؛ الاعتراضات التي أطلقها المجلس الأعلى للقضاء حول رفضه تفاهمات بوزنيقة – التي عُقدت في المغرب في سبتمبر (أيلول) 2020 لمحاولة حل المشاكل الخلافية بين الفرقاء الليبيين- حول توزيع المناصب القضائية على أساس تمثيل أقاليم ليبيا، والتي اعتبرها تدخلًا ومساسًا بسيادة هذه السلطة واستقلالها، ويُنظر إلى ثقل هذا المجلس على اعتبار أنه إحدى السلطات الثلاثة التي ظلت موحدة ولم تنقسم، على عكس السلطتين التشريعية والتنفيذية.

ليبيا

منذ 3 أسابيع
خليفة حفتر.. جيشٌ على أبواب طرابلس وآخر في لوبيات واشنطن

وبالحديث عن المسار العسكري الذي تُوِّج بالتوصُّل لتوقيع اتفاقٍ دائم لوقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، فالاتفاق لم يتوصَّل إلى تسوية نهائية بشأن الترتيبات المتعلقة بالمنطقة الوسطى في ليبيا، ممثلة في مدينة سرت وقاعدة الجفرة الاستراتيجية، وهو ما يجعل حفتر حاضرًا في المستقبل الليبي، كما أنَّ الاتفاق نفسه يقرن إخراج المرتزقة من ليبيا بالتوصل لاتفاق نهائي لإطلاق النار.

وحتى الآن لم تشترط المباحثات السياسية ولا العسكرية تقديم خليفة حفتر تنازلات يخسر معها أوراقًا ميدانية وسياسية، كما لم تكشف الأمم المتحدة، ولا طرفا النزاع عن دور حفتر في المشهد الليبي مستقبلًا، على الرغم من امتلاكه لترسانة عسكرية، وهو ما قد يعقد موقف الحكومة الجديدة التي تبدأ سلطاتها بمعطيات ليست في صالحها!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد