«هل حانت نهاية الصحافة الورقية في المغرب؟» سؤال يؤرق العاملين في الصحف الورقية المغربية، بعد التراجع المهول لمبيعات الجرائد خلال هذا العام، بشكل يهدد سوق الصحافة الورقية بالإفلاس؛ نتيجة النزوح الجماعي لقراء الصحف نحو المواقع الإلكترونية.

أرقام صادمة لمبيعات الصحف في المغرب

في آخر إحصائية حديثة، كشف فيها مكتب مراقبة توزيع الصحف بالمغرب (لوجيدي)، عن تراجع حاد لمبيعات اليوميات الثلاث الأكثر انتشارًا في المغرب، والتي تسيطر على سوق الصحافة الورقية بنسبة أكبر من 80%، مقارنة مع آخر تصنيف في 2015.

ويورد مكتب «لوجيدي» في تقريره لقياس مدى انتشار الصحف بالمغرب، أن صحيفة «المساء» فقدت ما يزيد عن 20 ألف نسخة من مجموع النسخ الموزعة سنة 2015، لتقف عن حد توزيع 47 ألفا و453 نسخة فقط، فيما تهاوت مبيعات صحيفة «الأخبار»، بفقدانها لما يناهز تسعة آلاف نسخة مقارنة مع العام الماضي بتوزيع يبلغ 55 ألفًا و162 نسخة، بينما فقدت جريد «الصباح» سبعة آلاف نسخة لتتوقف مبيعاتها عند حد 38 ألفا و784 ألف نسخة.

عدوى سقوط مبيعات الصحف الورقية، وصلت أيضًا الصحافة الناطقة بالفرنسية، التي عادة ما تمتلك جمهورًا نخبويًا، بالإضافة إلى سيطرتها على حصة سوق الإشهار بالمغرب، إلا أن ذلك لم يمنع تراجع مبيعاتها، فعلى سبيل المثال، صحيفة «الايكونوميست» الأكثر انتشارًا في المغرب بين الصحف الناطقة بالفرنسية، فقدت أكثر من ألف نسخة مقارنة مع تصنيف مكتب «لوجيدي» في 2015، بتوزيعها 16 ألف و608 نسخة.

ويأتي هذا الهبوط الحاد للصحافة الورقية بالمغرب في سياق تهاوي مبيعات الصحف المغربية المتواصل منذ سنوات؛ إذ سبق أن تراجع أصلًا معدل انتشار الصحف المغربية في سنة 2014 بنسبة %24.1 مقارنة بما كان عليه الحال عام 2008؛ لتتعمق أزمة سوق الصحافة الورقية في المغرب مع الأرقام الحديثة الصادمة.

هذا ويُشار إلى أن مبيعات سوق الصحافة الورقية، جرائد ومجلات وأسبوعيات، لا تتجاوز في المغرب 200 ألف نسخة يوميًا، مع العلم أن الجمهور المفترض، القادر على القراءة، يصل إلى عشرين مليون فرد على الأقل في البلاد، إذا ما أنقصنا نسبة الأمية وعدد الأطفال من مجموع السكان الكلي.

إفلاس اقتصادي يتهدد الصحف المغربية

لا يبدو تراجع الصحافة الورقية في المغرب أمرًا استثنائيًا؛ إذ تعرف شتى الدول الظاهرة بدرجات متفاوتة في سياق الزحف الرقمي، غير أن هذا السقوط المطرد الذي تشهده الصحف المغربية، يُعجل بنهايتها قريبا؛ مما يثير قلق المعنيين بهذا السوق.

يرتبط تدهور الصحافة الورقية بأزمة القراءة بشكل عام في المغرب بدرجة أولى، ولاسيما أن قراء الصحف الفعليين في المغرب يقل عددهم بكثير حتى مقارنة مع الدول العربية. لنأخذ مثالًا على ذلك، جريدة «الشروق» الجزائرية التي تبيع مليون نسخة يوميًا، فهي تتفوق على كل المؤسسات الإعلامية العاملة في السوق الورقية بالمغرب مجتمعة بثلاثة أضعاف من حيث المبيعات اليومية، علمًا أن الوضع الاجتماعي والسكاني للجزائر يعادل تقريبًا الوضع في المغرب.

 

 

وسبق في هذا الصدد، أن صرّح وزير الثقافة المغربية بأن «القارئ المغربي، لا يقرأ إلا دقيقتين في السنة، في حين أن القارئ الأوروبي يقرأ 200 ساعة في السنة»؛ ما يشير إلى تسمم البيئة المحيطة بالناس؛ لتغدو غير صالحة لانتشار سلوك القراءة؛ بفعل الظروف الاقتصادية والثقافية والنفسية المتدهورة في البلد، وهو ما يحرم ـ تلقائيًا ـ الصحف الورقية من كتلة واسعة من الجمهور المفترض.

من جهة أخرى، ارتفعت تكاليف صناعة الصحافة الورقية؛ بعد زيادة أسعار الحبر والورق والطباعة، علاوة على النقل، في الوقت الذي فيه تضاءل سوق الإعلانات، ولتغطية هذا العجز المالي، لجأت كافة الصحف المغربية العام الماضي إلى زيادة درهم واحد في ثمن الصحيفة؛ الحل الذي عمّق أزمة مبيعاتها؛ بعد تناقص نسخها الموزعة.

ناهيك عن انتشار عادة القراءة المجانية للصحف في المقاهي؛ حيث صرح 63% من القراء، أنهم يقرؤون الجرائد في المقاهي، دون الاضطرار لشرائها، بحسب دراسة في الموضوع؛ ما يضرب الهاجس الاقتصادي للصحف في مقتل.

وفي ظل ضعف كتلة الجمهور القادر على القراءة، وازدياد تكاليف الصناعة الإعلامية الورقية، إضافة إلى تناقص المبيعات المطرد، يتهدد العديد من الجرائد المغربية مصير الإغلاق.

الصحافة الإلكترونية تسحب البساط من الجرائد الورقية

وفي مقابل تراجع قطاع الصحف الورقية، يظهر أن سوق الصحافة الإلكترونية يزداد انتعاشًا في المغرب، فبحسب دراسة أطلقتها وزارة الاتصال بعنوان «الكتاب الأبيض لتأهيل الصحافة الإلكترونية بالمغرب»، فإنّ عدد المواقع الإلكترونية الصحافية بالمغرب بلغ 500 كيان صحافي إلكتروني، لكن المعترف به رسميًا (الحاصل على ترخيص) لا يتجاوز 120 مؤسسة صحافية إلكترونية، يتقدمها كل من موقع «هسبريس»، و«شوف تيفي»، و«لكم»، و«كود»، و«هبة بريس».

وترجع دراسة أنجزتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تراجع مقروئية الصحف إلى زحف الإنترنت والصحافة الإلكترونية، نتيجة المنافسة غير المتكافئة بين الجانبين.

وتوفر الصحافة الإلكترونية إمكانات غير متوفرة في الصحافة الورقية، فيمكن قراءتها مجانًا، ويسهل تصفحها في أي مكان، وفي أي وقت، ما دام جهازك الخاص متصل بالإنترنت، كما أن المواقع الإلكترونية تتميز بالحيوية والتفاعلية والعرض الشيق؛ إذ يمكن للمتصفحين القراءة ومشاهدة الفيديو والمشاركة بالتعليق والنقد في آن واحد، الأمر الغائب عن الصحافة الورقية بشكل تام.

وتتميز الصحافة الإلكترونية أيضًا بسرعة نقلها للأخبار، ومتابعة التطورات أولًا بأول، وأحيانًا تصل إلى التغطية المباشرة للأحداث عبر خدمة البث المباشر، كما حصل في احتجاجات الحسيمة مؤخرًا، في حين تتأخر الجرائد في نقل الأحداث بيوم كامل بعد وقوعها، ناهيك عن مساحة الحرية الزائدة لدى الصحافة الإلكترونية.

 

 

لكن أبرز سبب في تفوق صحافة الإنترنت على الصحف الورقية يكمن في انخفاض تكلفة تدبيرها؛ إذ تستغني المواقع الإلكترونية عن تكاليف الحبر والورق والنقل وكثير من العاملين، وهي الأشياء التي تكلف الجرائد مبالغ طائلة؛ الأمر الذي حدا بتوجه الاستثمارات والإعلانات نحو الصحافة الإلكترونية.

على صعيد آخر، ساهم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «فيسبوك» و«تويتر»، في ترسيخ ثقافة قراءة مواد الصحف الإلكترونية بين متصفحي الإنترنت بالمغرب، من خلال ترويج منشورات الأخبار والتقارير الخاصة بها على الشبكات الاجتماعية الواسعة الانتشار في البلد.

ويبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب 13.7 مليون مستخدم، محتلًا بذلك المرتبة الثانية في الدول العربية بعد مصر، فيما يتجاوز عدد مستعملي «فيسبوك»، 11 مليون شخص، حسب وزارة الاتصال؛ ما يؤكد تنامي استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وسط المغاربة بين جميع الشرائح؛ الأمر الذي يصب في مصلحة الصحافة الإلكترونية، ويزيد من سحب القراء من الجرائد نحو الوسط الإلكتروني.

أمام هذا الخطر المحدق بالصحافة المكتوبة، اختارت معظم المؤسسات الصحفية الورقية تأسيس مواقع إلكترونية موازية خاصة بها احتياطًا، فأنشأت جريدة «المساء»، موقع «نون بريس»، وأسست جريدة «أخبار اليوم»، موقع «اليوم24»، فيما تحولت العديد من الصحف والمجلات إلى مواقع إلكترونية بشكل كامل، كان آخرها الجريدة الأسبوعية الساخرة «بابوبي».

وينصح خبراء الصحافة المؤسسات الإعلامية الورقية بالتركيز على صحافة التحليل والتحقيق، الورقة الوحيدة بالكاد التي تستطيع بها الصحف المغربية المكتوبة ضمان البقاء في عالم الإعلام، وهي الميزة التي تفتقدها الصحافة الإلكترونية بالمغرب.

اقرأ أيضًا:

 

الصحافة الإلكترونية في المغرب تتقدم كمًّا فقط

عرض التعليقات
تحميل المزيد