مَن هذا المسلم صاحِب عيون الصقر الذي شاهد قلادة “الله” على صدر ممثلٍ في تسجيلٍ مصور لأغنية “الحصان الأسود” للمغنية كاتي بيري؟

هذا السؤال طرحته “بينا شاه” في صحيفة الإندبندنت البريطانية، في صدر مقال لها بعنوان “فكرة أن كاتي بيري تهدف إلى إهانة الإسلام في تسجيلها الجديد “الحصان الأسود” مثير للسخرية”، في إشارة إلى عريضة الاحتجاج التي دشنها شازاد إقبال، من برادفورد غرب يوركشاير، ووقَّع عليها أكثر من 65 ألف شخص.

صحيحٌ أن حملة “إقبال” أسفرت عن “محو” القلادة من التسجيل باستخدام تقنية إلكترونية، ما أسعده فقال: “أشعر أن الأثر الذي أحدثناه وإجمالي عدد التوقيعات التي تم الحصول عليها يعكسان قيمة هذا الهدف.. إنها خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح”، إلا أن “بينا شاه” ترى أن الأمر مبالغ فيه، وأعربت عن شعورها بألا شيء حقًّا يستحق الاحتفال، واصفة الفكرة برمتها بأنها “مثيرة للسخرية؛ لدرجة أنني لا أعرف حقًّا من أين أبدأ”، مضيفة: “في الواقع، أريد أن أصف هذا الفيديو كعلاج للاكتئاب؛ لأنه جعلني أضحك بشدة حين شاهدتُه”، فبهذه الصورة التي جسدت بها “كاتي” الملكة المصرية القديمة، ترى “بينا” أن المغنية متهمة بأكثر من مجرد إهانة الإسلام؛ متوقعة أن تشمل قائمة العرائض الاحتجاجية المحتملة مساحة كبيرة لعلماء المصريات، وعشاق فيلم أفاتار، ومشجعو مايكل جاكسون، وصناع فيلم كليوباترا.

لكن ثمة شيئين لم يجعلا “بينا” تضحك: الأول؛ إدمان المسلمين على وصف كل شيء بالـ”هجومي”، وإطلاق مشاعرهم كما لو كانت هراوة لقرع الرؤوس. والثاني؛ تصوير وسائل الإعلام الغربية هذه المشاعر الهامشية كما لو كانت معتقدًا سائدًا بين مليار ونصف مسلم حول العالم. فالإسلام لا يصنع قوالب – بحسب “بينا” – وفي مقابل المئات الذين وقعوا على العريضة، يوجد أضعاف غيرهم لم يسمعوا قط بـ “كاتي بيري”!

لن تصيب “بينا” الدهشة إذا وَجدَت خطب الجمعة في المساجد تندد بالفيديو، ولا تستبعد أن تُحرَق دمى المغنية في شوارع القاهرة وكراتشي، أو يتحمَّس صبي غاضب لالتقاط صورة لنفسه وهو يحرق صورتها في الاحتجاج، وتراهن في المقابل على أن وسائل الإعلام الغربية ستغطي الحدث كما لو كان مفتي القدس أصدر فتوى ضد “كاتي”، أو أن جميع مسلمي العالم خرجوا عن بكرة أبيهم لإدانتها وإلقائها في آتون الجحيم.

وهكذا تدور العجلة، أو كما يقول الكاتب الأمريكي، كورت فونيجت: “ستستمر وسائل الإعلام في التغذي على الاهتمامات الهامشية، والعكس، بينما بقية العالم إما يتأوه أو يغير المحطة في المرة القادمة التي تظهر فيها أغنية “الحصان الأسود”، التي حظيت حتى الآن بأكثر من 52 مليون مشاهدة على يوتيوب”.

 هل يذكرك هذا بشيء (Dejavu)؟

ربما بـ فيلم “براءة المسلمين” لمنتجه نيقولا باسيلي نيقولا، الذي أثار موجة من التظاهرات والغضب في العالم الاسلامي، تسببت في مقتل 30 شخصًا في حوالي 20 دولة.

أو بـ جيرت فيلدرز؛ المغمور الباحث عن الأضواء، الذي تزداد شهرته مع تعالي أصوات الاحتجاج ضده؛ لذلك تجده يخترع إساءاتٍ جديدةً كلما خبت أصوات المتظاهرين ضد تُرَّهاته القديمة.. فهو يعيش في عالمٍ لخصته بي بي سي في كلمتين “الاحتجاج والشهرة”؛ فبدون الأولى ينضب وقوده، وبعيدًا عن الثانية ربما انتحر.

وربما “تيري جونز”؟ مهلاً.. ألا تعرفه؟ إنه ذاك القس المغمور الذي أعلن عزمه حرق القرآن منذ سنوات.

حسنًا.. يجدر بنا الآن التوقف مليًّا أمام ما كُتِبَ حينها، لنتعلم أنه لا أحد يتعلَّم؛ والدليل أن التجربة تتكرر بلا توقف.

وقتها قال إد رولينز، السياسي البارز، والمساهم في شبكة (سي إن إن)، والمستشار السياسي الجمهوري الذي خاض حملة انتخابات الإعادة مع رونالد ريغان عام 1984: “إذا سقطت شجرة في غابة على رأس تيري جونز، أحد مواطني جينيسفيل بفلوريدا، في يوم 11 سبتمبر (يوم عزمه حرق القرآن) هل كان أحد سيهتم غير الخمسمائة شخص من رواد كنيسته؟ هل كانت تلك الشجرة ستحدث صوتًا أعلى من صوت الموت؟ قبل أسابيع قليلة لم يكن أحد يعرف بأن هذا القس موجود. لماذا إذًا أصبحت تهديداته المتهورة والأنانية بحرق مئات النسخ من المصحف قصة قومية لهث وراءها 12 ألف مقال، بحسب موقع جوجل الإخباري، بل وجعلت وزارة الخارجية ووزير الدفاع وكثير من الأشخاص البارزين يتركون أعمالهم ليُهدئوا من غرور الرجل، قائلين: إن أفعاله قد تعرض حياة جنودنا حول العالم للخطر؟ هل فقدنا عقولنا؟ من المؤسف أن نعيش في هذا العصر، حيث يشعل أحدهم النار على خشبة المسرح، ثم لا يحرك أحدهم ساكنًا لاعتقاله، بل لفتح نافذة له في برامج الصباح. وللمرة الأولى في تاريخنا أصبحت الأحداث الجارية، بغض النظر عما إذا كانت ذات صلة أم لا، أخبارًا عاجلة! من يهتم؟ هل حقًا هذه المسألة هامة؟ سؤالان ينبغي أن يكونا على رأس المبادئ التوجيهية لوسائل إعلامنا. وجميعنا يعرف تداعيات أن يقوم شخص لا مسئول باستخدام الإعلام لبث رسائل الكراهية. سنكون الأكثر فقرًا إذا استبدلنا بشعار (كل الأخبار التي تستحق النشر) ـ الذي ظهر على رئيسية نيويورك تايمز منذ العام 1896ـ شعارَ (أرسل لنا أي خبر مثير لنملأ به صفحاتنا وفترة بثنا على مدار الساعة). إن التعديل الأول للدستور يكفل لنا قول ما نريد، لكنه لا يسمح للمنظمات الإخبارية بنشر أو بث كل ما يحدث”.

يقول أرسلان إفتخار، المحامي المتخصص في مجال حقوق الإنسان الدولية، ومؤسس TheMuslimGuy.com، والمحرر المساهم في مجلة Islamica: “حينما يهدد أحد غرباء الأطوار من أعضاء الجماعات السياسية أو الدينية في أمريكا بارتكاب حيلة دعائية من شأنها إثارة غضب الملايين من الأبرياء بلا مبرر، تخبرنا فطرتنا السليمة بأن إعلامنا ينبغي ألا يعطي هذا الشخص فرصة للظهور، لكن بسبب التركيز الإعلامي، بدأنا نرى آخرين يقلدون!”.

وفي هذا السياق يقول “بوب ستيل”، مدير معهد جانيت بريندل للقيم، والمتخصص في أخلاقيات الصحافة بمعهد بوينتر: “الصحافة أداة قوية، لكنها خطيرة جدًا؛ إذا استُخدِمت بحكمة ومهارة فبإمكانها تقديم محتوى واقعي وقوي، ومن ثم تصبح أداة إعلامية هادفة، أما إذا استُخدِمَت بعبثية ولا مسئولية، فبإمكان تلك الأداة الصحفية إحداث أكبر الضرر. وللأسف، أثبتت التجارب أن العديد من الصحفيين والمنظمات الإخبارية يتخلون بسهولة عن قواعد المهنة ومعاييرها الأخلاقية في خضم سعيهم للبحث عن قصة مثيرة للجدل”.

“العالم حولنا مليء باللاهثين وراء الشهرة، المستعدين لفعل أي شيء للفت الانتباه إليهم؛ وليحظى هؤلاء على بغيتهم، ليس عليهم فعل الكثير: مجرد تهديد استفزازي يجعل الإعلام كالخاتم حول إصبعهم لأيام. لكن كيف يمكن تجنب مثل هذا الوضع، ذي الآثار الضارة في أماكن كثيرة حول العالم؟ الأمر بسيط- بحسب فرح أكبر، الصحفية التي تعيش في نيويورك، وتكتب في جوثام جازيت، والأهرام ويكلي -: لا تدعوا هؤلاء الأشخاص المغمورين، ولا أفعالهم المحرضة على العنف، تهيمن على دورة الأخبار”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد