3,178

قضي الأمر، نجم  البرازيلي «نيمار دي سيلفا» يغادر فريقه برشلونة إلى فريق باريس سان جيرمان الفرنسي، بعدما دفع الأخير قيمة الشرط الجزائي اللازم لفسخ عقد اللاعب وهي 222 مليون يورو، مع راتب سنوي يصل إلى ثلاثين مليون يورو صافي الضرائب وهو ما يجعل الصفقة الأغلى في تاريخ كرة القدم، ويجعل من نيمار أحد أكثر اللاعبين أجرًا في العالم.

كان بالإمكان ألا يفكر فيها أحد إلا باعتبارها صفقة رياضية «فوق العادة»، بلا أية دلالات تتجاوز الرياضة إلى السياسة، إلا أن توقيتها  وخلفياتها قد جعلا منها أكبر من مجرد صفقة رياضية، فباريس سان جيرمان الفرنسي مملوك لمؤسسة قطر الرياضية للاستثمار، وقطر تتعرض الآن لمقاطعة سياسية واقتصادية من جيرانها، في أحد أكبر التحديات التي تواجهها الدولة الصغير في تاريخها، ومن هنا كان لزاما على البعض التفكير خارج الصندوق، لمعرفة دور السياسة في إتمام انتقال النجم البرازيلي.

كيف استثمرت قطر في الرياضة؟

«قبل عشرين عامًا مضت، لم يكن أحد يعلم شيئًا عن قطر، كنا دولة شرق أوسطية لديها اقتصاد قوي للغاية بلا أي «بريستيج» أو نفوذ، كانت الرياضة هي الشئ الذي غير هذه الصورة تماما، في 2006 استضفنا دورة الألعاب الآسيوية وحينها علمت القارة كلها من نكون، ومنذ ذلك الحين ونحن نستضيف الكثير من الفعاليات ليعلم العالم كله من هي قطر».

بهذه العبارات القصيرة السابقة عبر أحد المسؤولين القطريين عن رؤية بلاده تجاه الرياضة، وسرد بعض الأسباب التي تفسر التنامي اللافت للاستثمارات التي تضخها الدوحة في ذلك القطاع، فقد كانت الرياضة أحد الأعمدة الأساسية التي بنى عليها أمير قطر السابق «حمد بن خليفة آل ثان» خطته لرسم ملامح «الشخصية القطرية» المستقلة عن جيرانها، والتي لا تعبأ كثيرًا باعتبارات الجغرافيا أو التاريخ.

الطموحات القطرية في هذا المجال، والتي بلغت عنان السماء حتى وصفها البعض بـ«المرعبة»،ترتكز على أكثر من محور، في عام 2011، قام صندوق الثروة السيادي القطري بالاستحواذ على نادي «باريس سان جيرمان» في خطوة جعلت النادي الفرنسي الأغني في بلاده، وأحد أغنى  الأندية  حول العالم، وقد كان هذا هو النادي الثاني في أوروبا الذي تستحوذ عليه قطر بعد نادي ملقا الأسباني المملوك لرجل الأعمال القطري «عبد الله بن خليفة آل ثانٍ».

منذ ذلك الحين، بدأت  الساحة الرياضية العالمية تشهد سطوع نجم رجل الأعمال القطري «ناصر الخليفي»، والذي يُتّهم من قبل خصوم الدوحة بأنه يقوم بدور وظيفي مدروس لصالح بلاده، ليس فقط بسبب طموحه اللامحدود كرئيس لنادي باريس سان جيرمان – إذ لا يدع الخليفي مناسبة، إلا ويؤكد على هدفه المتمثل في الصعود بفريقه إلى قمة هرم دورى أبطال أوروبا، ولا يبخل في سبيل ذلك على النادي بالأموال – بل لأن الخليفي أيضًا هو الرئيس التنفيذي لذراع قطر الضاربة في مجال الإعلام الرياضي: شبكة بي إن سبورت.

Embed from Getty Images
ليس سرًا أن «مجموعة بي إن الإعلامية beIN Media Group» هي وريثة شبكة الجزيرة الرياضية، قبل انفصالها عن الشبكة الأم في عام 2014، حيث تولى رئاستها ناصر الخليفي، تعد بي إن سبورت المهيمن الأكبر على حقوق بث البطولات الرياضية في منطقة الشرق الأوسط، كما تمتلك منصات إعلامية أخرى في فرنسا والأمريكتين، ومؤخرًا في آسيا والمحيط الهادي، نتحدث هنا عن خمس شركات، تتوزع على 34 قناة، وتقدم خدماتها إلى 33 دولة حول العالم.

بجانب الاستثمار في الصناعة الرياضية والإعلام الرياضي، حرصت قطر على أن تجعل من نفسها مركزا جذابًا للرياضيين، فنافست لاستضافة البطولات الرياضية العالمية بشتى أنواعها، بدءا من بطولة الألعاب الآسيوية 2006، مرورًا ببطولة العالم للسباحة 2014، وبطولة العالم لكرة اليد 2015، وبطولة العالم للجمباز 2018، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، كما تستعد الدولة للجائزة الكبرى بعد خمس سنوات حيث تستضيف كأس العالم لكرة القدم 2022، والذي سيمثل  نقلة نوعية لإنجازات قطر الرياضية، بل يتجاوز ذلك إلى صورتها الذهنية ويزيد من رسوخ نفوذها المعنوي والمادي حول العالم.

تمتد الخطوات القطرية إلى مجالات التدريب الرياضي، ففي العاصمة القطرية تقبع أحد أكبر  أكاديميات التعليم والتدريب الرياضي في العالم، وهي«أكاديمية أسبايرAspire Academy» والتي تعني بالتدريب الرياضي للمواهب الواعدة في قطر، وملحق بالأكاديمية مستشفى للطب الرياضي، ومؤسسات للبحث العلمي ذي الصلة بالأنشطة الرياضية، وإنشاءات فندقة، ويمتد نشاط «أسباير» إلى محاولة «اكتشاف المواهب الرياضية الشابة حول العالم»، كما حدث في السنغال التي افتتحت الأكاديمية فرعًا فيها قبل سنوات.

طموحات قطر الرياضية في مرمى نيران «دول المقاطعة»

مثلما كانت الرياضة بابا خلفيا لقطر لبسط «نفوذها الناعم» حول العالم، كانت كذلك أحد محاور الخلاف بينها وبين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، منذ قرر هذا التحالف الرباعي قطع العلاقات مع الجار الخليجي وسعى إلى «قصقصة أجنحته» في أعنف أزمة دبلوماسية تشهدها منطقة الخليج العربي منذ عقود.

وكما أن لقطر «أذرعها الرياضية»، فإن للتحالف أذرعه ايضًا وإن اختلفت درجة تأثيره وفعاليته، إذ تمتلك مجموعة «أبو ظبي المتحدة» الإماراتية نادي «مانشستر سيتي» الإنجليزي، ويمتلك الأمير السعودي عبد الله بن مساعد نصف أسهم نادي «هال سيتي» الإنجليزي، وفي حين كانت «قطر للطيران» تضع شعارها على قمصان لاعبي فريق برشلونة وفق عقد رعاية وقع عام 2010 وبلغت قيمته  150 مليون دولار، كانت شعارات شركات الطيران الإماراتية تزين قمصان نوادي أوروبية كبرى، مثل ريال مدريد وأرسنال ومانشستر سيتي، وحتى باريس سان جيرمان وغيرها.

Embed from Getty Images
شعار طيران الإمارات يزين قمصان العديد من كبرى الأندية الأوروبية

عملاق الإعلام الرياضي القطري «بي إن سبورت» كان كذلك في مرمى النيران، إذ حجبت السلطات الإماراتية مجموعة قنواتها في الأيام الأولى للأزمة، كما قررت السعودية حجب الموقع الخاص بالشبكة على الإنترنت، وأعلنت وقف استيراد أجهزة استقبال قنواتها ووقف بثه وتجديد الاشتراكات، ووجد الإعلاميون الإماراتيون والسعوديون أنفسهم مضطرين إلى الاستقالة تنفيذًا للتعليمات الصادرة من عواصم بلادهم، كما قرر اتحاد الكرة المصري مقاطعة القنوات، والجدير بالذكر أن بعض تلك الإجرءات قد تم التراجع عنها لاحقًا بعد تنديد وضغط في الأوساط الرياضية العالمية.

كما تم تداول أنباء عن سعي «دول المقاطعة» لإنشاء تكتل عملاق يسعى لمنافسة البي إن سبورت في شراء البطولات الأوروبية والدولية الهامة، وإن شكك آخرون في جدية تلك الخطوة وجدواها، إذ إن بي إن سبورت تستحوذ بالفعل على حقوق بث العديد من البطولات الهامة لسنوات طويلة مقبلة، من بينها بطولات كأس العالم ومنافسات الأولمبياد حتى 2022.

وفي خطوة ذات دلالة، أعلنت قناة «أون سبورت» – المملوكة لرجل الأعمال المقرب من النظام المصري أحمد أبو هشيمة – عن قيامها بإذاعة مباراتي كأس السوبر الإسباني بين فريقي برشلونة وريال مدريد، في شراكة مع شبكة قنوات أبو ظبي التي كانت قد حصلت على حقوق بث تلك النسخة من البطولة.

الكعكة الكبرى للقطريين، أي بطولة كأس العالم 2022، لم تسلم من خطط «دول المقاطعة»، إذ أعادت وسائل الإعلام المحسوبة عليها فتح الملف، وكررت الاتهامات السابقة لقطر بأنها لم تحصل على حق تنظيم البطولة العالمية إلا عبر الألاعيب والأساليب الملتوية، كما تحدثت تقارير إعلامية – لم يتم التيقن من صحتها – عن تقدم دول المقاطعة بمذكرة إلى الفيفا تطالب فيها بسحب حق تنظيم البطولة من الدوحة.

وكانت تسريبات منسوبة إلى السفير الإماراتي في واشنطن «يوسف العتيبة» نسبت إليه تشكيكه في نزاهة تنظيم قطر للبطولة ووصف فيها العتيبة كلا من الفيفا وقطر بأنهما «رمزا الفساد».

هل انتقال نيمار أكبر من مجرد صفقة رياضية؟

يبدو من اللافت أن يبدأ التقرير الذي عرضته قناة الجزيرة، والذي تسرد فيه القناة أوجه فشل ما تسميه «الحصار» في تحقيق أهدافه، بخبر انتقال لاعب نادي برشلونة البرازيلي «نيمار دي سيلفا» إلى نادي باريس سان جيرمان المملوك لقطر، في صفقة وصفت بأنها هي «الأغلى في تاريخ الرياضة».

الجزيرة – وهي الناطق شبه الرسمي باسم قطر وسياستها – أكدت أن الصفقة تظهر عزم قطر على الاستثمار في مجال الرياضة، غير آبهة بانزعاج خصومها، واعتبرت أن خبر الانتقال هو «خبر رياضي بنكهة سياسية».

ولعل هذا يتوافق مع ما ذهبت إليه بعض التحليلات، والتي رأت في انتقال نيمار أكثر من صفقة رياضية غير عادية، إذ رأت أن قطر تسعى عبر جهاز قطر للاستثمارات الرياضية المالك لنادي «باريس سان جيرمان» إلى إظهار أنها لم تتأثر بالحصار التجاري المستمر، والحرب الدبلوماسية المتبادلة مع دول المقاطعة.

وقد لاقت الصفقة اندهاشًا من داخل الوسط الكروي ذاته، وذهب «أرسين فينجر» مدرب نادي أرسنال الانجليزي إلى أن قيمة نيمار لا تساوي هذا الاستثمار الهائل من قبل القطريين، وقال إنه يعتقد أن القطريين كانوا حريصين على إتمام عملية الانتقال، فقط من أجل الشعور بالاعتزاز والفخر.