يثير التوتر الأخير في منطقة الصحراء جنوب المغرب مخاوف المجتمع الدولي من احتمال نشوب نزاع مسلح جديد في المنطقة المغاربية، وما يعني ذلك من تداعيات كارثية على مستوى استقرار المنطقة علاوة على خسائر اقتصادية وبشرية.

وفيما يتمسك المغرب باتفاق وقف إطلاق النار كما تحث الأمم المتحدة، أعلنت جبهة البوليساريو الانفصالية أنها لم تعد ملتزمة بالاتفاق، وذلك بعد عملية مغربية لتأمين معبر تجاري حدودي مع موريتانيا بمنطقة الكركارات.

ويعود يعود نزاع الصحراء إلى سنة 1975، عندما انسحبت إسبانيا من المناطق الصحراوية التي كانت تستعمرها، لتعلن جبهة البوليساريو بعدها تأسيس ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» في منطقة بئر لحلو، بعد انسحاب الاحتلال الإسباني، مُعتبرةً الوجود المغربي، والموريتاني في الصحراء حينئذٍ «احتلالًا»، ثم بدأت حرب عصابات ضد البلدين، لكن موريتانيا انسحبت من المنطقة الصحراوية عام 1978، بينما استمر إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو إلى سنة 1991، بعد تدخل الأمم المتحدة، التي عينت بعثة المينورسو لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار بالشريط الحدودي المنزوع السلاح، الذي تتواجد داخله منطقة الكركارات.

لكن.. ما هي آخر تطورات الوضع في الكركارات؟

أطلقت القوات المغربية عملية في المنطقة العازلة بالكركرات في أقصى جنوب الصحراء، فجر يوم الجمعة، من أجل «تأمين تدفق البضائع وانتقال الأفراد، عبر الطريق الذي يربط المغرب مع موريتانيا»، وذلك بعد أسابيع من اختراق عناصر من جبهة البوليساريو المنطقة العازلة، وإقدامهم على إقفال الطريق ومنع عشرات الشاحنات التجارية من المرور، تحت أنظار بعثة الأمم المتحدة، الهيئة التي تراقب المنطقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم سنة 1991.

وأدت العملية، بحلول مساء ذلك اليوم، إلى إقامة حزام أمني على طول الطريق، وسد الثغرة في الجدار الذي يفصل بين الجانبين في المنطقة الصحراوية الشاسعة، للحيلولة دون تسلل أعضاء البوليساريو إلى المنطقة مرة أخرى، مع تسجيل حادثة تبادل إطلاق نار عابرة، لكن دون أضرار بشرية.

في الوقت ذاته، أكدت وزارة الخارجية المغربية لوكالة فرانس برس، أنّ الأمر «لا يتعلق بعملية هجومية، إنما هو تحرك حازم إزاء هذه الأعمال غير المقبولة»، وأنه تم «وفقًا لقواعد تدخل واضحة تقتضي تجنب أي احتكاك بالأشخاص المدنيين».

في المقابل اعتبرت جبهة البوليساريو العملية «اعتداءً عسكريًا» على حد تعبيرها، وأعلنت وقف اتفاق إطلاق النار، منذرة ببدء الحرب، إذ أصدر الأمين العام للجبهة الانفصالية ورئيسها مرسومًا «لاتخاذ كافة الإجراءات الخاصة بالحرب». كما راسلت الجبهة، التي تدعمها الجزائر وتنادي بانفصال الصحراء عن المغرب، الأمم المتحدة، من أجل عرض المسألة على مجلس الأمن الدولي.

والكركارات هي منطقة عازلة، يصل عرضها إلى خمسة كيلومترات، يتوسطها جدار بين المنطقة التي يسيطر عليها المغرب وعناصر جبهة البوليساريو من الجهة الأخرى، وتُسيّر فيها قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة دوريات منتظمة.

وليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها المنطقة توترًا، ويحاول فيها الانفصاليون إعاقة حركة العبور عبر هذه النقطة، إلا أن المغرب يعتبر المعبر حيويًا للتبادل التجاري مع موريتانيا وأفريقيا جنوب الصحراء؛ ما دفعه إلى التدخل هذه المرة.

إلى أين يتجه الوضع المتوتر في الصحراء؟

حتى الساعة يبدو الوضع هادئًا، واستأنفت حركة المرور للشاحنات التجارية منذ أمس السبت بين موريتانيا وجنوب صحراء المغرب، عبر المعبر الحدودي الكركرات في المنطقة العازلة، وفق ما أكّدته وكالة الأنباء الفرنسية، مستندة إلى مصدر أمني موريتاني ومسؤول مغربي رفيع المستوى. فيما تزعم جبهة البوليساريو استمرار المعارك في عدة نقاط حدودية مع القوات المغربية.

ولم يعلن المغرب إلى الآن وقوع أية مواجهات أخرى في الكركارات أو غيرها من المواقع العسكرية على طول الجدار الدفاعي، الممتد على نحو 2700 كيلومتر، بينما تروج ميليشيات البوليساريو إلى أنها «شنت هجمات على مواقع مغربية وخلّفت خسائر مادية كبيرة»، وذلك بحسب وكالة الأنباء الجزائرية.

وفي حين تؤكد وزارة الخارجية المغربية على أن المملكة «تظل متمسكة بقوة بالحفاظ على وقف إطلاق النار»، أعلنت جبهة البوليساريو أنها أوقفت العمل باتفاق وقف إطلاق النار، الذي ظلّ صامدًا لعقود، ما ينذر بدق طبول الحرب، إذ تعرف الخطوط الحدودية لكل دول المنطقة: المغرب، والجزائر، وموريتانيا، استنفارًا عسكريًا، يشمل حشد الآليات العسكرية والجنود، تحسبا لاحتمال خروج الوضع عن السيطرة.

وأثار التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة، قلق المجتمع الدولي والدول الإقليمية، إذ أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن «أسفه لفشل جهوده في الأيام الأخيرة لتجنب التصعيد»، ودعا كلًا من موريتانيا والجزائر، الدولتين المجاورتين والمنخرطتين في مفاوضات سياسية متوقفة منذ 2019، إلى ضبط النفس.

ودعت بدورها كلًا من فرنسا وإسبانيا إلى «ضبط النفس والحفاظ على وقف إطلاق النار، والعودة إلى المفاوضات السياسية». مثلما عَبَّر الاتحاد الأفريقي عن «قلقه العميق إثر تدهور الوضع والتهديدات الخطيرة المتمثلة بخرق وقف إطلاق النار الساري منذ 1991». وعربيًا دعمت مختلف دول الخليج والأردن خطوة المغرب لتأمين المعبر نحو موريتانيا.

وحسب صحيفة لوموند الفرنسية، التي نقلت عن مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة بنيويورك، فإن المحادثات جارية من أجل عقد اجتماع غير رسمي محتمل لمجلس الأمن، حول التوتر الأخير في الصحراء، خلال الأسبوع المقبل.

الكل خاسر.. تداعيات كارثية في حالة نشوب حرب

في ظل انهيار الوضع في ليبيا، ونشاط الجماعات المسلحة على الحدود الجزائرية والتونسية وبمالي، فإن آخر ما ينقص المنطقة المغاربية هو احتمال نشوب نزاع مسلح في الصحراء جنوب المغرب، خاصة مع تشابك الوضع السياسي والجغرافي هناك، والذي يهدد بإشعال المنطقة المغاربية بأكملها، في حال توسع النزاع إلى الجزائر وموريتانيا.

لذلك فمن المرجح أن يتجه الوضع إلى الهدوء، على الرغم من تهديدات جبهة البوليساريو بإعلانها الحرب، إذ لا يرغب المجتمع الدولي بحدوث صراع جديد في المنطقة، ولا تريد الدول المغاربية، بما فيها المغرب والجزائر وموريتانيا، تعكير استقرارها بسبب مناوشات «متهورة» من عناصر من جبهة البوليساريو، لما قد ينجم عن ذلك من أضرار اقتصادية، وجيوسياسية، وبشرية كارثية على كامل المنطقة.

لكن على جان آخر، يظل احتمال أن تقوم ميليشيات البوليساريو بمناوشات محدودة ضد القوات المغربية على طول خط الحدود، قبل أن تذعن للضغط الدولي وداعمتها الجزائر خصوصًا، أمرًا قائمًا.

لكن هذا التصعيد الأخير، بدون شك سينشط الجدل حول ملف الصحراء في المجتمع الدولي والمنطقة، بعدما شهد ركودا خلال السنوات الأخيرة، ويشعل معركة جديدة على مستوى الإعلام والشبكات الاجتماعية؛ وما يعني ذلك من بروباجندا وأخبار زائفة.

ويأمل مراقبون بقبول جبهة البوليساريو حل المغرب، المتمثل في الحكم الذاتي، وطي هذا الملف نهائيًا، الذي يعطل سيرورة التنمية والديمقراطية في دول المنطقة، ويزرع الأحقاد بين الشعوب، ويلتهم ميزانيات هائلة من الأموال في شراء السلاح، كانت لتفيد المواطنين في كل أرجاء المنطقة المغاربية المرهقة بالفقر والبطالة.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
هل ستتخلى الجزائر عن قضية الصحراء الغربية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد