لعلكم تعرفون السير إسحاق نيوتن بأنه رجل التفاحة والجاذبية الشهير، ولكن ما تم نقشه على قبره في كنيسة وستمنستر بالعاصمة البريطانية لندن، يلمح إلى أن الرجل قدم عجائب أخرى أكبر. ووفقًا للنصوص اللاتينية المنحوتة على القبر، فإن الشخص المدفون داخله ليس مجرد رجل عظيم، ولكنه أعظم العظماء الذين عاشوا على الأرض، من ناحية العلم.

النقوش تقول إن نيوتن سبب فرحة للبشرية الفانية كلها، لأنه لم يسبق أن عاش رجل عظيم مثله في تاريخ السباق العلمي البشري، وأنه يعد زينة العلم الإنساني وفخره كله. لكن الكثير من العلماء والباحثين والمتخصصين وحتى العامة، يعتبرون أن هذه النوعية من المديح هو أمر مبالغ فيه جدًّا، ويثير كثيرًا من السخرية.

نيوتن هو ابن أحد المزارعين غير المتعلمين، وقد تُوفي وهو رجل موسوعي حقيقي متعدد الجوانب الثقافية، فقد حاز على درجات الماجستير في كل من علم الفلك، والكيمياء، والرياضيات، والفيزياء، وعلم اللاهوت. أدى فضوله الذي يتميز بأن لا نهاية له به لمعالجة المشاكل الضئيلة، مثل القطط التي تتبول على السجاد، كما كان مبالغًا إلى درجة بحثه عن الهدف النهائي للبشرية في هذا الكون.

العديد من اختراعات نيوتن، واكتشافاته، وأفكاره الطائشة أعطت لنا لمحات عن هذا العقل الأسطوري. فماذا قدم للبشرية؟

مدفع نيوتن المداري

في إطار عرض نيوتن لقوانينه الخاصة بالجاذبية الكونية، وصف نيوتن جبلًا عملاقًا قمته ممتدة نحو الفضاء، قمة الجبل هذه هي المكان حيث وضع نيوتن المدفع العملاق. نيوتن لم يكن يخطط لإطلاق النار على الكائنات الفضائية، لكن هذا المدفع المداري كان تجربة فكرية لشرح كيف يمكن لجسم معين أن يدور في مدار حول جسم آخر. عبر تحميل القليل جدًّا، أو الكثير جدًّا من البارود في هذا السلاح النظري، فإن القذيفة التي سيطلقها إما ستسقط على سطح الأرض، وإما تبحر باتجاه الفضاء الخارجي.

لكن عبر تحميل كمية محددة من البارود يمكن أن نمنح القذيفة قوةً وسرعةً معينة، تجعلها لا تسقط ولا تنطلق للفضاء، ولكن تدور في مدار دائري حول الأرض. وذلك لأن القذيفة ستظل في حالة سقوط حر حول الأرض لكنها ستنشئ سرعة دائرية مكافئة لقوة جذب الأرض، فتظل القذيفة تدور، ولا تسقط على سطح الأرض.

هذه النظرية المذهلة كانت هي الأساس الذي اعتمد عليه العلماء لاحقًا لإطلاق الصواريخ، والمركبات الفضائية، والأقمار الصناعية إلى مداراتها حول كوكب الأرض.

رسم توضيحي 1 مدفع نيوتن الفضائي

أبواب القطط

في الوقت الذي كان فيه نيوتن لا يتخيل مدافع الفضاء، أو يحاول معرفة ما يحمله الكون من ألغاز، كان يشغل عقله الجبار في بعض المشاكل الأخرى، مثل الطرق التي تجعلنا نحافظ على أبواب المنزل دون خدوش تتسبب فيها القطط.

نيوتن لم يتزوج في حياته قط، وكان يملك عددًا قليلًا من الأصدقاء، لكنه قام بإفساح المجال في حياته للقطط والكلاب. وتختلف المصادر في شرح سبب تعلق نيوتن بالقطط والكلاب، فبعض المؤرخين المعاصرين أطلق عليه وصف «محب الحيوانات»، بينما تقول روايات أخرى مشكوك في صحتها، إن الأمر متعلق بكلب يدعى دياموند.

قصة هذا الاختراع جاءت نتيجة تجارب نيوتن في جامعة كامبريدج، التي كانت تتوقف باستمرار بسبب القطط التي تخدش باب مكتبه، لذلك استدعى النجار، وأخبره بعمل ثقبين، ثقب واسع للقطة الأم، وآخر لصغيرها. وبطبيعة الحال، كانت تمر جميع القطط الصغيرة والكبيرة عبر الثقب الأكبر، فظل الثقب الأصغر دون استخدام.

من هنا فإن نيوتن كان هو المسؤول عن اختراع أحد أهم الإضافات المميزة للحيوانات، وهي الفتحات التي توجد في الأبواب لعبور القطط والكلاب، والتي لا يخلو منها بيت تقريبًا في الولايات المتحدة وأوروبا.

قوانين الحركة الثلاثة

لعلها أشهر قوانين فيزياء الحركة أو الديناميكا كلها، قوانين الحركة الثلاثة لنيوتن، التي عرضها عام 1687. القانون الأول نص على أن الجسم الساكن يظل ساكنًا، والجسم المتحرك يظل متحركًا ما لم تؤثر فيه قوة تغير من حالته. والقانون الثاني الذي ينصل على اكتساب الجسم لعجلة معينة عندما تؤثر فيه قوة. والقانون الثالث هو لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه.

الآن يظن البعض منا أن هذه القوانين الثلاثة أصبحت أمرًا مفروغًا منه، لكن لعلنا نذكر أنه منذ فترة الإغريق وحتى ما قبل ظهور نيوتن، كان هناك صراع فكري وعلمي بين العلماء لتوضيح المفاهيم الأساسية للحركة. ورغم بساطة هذه القوانين، وهي أحد أبرز مميزاتها، فإن قوانين نيوتن الثلاثة تمكن العلماء من فهم حركة كل شيء من الجسيمات دون الذرية إلى المجرات المتصاعدة.

رسم توضيحي 2 طابع تذكاري لإسحاق نيوتن

التفاضل والتكامل

سواء كان صفك الدراسي الخاص بحساب التفاضل والتكامل في المدرسة الثانوية، قد فجر عقلك أو سحق روحك، فيمكنك إلقاء اللوم كله على إسحاق نيوتن. الرياضيات هي النظام الذي يمكن من خلاله قياس الشبكة الداخلية للكون وما يحدث بها، ولكن مثل العديد من العلماء في عصره، وجد نيوتن أن علمي الجبر والهندسة القائمين في ذلك الوقت، ببساطة لم يكونا كافيين لتلبية الاحتياجات العلمية له. وربما يقول البعض إنه حتى الرياضيات المتطورة المعاصرة، ليست متطورة بما فيه الكفاية لنيوتن.

علماء الرياضيات في ذلك الوقت كان يمكنهم حساب سرعة السفينة، لكنهم لم يستطيعوا معرفة المعدل الذي كانت تتسارع به السفينة، كان يمكنهم قياس زاوية إطلاق قذيفة المدفع الموجود على سفينة حربية، لكن لم يكن لديهم طريقة لحساب الزاوية التي من شأنها أن ترسل تسديدة صاروخية أبعد. إذن، فما كان علماء الرياضيات في ذلك الوقت يحتاجونه هو وسيلة رياضية لحساب المشاكل التي تنشأ من تغيير عوامل متغيرة معينة.

كانت هذه هي المشكلة التي واجهها نيوتن عندما ضرب وباء «الطاعون الدبلي» إنجلترا في ربيع عام 1665. فكلما سقط قتلى جدد في الشوارع نتيجة الوباء، كانت منطقة كامبردج تغلق أبواب محلاتها بصورة أكبر. هنا قضى نيوتن 18 شهرًا لصياغة أصول ما أسماه «علم التغيرات»، وهو الذي تحول لاحقًا إلى علم التفاضل والتكامل.

علم التفاضل والتكامل، هو أداة هامة وحيوية لعلماء الفيزياء والاقتصاديين وعلماء الاحتمالات والإحصاء، هذا العلم هو الذي مكن مهندسي سفينة الفضاء أبوللو من رسم مسار السفينة من الأرض إلى القمر في ستينات القرن الماضي.

قوس قزح

هل يمكن لك أن تتخيل أن يهرب قوس قزح بأسراره بعيدًا عن عقل جبار مثل عقل نيوتن؟ في عام 1704، كتب نيوتن كتابًا عن انكسار الضوء، والذي أطلق عليه اسم «Opticks»، وهو الكتاب الذي كوّن طريقة تفكيرنا فيما يتعلق بالضوء والألوان.

عرف العلماء في تلك الفترة أن قوس قزح يتشكل عندما ينكسر الضوء وينعكس في قطرات المطر، ولكنهم لم يكونوا يعرفون السبب وراء ألوان قوس قزح، لماذا تظهر هذه الألوان. عندما بدأ نيوتن أول دراسته في جامعة كامبريدج، كانت النظرية الشائعة هي أن المياه مصبوغة بطريقة أو بأخرى، بواسطة أشعة الشمس بألوان مختلفة.

باستخدام مصباح ومنشور، أجرى نيوتن تجربة عن طريق تمرير الضوء الأبيض من خلال منشور؛ لفصلها إلى قوس قزح من الألوان. كانت خدعة المنشور شيئًا جديدًا، ولكن العلماء في ذلك الوقت افترضوا أن هذا المنشور يتسبب في تلوين الضوء. وعند عكس الأشعة المتفرقة في منشور آخر، تمكن نيوتن من إعادة تجميع هذه الأشعة الملونة إلى الضوء الأبيض، وإثبات أن الألوان كانت سمة وصفة مميزة من الضوء نفسه.

رسم توضيحي 3التليسكوب العاكس أحد أبرز إسهامات نيوتن

التليسكوب العاكس

ولد نيوتن في عصر التلسكوبات الباهتة، إذ كانت حتى أفضل نماذج هذه التليسكوبات تستخدم العدسات الزجاجية لتكبير الصورة. ومن خلال تجاربه مع الألوان، عرف نيوتن أن العدسات تكسر الضوء إلى ألوان مختلفة في زوايا مختلفة، وهو ما خلق صورةً غامضةً للمشاهد.

وكعملية تحسين، اقترح نيوتن استخدام المرايا العاكسة بدلًا من العدسات الكاسرة. فمن شأن مرآة كبيرة التقاط الصورة، ثم تقوم مرآة صغيرة بعملية ارتداد لهذه الصورة نحو عين المشاهد. هذا الأسلوب لم يُنشئ فقط صورة أكثر وضوحًا، بل سمح لأن يقل حجم التليسكوب بشكل واضح عما قبل.

وحتى نكون أكثر دقة، فقد اقترح عالم رياضيات إسكتلندي فكرة التليسكوب العاكس لأول مرة، ولكن نيوتن كان الرجل الذي حشد في الواقع الطاقة لبناء واحد من هذه التليسكوبات. عبر طحن وتجميع المرايا بنفسه، بنى نيوتن نموذجًا لهذا التليسكوب، وقدمه إلى الجمعية الملكية عام 1670.

اكتشافات أخرى

في الرياضيات، وبجانب اكتشافه لعلم التفاضل والتكامل، تمكن نيوتن من اكتشاف نظرية ذات الحدين، ونظرية متعددة الحدود من الدرجة الثالثة، وقرّب القيم الجزئية للمتسلسلة المتناسقة باللوغاريتمات.

وفي مجال البصريات، نشر نيوتن نظريته للألون، وهي واحدة من أهم إنجازاته في مجال البصريات، والتي بيّن فيها أن اللون يكون نتيجة لتفاعل الضوء الملون مع الأشياء. واستنتج أيضًا أن عدسات أي تليسكوب ستعاني من تشتت الأضواء إلى ألوان. وفي عام 1704، أوضح نظريته الخاصة عن الضوء، والتي اعتبر فيها أن الضوء يتكون من جسيمات دقيقة للغاية.

في أواخر القرن السابع عشر، بدأ نيوتن يكتب كتابات دينية تتعامل مع التفسير الحرفي للكتاب المقدس في المسيحية. ويبدو بوضوح تأثر نيوتن في كتاباته هذه مع معتقدات هنري مور حول الكون، والتي ترفض الثنائية الديكارتية.

وكتب نيوتن مخطوطة شكك من خلالها في وجود الثالوث، وظلت هذه المخطوطة غير منشورة حتى عام 1785، أي بعد أكثر من نصف قرن من وفاته.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد