أن تنتقل من مكان إلى آخر في أقل من ثانية، يسمى ذلك «السفر عبر الزمن»، الأمر الذي لم نسمع عنه أو نعرفه إلا في روايات وأفلام الخيال العلمي، والذي يحدث بواسطة «آلة زمن»، ذلك الاختراع الذي يعد أحد أهم طموحات البشر، والذي سعى وراءه الباحثون كثيرًا، على أمل أن يتحقق حلم السفر عبر الزمن في عالم الواقع!

مؤخرًا وتحديدًا في ديسمبر (كانون الأول) 2020 ظهر بحث كاد أن يحول الخيال إلى حقيقة! فقد أظهرت نتائج هذا البحث أن تنشيط خلايا بعينها في منطقة «الحُصين (Hippocampus)»، في أدمغة الفئران تؤدي لبعض التصرفات الغريبة، ويكأنها في مكان آخر غير الذي توجد به! 

والحصين هو المكون الرئيسي في أدمغة البشر والفقاريات الأخرى، ويملك البشر والثدييات الأخرى قرنين من الحصين، واحدًا في كل جانب من الدماغ. ينتمي الحصين إلى «الجهاز الحوفي» ويؤدي أدوارًا مهمة في توحيد المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، وفي الذاكرة المكانية التي تمكِّننا من الملاحة والتنقل من مكان لآخر. 

فالخلايا المكانية، وهي المسؤولة عن إدراك المكان في المخ، تطلق إشارات معينة عند تغيير الأماكن التي نوجد بها، وذلك لحثنا على تذكر ذكرياتنا وتجاربنا في هذه الأماكن. فعبر تنشيط خلايا «الحصين»، عبر إطلاق نبضات ضوئية، أطلق الحصين إشارات لمكان لا توجد فيه الفئران. وهذا ما يعني أنه في الوقت الذي كان الفئران يوجدون فيه بمكان ما، فإن أدمغتهم صورت لهم أنهم في مكان آخر، بحسب نك روبنسون، مؤلف هذا البحث.

صورة توضح مكان قرني الحصين في مخ الإنسان – مصدر الصورة: ميديكال نيوز

ما قاله نك روبنسون، تأكد عندما كانت الفئران في قفص فارغ تمامًا، إلا أنهم تعاملوا – بعد تنشيط خلايا الحصين – على أن هناك «ماءً محلًّى» سعوا للحصول عليه. ما يعني أن تنشيط الحصين أدى إلى إرسال أدمغتهم إشارات معينة صورت لهم أنهم في مكان – وُجدوا فيه في السابق – يوجد فيه ماء محلَّى، وبدورهم سعوا للحصول عليه؛ إذ بدأت الفئران – محل التجربة – في محاكاة لعق صنبور يحتوي على ماء محلى كما لو كان هناك شيء يشربونه!

وقال الباحثون إن نتائج هذا البحث يمكن أن تساعد في إظهار كيفية تخزين الذكريات المكانية، كما شكل البحث إستراتيجية جديدة لدى الباحثين للاستعانة بالضوء في إعادة تنشيط ذكريات معينة نريد استعادتها وتمريرها عبر أدمغة الأشخاص.

الحصين والملاحة المكانية 

الحصين (المسمى على اسم «فرس البحر» وذلك لتشابه أشكالهما) هو امتداد للفص الصدغي (وهو فص من فصوص دماغ الإنسان وأدمغة الثدييات) من القشرة الدماغية، ويمكن تمييزه بوصفه طبقة من الخلايا العصبية المكتظة بكثافة، والتي تلتف لتشكل حرف (S) على حافة الفص الصدغي.

ويلعب الحصين دورًا أساسيًّا في عمليات التعلم والتذكر كما أسلفنا، إذ إنه قادر على استدعاء ذكريات الماضي وكذلك تخيل المستقبل، كما أظهرت الدراسات أنه يتأثر بمجموعة متنوعة من الاضطرابات العصبية والنفسية والتي تؤدي إلى مرض ألزهايمر؛ إذ إن أي ضرر بالحصين يسبب فقدان الذاكرة، ومع تقدم الأبحاث اكتشف العلماء أن الحصين ليس مهمًّا في التعلم والتذكر وفقط، بل أيضًا في ما يعرف بالملاحة المكانية أو التنقل.

Embed from Getty Images 

تُعرَّف «الملاحة المكانية» على أنها العملية التي يعتمد فيها البشر على إشارات الشوارع، والمعالم، والمنارات، لسلوك طريق ما أو تحديد مسار لبلوغ مكان معين؛ إذ يجب على أي إنسان للوصول إلى منطقة ما أن يعلم أي مسار يجب عليه أن يسلك للوصول إلى هناك، وهذا ما تقوم به «الملاحة المكانية».

ويعمل العقل على إدراك تلك العلامات (الإشارات والمعالم) ويحتفظ بها، لكي تعود فيما بعد على شكل إشارات تحفز الحصين على تذكر المكان وما يحتويه، وبالتالي القدرة على استكمال الطريق والسير نحو المكان المطلوب. 

كما أنه يستدعي بدوره التجارب والذكريات التي حدثت في هذا المكان، والتي تشكل جوهر تجربة نك روبنسون على الفئران؛ مما يوفر دليلًا سببيًّا على أن خلايا المكان في الحصين تدعم بشكل فعال التنقل المكاني والذاكرة، والتي تعمل على استدعاء تلك «العلامات» التي تستدعي بدورها الذكريات، إلا أن تجربة نك روبنسون أظهرت القدرة على خلق هذه المعالم بشكل خيالي وإيحائي حيث لا توجد حقيقة في الواقع، وهو ما يعطي «الواقع الافتراضي» مفهومًا جديدًا. 

الواقع الافتراضي الجديد!

تمثل تكنولوجيا الواقع الافتراضي أحد أحدث التقنيات التي انتشرت انتشارًا واسعًا في العقد السابق، والتي تُستخدم لإنشاء بيئة محاكاة عبر تقنية الفيديو الـ360 درجة والفيديو الثلاثي الأبعاد، والتي تضع المستخدم داخل التجربة وعيشها كأنه فيها، بدلًا من مشاهدتها على شاشة مسطحة، حيث يصبح المستخدمون منغمسين كليًّا في ما يشاهدونه، وقادرين أيضًا على التفاعل معه. 

تكنولوجيا

منذ سنة واحدة
مترجم: تجربة استثنائية.. أم تلتقي طفلتها المتوفاة بفضل تقنية الواقع الافتراضي

أما تقنية «الواقع المعزز» فهي تعمل على خلق محتويات غير موجودة في الواقع، وبثها في الفيديو الذي يصوره المستخدم؛ إذ تظهر تلك المحتويات الخيالية ضمن المشهد الذي يجري تصويره وكأن هذه المحتويات حقيقية.

وأشهر مثال استُخدمت فيه هذه التقنية، لعبة «بوكيمون جو» التي انتشرت حول العالم قبل عدة سنوات، وكانت تجعل اللاعبين يمشون في الشوارع ومن ثم تصورها اللعبة ليجدوا الشخصيات الكرتونية التي تظهر لهم عبر شاشة الهاتف وكأنها موجودة بالفعل في الشارع. 

وإن كان تقنية الواقع الافتراضي والواقع المعزز تحدثان بمعرفة المستخدم، ويكون مدركًا أنه غير حقيقي، فإن «الواقع الافتراضي الجديد» الذي عمل روبنسون على خلقه عبر تجربته، لن يكون الشخص فيه قادرًا على تمييز أن ما يراه ليس حقيقيًّا، بل سيعتقد أنه العالم الحقيقي تمامًا. 

ويمكن القول بأن «الواقع الافتراضي الجديد» إن أصبح قابلًا للتطبيق على البشر، سيكون أشبه بهلوسات يراها الشخص تخلق عالمًا كاملًا «غير حقيقي» وذلك في دماغ الشخص فقط، حيث يرى نفسه في مكان ويكون في حقيقة الأمر في مكان آخر. 

صناعة الهلوسات البصرية والذكريات الكاذبة

بالعودة للحصين، فإن دراسة حديثة أُجريت العام السابق على مرض الفصام، أظهرت ارتباط ضعف الحصين بظهور الهلوسة البصرية، وهي الإدراكات الخاطئة التي يخلقها مخ المصاب بالفصام، أو الأشخاص الذين يعانون من ضعف في الحصين، والتي رجَّح الباحثون حدوثها بنسبة 27% إذا كان الحصين يواجه تغيرات مثل انخفاض في الحجم أو عجز في التنشيط، وهو ما يؤكد فكرة الواقع الافتراضي الجديد الذي يعمل عبر الحصين في خلق أماكن غير موجودة في مخ الشخص. 

ويعني ذلك، أن يكون الإنسان عرضة للتلاعب بعقله بعد التأثير والتلاعب بالحصين، حيث سيُصور للشخص أنه في مكان غير الذي هو فيه، ويصل الأمر إلى التلاعب بالذكريات، بخلق ذكريات جديدة لم تحدث بالفعل للشخص، أو بالقضاء على ذكريات قديمة كانت عالقة بالحصين.

وفيما يخص التلاعب بالذكريات، أكد بحث منشور عام 2013 أن ذكرياتنا لا يمكن الوثوق بها تمامًا كذكريات حقيقية حدثت بالفعل، فعبر الومضات الضوئية التي وُجهت للحصين في الفئران في هذه التجربة، استطاع الباحثون إنشاء ذاكرة غير حقيقية من صناعتهم، عن طريق التلاعب البصري بالخلايا الحاملة للذاكرة في الحصين.  

في المقابل، فإن هذا يَعِد البشر بتحقيق ما حلموا به عبر قرون بالسفر عبر الزمن، ما يجعل من خلايا «الحصين» آلة الزمن التي سينتقل من خلالها البشر في لحظة إلى عالم آخر خيالي يحلمون بالانتقال إليه.   

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد