تتطلب طبيعة العمل الصحفي الاطلاع على مواد مصورة ومسجلة مؤذية للعين والنفس البشرية، وتعتبر مقاطع الفيديو التي يصورها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بعضًا من المقاطع المصورة الكثيرة المشتملة على مشاهد الذبح والإعدام والحرق للأحياء، حيث تعتمد عليها الجماعات إلارهابية المسلحة حول العالم لإبراز قدراتها وبث الرعب في نفوس من يعارضها.

ورغم كل النقاشات التي دارت حول هل يجب على القنوات الإخبارية التلفزيونية أو المواقع الإخبارية الإلكترونية بث المقاطع التي تحتوي على مشاهد القتل والعنف، فإن قناة فوكس نيوز الأمريكية أعلنت موقفها منذ إطلاق داعش مقطعها الذي يصور حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، معلنة أنها سوف تبث المقطع كاملا، والمثير للاستغراب أن مثلما جاء للقناة ردود أفعال تستنكر القرار فقد جاءت ردود أفعال أخرى تمدحه.

ويبدو أن النقاش حول ما فعلته فوكس نيوز يتناول الأذى الذي يمكن أن يلحق بالمشاهدين، ولكن ماذا عن الصدمات النفسية التي يمكن أن يتعرض لها الصحفيون المطلوب منهم الاطلاع على الفيديوهات والصور الدموية وتناولها بالشرح والتحليل؟

كان هذا هو السبب الرئيسي لتأسيس مدرسة الصحافة الكولومبية “مركز دارت للصحافة والصدمة”، والذي يخدم الصحفيين ويساعدهم على التعامل مع المشاهد الدموية التي يتعرضون لها خلال عملهم يوميا، حيث يضم المركز العديد من الخبراء في مجالي الصحافة والطب العقلي والنفسي.

يقول بروس شابيرو المسؤول التنفيذي لمركز دارت أنه يجب على غرف الأخبار متابعة الآثار النفسية والعقلية التي تلحق بالصحفي إذا تعرض لمشاهدة المقاطع الدموية أثناء عمله اليومي، ويضيف أن المراسلين الحربيين ليسوا هم الصحفيون الوحيدون الذين يتعرضون لخطر الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة.

يصف شابيرو كون انتشار المقاطع الدموية ليس هو المسبب المباشر والوحيد لاضطرابات ما بعد الصدمة خصوصا أن الصحفي يعمل تحت ضغط عامل السرعة ومسابقة الوقت، ولذلك يكون الموقف الطبي للصحفيين المتعرضين لتلك الفيديوهات والضغوطات محيرًا بشكل كبير للأطباء والخبراء.

ويشير شابيرو إلى أن أحد التحديات التي تواجه وكالات الأخبار هي إسناد مهمة التدقيق في مقاطع الفيديو الدموية وتحليلها وبيان صحتها إلى صحفيين أقل خبرة وأصغر عمرًا وأقل تعرضًا لتلك المواد، ما يعني أن تأثير الفيديوهات عليهم سيكون أكبر.

مثل هذا الأمر تواجهه وكالة ستوريفل الإخبارية الاجتماعية – التي اشترتها نيوزكورب مقابل 25 مليون دولار في ديسمبر 2013 – حيث تواجه تحديات شديدة متعلقة بالصحة العقلية والنفسية لصحفييها، فطاقم الوكالة يعمل على مدار الساعة للتدقيق والتأكد من المحتوى المقدم من المستخدمين، ففي كل لحظة من أوقات عمل الصحفيين في ستوريفل فإن هناك من 6-12 صحفيًا مطلوب منهم تتبع وتحليل والتدقيق في محتوى مقدم من مستخدمين.

فيؤكد ديفيد كلينش محرر جلوبال نيوز أن ستوريفل تحافظ على سياسة صارمة حول الضغط الذي يتعرض له طاقمها جراء الاطلاع على المقاطع الدموية المؤثرة، حيث أن المقطع المتوقع احتواؤه على مشاهد فظيعة ودموية يطلب من أحد الصحفيين الكبار الاطلاع عليه أولا، ولا تطلب الوكالة من أحد صحفييها المتدربين أو الجدد أو غير الخبراء تفقد تلك المقاطع البشعة.

ويعود شابيرو ليحمِّل كلا من الصحفيين ومديريهم مسؤولية التعرف على اضطرابات ما بعد الصدمة وكيفية التعامل مع الإصابة بها أو الوقاية منها، حيث من مسئوليات الصحفيين وقاية أنفسهم من التعرض لتلك الاضطرابات. وأن علاج اضطرابات ما بعد الصدمة يجب أن يكون أحد المسائل الصحية المهنية في أي كيان إخباري، حيث تتحمل المؤسسة مسؤولية علاج الصحفيين من تلك الاضطرابات.

وكانت وكالة ستوري فل قد تعاونت مع مركز دارت حيث اعتمدت المركز كأحد كيانات الدعم فيها، وتتبع ستوري فل توجيهات المركز للتعامل مع المواد المحتمل أن تسبب اضطرابات وصدمات حيث تلتزم بعدد ساعات معينة للصحفيين وأوقات راحة دورية ومراعاة التناوب بين الصحفيين، بالإضافة إلى القضاء على الضغط المتكرر غير الضروري الذي يتعرض له العاملون.

وهو ما يؤكده كلينش ليبين: كون المديرين في ستوري فل يتلقون تدريبا للصحة النفسية على الدوام، فيكونون مصدرًا للتعليمات التي يتلقاها الصحفيون في الاجتماعات الداخلية بحيث تخبر الوكالة الصحفيين على الدوام أن الدعم النفسي أو العلاج من أي اعتلال يشعرون به متوافر باستمرار.

ويعتبر آندي كارفين كبير المحررين في موقع ريبورتد دوت لي أن ستوريفل نموذج يجب أن يحتذى به في المحافظة على الصحة النفسية والعقلية للصحفيين، ويشيد باهتمام الوكالة بهذه المسألة واعتبارها أولوية منذ البداية.

وقد شاهد أندي كارفين في 3 فبراير الماضي لأول مرة أحد فيديوهات تنظيم الدولة الإسلامية وهو المقطع الذي يصور حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، فيقول أنه صدم بالفعل من تلك التجربة وخشي أن يصدم قراءه ومتابعيه. لكنه ينصح زملاءه الصحفيين أن يتحدثوا علانية عن معاناتهم جراء مشاهدة أحد المقاطع الدموية ولا يخشوا طلب المساعدة الطبية من مؤسستهم أو المساندة الاجتماعية من زملائهم.

يختم شابيرو حديثه بأنه عليك كصحفي أن تفهم أن إصابتك نفسيًا ليست مماثلة للتأثير الذي يلحق بالمشاهدين والمتابعين، وإنما يؤثر ذلك على تعاملك وتفاعلك مع الزملاء في غرفة الأخبار، وأحد أوجه التعاون هو أن تتحدث إلى مديرك المباشر أو زملائك إذا واجهت ضغطًا زائدًا نفسيا.

ويؤكد شابيرو أن مسألة الضغط النفسي أو الاعتلال العقلي الذي يمكن أن يتعرض له الصحفيون في الأيام الحالية ليس بجديد، وإنما هي قضية موجودة منذ عمل المراسلين في مناطق الصراعات والحروب، وكانوا يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة جراء عملهم هناك.

وأخيرًا يتوقع شابيرو أن تستمر النقاشات حول كيفية وقاية الصحفيين من اضطرابات ما بعد الصدمة أو مساعدتهم على الاستمرار في مجالهم الصحفي إذا تعرضوا لهذا الاعتلال.

علامات

إعلام, داعش, صحافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد