أيدت محكمة جنايات شمال القاهرة، أمس السابع عشر من سبتمبر (أيلول) طلب التحفظ على أموال الحقوقيين المتهمين في القضية 173 للعام 2011، وهي القضية المعروفة بقضية «التمويل الأجنبي».

ويشمل القرار حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وجمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومركز هشام مبارك للقانون، ومديره مصطفى الحسن، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومديره بهي الدين حسن، ومركز الحق في التعليم، ورئيسه عبد الحفيظ طايل، بينما رفضت المحكمة طلب التحفظ على زوجات جمال عيد، وبهي الدين حسن، وبناتهما، بحسب ما ذكره موقع مدى مصر.

وتعقيبًا على القرار، أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بيانًا، تصف فيه القرار بـ«القرار السياسي»، وقالت الشبكة إن القرار لن يوقف عملها في كشف انتهاكات حقوق الإنسان، والدفاع عن سجناء الرأي والضمير، القابعين في السجون بأعداد هائلة.

وقالت الشبكة العربية: «لم يتم التحقيق مع جمال عيد ولم يتم استدعاؤه، واكتفى قضاة التحقيق بتحريات كاذبة ومفبركة، من ضباط أمن الدولة، ليتقدموا لمحكمة الجنايات بطلب التحفظ على أمواله وأموال أسرته، ورغم أن عيد قدم أدلة على كذب وتلفيق مزاعم هذه التحريات، إلا أن المحكمة تجاهلت الأدلة، وأصدرت حكمها بناءً على أقوال مرسلة وكاذبة؛ مما يكشف حقيقة الحكم السياسي ضد عيد وزملائه».

وقال «عيد» في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، تعليقًا على تزامن هذا القرار كتصعيد جديد، ضد منظمات المجتمع المدني، مع قرب بدء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء المقبل أن «النظام يريد الشرعية والمصداقية، لكنه لا يريد دفع ثمنها ممارسات ديمقراطية، واعتناء بحقوق الإنسان»، وأضاف: «لا أهتم بصورة النظام في الخارج، فهو مسؤول عنها، ما يهمني هو حالة حقوق الإنسان في مصر».

وبمجرد صدور قرار التحفظ على الأموال بالأمس، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بيانًا، أكدت فيه عزمها الاستمرار في أداء دورها، في الدفاع عن الحقوق والحريات، والنضال من أجل تغيير السياسات العامة، والممارسات الأمنية المناهضة لحقوق الإنسان، الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية، على حد تعبير البيان.

ودعت المبادرة، في بيانها، القوى السياسية والحركات الشعبية، المؤمنة بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، للتضامن مع حركة حقوق الإنسان المصرية، وبذل كافة الجهود لضمان استمرار الحركة في القيام بدورها.

وعلى صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، شكر حسام بهجت كل المتضامنين معه، مضيفًا: «لو بيعاقبونا على اللي عملناه في السابق، فأنا لا أشعر إلا بكل فخر على كل شيء عملته، قبل وأثناء وبعد الثورة. ولو بيردعونا عن العمل في المستقبل، فهم بكل بساطة واهمون، لأن الرفاق في حركة حقوق الإنسان، باستثناء المنبطحين والمشتاقين والمكسور عينهم، أكيد مش هيقرروا بعد 30 سنة نضال إنهم يعتزلوا، في أسوأ مراحل انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ البلد».

وأضاف بهجت خلال ما كتبه أنه سيستمر في عمله الصحافي، الذي بدأه منذ ثلاث سنوات، متوقعًا الأسوأ خلال الأيام القادمة، من استدعاء للتحقيق، أو إحالة للمحاكمة.

وقال بهجت لـ«ساسة بوست» عن توقيت القضية: «لا أستطيع فهم توقيت القضية، غير أن دورنا جه بعد الإعلام والحركات الشبابية والمعارضة».

يأتي هذا القرار مع عدّة قرارات أخرى، في سياق القضية 173 للعام 2011، المعروفة إعلاميًّا بـ«قضية التمويل الأجنبي»، وهي قضية تمتلئ بالتطورات والملابسات، ويعتبرها الكثيرون «سيفًا مسلطًا» على رقبة المجتمع المدني في مصر.

بداية القضية

في عام 2011، شُكلت لجنة تقصي حقائق من وزارة العدل، بأمر من مجلس الوزراء، للنظر في قانونية التمويل الأجنبي، الذي تتحصل عليه منظمات المجتمع المدني، ومدى قانونية هذه المنظمات، واتباعها لقانون 84 لسنة 2002، وذلك بحسب ورقة تعريفية عن القضية، أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في مارس (آذار) الماضي.

أعقب صدور تقرير هذه اللجنة حملة مداهمات واسعة، شملت عددًا من المنظمات، في ديسمبر (كانون الأول) لعام 2011، وتقول بي. بي. سي إنها شملت 17 منظمة غير حكومية، متخصصة في دعم المجتمع المدني، منها منظمات أمريكية كمنظمة «فريدوم هاوس»، و«المعهد الجمهوري الأمريكي»، و«المعهد الديمقراطي الأمريكي»، ومؤسستا «فريدريش ناومان» و«كونراد أديناور» الألمانيتان، اللتان تعملان مع الحكومة المصرية منذ الثمانينات، وبموافقات حكومية رسمية، ومنظمات ومكاتب مصرية أخرى، بحسب ما ذكرته الأهرام.

كان اتهام عدد من المواطنين الأمريكيين واحدًا من الأمور التي سببت توترًا في العلاقة المصرية الأمريكية، فقد صرحت «فيكتوريا نولاند»، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، في يناير (كانون الثاني) لعام 2012، أن حملة «القمع» المصرية على المنظمات الأهلية يقودها متبقون من عهد مبارك، لا يفهمون كيف تعمل تلك المنظمات في مجتمع ديمقراطي، في حديثها لوكالة رويترز.

وقالت نولاند لـ«رويترز» إن مسؤولين مصريين أخبروها أن الموضوع في طريقه إلى الحل، وهو ما أكدت عليه هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية في ذاك الوقت، خلال جلسة استماع أمام الكونجرس الأمريكي، في الثلاثاء 28 فبراير (شباط) لعام 2012، معربة عن أملها في الوصول إلى تسوية الملف سريعًا، بحسب ما ذكرته بي. بي. سي.

لحق هذا التصريح تنحي الهيئة القضائية التي تنظر القضية، في 29 فبراير (شباط) لعام 2012، فقد عقد المستشار محمد محمود شكري، رئيس محكمة جنايات شمال القاهرة، جلسة سرية بغرفة المداولة، موضحًا أن لديه ما يمنع من نظر القضية لاستشعار الحرج.

وفي اليوم اللاحق لتنحي الهيئة القضائية، الأول من مارس (آذار) لنفس العام، استيقظ الرأي العام المصري على ترحيل تسعة أمريكيين، وثمانية من جنسيات أخرى، هم المتهمون الأجانب في القضية، بعد رفع حظر السفر عنهم بموجب أمر قضائي.

وقد صرح حافظ أبو سعدة، محامي بعض المتهمين لـبي. بي. سي، أن رفع حظر السفر عن المتهمين الأجانب تم بكفالة قدرها مليونا جنيه لكل فرد منهم، إلا أن ترحيل المتهمين الأجانب بهذا الشكل، أثار حفيظة عدد كبير من نواب البرلمان المصري آنذاك، وعدد من الحركات السياسية، بسبب ما يمثله من تدخل صارخ في أعمال الهيئات القضائية في مصر.

وفي يونيو (حزيران) لعام 2013، أصدرت المحكمة قراراها بأحكام بالسجن، تتراوح من سنة وحتى خمس سنوات، في هذا الشق من القضية، فقد صدرت أحكام غيابية بخمس سنوات، على المديرين وكبار الموظفين، والذي قد تم ترحيلهم في مارس (آذار) الماضي، وعلى المصريين المدانين بعام مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى غلق المنشآت محل الحكم، وهي المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الديمقراطي الوطني، وفريدم هاوس، والمركز الدولي للصحافيين، ومؤسسة كونراد أديناور.

التحركات الحالية

يعرّض تقرير تقصي الحقائق في عام 2011، 37 منظمة غير حكومية للملاحقة القضائية، قامت السلطات المصرية بتحركات فعلية ضد 25 منها، فقد نشرت صحيفة اليوم السابع صورة طلب، قدمه قاضي التحقيق في القضية لمصلحة الضرائب، لمعرفة الموقف الضريبي لـ25 منظمة، ومنها مركز هشام مبارك للقانون، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمنظمة العربية للإصلاح الجنائي، ومركز الأرض لحقوق الإنسان، ومركز آكت لوسائل الاتصال الملائمة للتنمية، والجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية.

وشرحت ورقة تعريفية الوضع الحالي للقضية والمتهمين فيها، ورقةٌ صدرت باسم سبع منظمات حقوقية، هي: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة حرية الفكرة والتعبير، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومركز هشام مبارك للقانون، ومركز نظرة للدراسات النسوية.

وتذكر الورقة أنه على مدى الثلاثة أشهر الأخيرة، أصدر قضاة التحقيق في قضية «التمويل الأجنبي» أربعة أوامر بالمنع من السفر، ليصبح عدد الممنوعين من السفر في هذه القضية 12 حقوقيًّا وحقوقية، كما استدعت خمسة أشخاص آخرين للتحقيق، ليصبح العدد 17 حقوقيًّا وحقوقية.

كما تذكر الورقة أنه خلال الأشهر الست الماضية، تعرضت 12 منظمة حقوقية مصرية إلى إجراءات قمعية، تتنوع بين أوامر بالإغلاق، واستدعاءات للتحقيق، وأوامر بتجميد الأموال. وحتى الآن لم يصدر قرار الاتهام بحق الأشخاص محل الاتهام، حاليًا على ذمة القضية، أو الشق الثاني منها، لكن بحسب الورقة فإنه من المنتظر صدوره قريبًا، مستندًا إلى تحريات الأمن الوطني، بأن نشاط المنظمات محل الاتهام يضر بالأمن القومي.

هذا ونجد أن الاتهامات الواردة في القضية هي: تلقي تمويل من الخارج بغرض الإضرار بالأمن القومي للبلاد، وتأسيس مؤسسة دولية بدون تصريح، وعدم التسجيل وفقًا لقانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002، بينما تعتمد أدلة الاتهام على نشاط تلك الجمعيات، الذي تدعي تحريات الأمن الوطني أنه يهدف إلى الإضرار بسمعة البلاد، وزعزعة الاستقرار في الداخل المصري.

وفي حيثيات الحكم الصادر بتجميد أموال مركز أندلس لدراسات التسامح، ومديره أحمد سميح، في 15 يوليو (تموز) الماضي، اعتمد الحكم الصادر على تقرير أعده ضباط الأمن الوطني، بحسب الورقة التعريفية الصادرة من المنظمات الحقوقية السبع المذكورة أعلاه، تقرير يدعي إن المركز استقبل أموالًا أجنبية، في مقابل نشر معلومات خاطئة تستهدف الإضرار بصورة مصر، ونشر الفوضى، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإحداث انقسامات في المجتمع المصري.

وبحسب آخر التعديلات على المادة 78 من قانون العقوبات، فإن المتهمين يواجهون عقوبات قد تصل في حدها الأقصى إلى السجن مدى الحياة، وهو السجن المؤبد «25 عامًا» بحسب القوانين المصرية، وغرامات لا تقل عن نصف مليون جنيه، ولا تزيد على ما أعطي المتهمين أو ما وعدوا به.

وحتى الآن، فإن قرارات منع السفر شملت كل من حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وجمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومحمد زارع، مدير مكتب القاهرة لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهدى عبدالوهاب، المدير التنفيذي للمركز العربي لاستقلال القضاء ومهنة المحاماة، ومزن حسن، مديرة مؤسسة نظرة للدراسات النسوية، وناصر أمين، مؤسس المركز العربي لاستقلال القضاء ومهنة المحاماة، ورضا الدنبوقي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للتوعية والإرشاد والتوعية القانونية، وإسراء عبد الفتاح وأحمد غنيم وباسم سمير، من المعهد المصري الديمقراطي، وحسام الدين علي مدير المعهد.

القانون  84

واحد من الاتهامات الموجهة إلى المنظمات الأهلية هي عدم تسجيلها لدى وزارة التضامن، بموجب قانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002، وهو القانون الذي يعتبر محطةً من محطات نضال الحركة الحقوقية، بسبب بنوده التي تصفها الورقة التعريفية بالقضية 173، التي أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بـ«شديدة القمعية والتسلط».

hqdefault

ورغم صدور عدد من مشاريع القوانين البديلة، للقانون محط الجدل، إلا أنه لم يتم استبدال القانون حتى الآن، رغم عدد كبير من التشاورات ومسودات القوانين، التي تم إصدارها منذ عام 2011 وحتى الآن.

وعلى الرغم من عدم تسجيل كل المنظمات الأهلية، بحسب هذا القانون، إلا أن هناك أطرًا قانونية أخرى تعمل من خلالها تلك المنظمات، مثل إشهار المنظمة من خلال شركة محاماة، كما تذكر الورقة التعريفية، أن حتى مع التزام منظمات غير حكومية بالتسجيل حسب هذا القانون، إلا أن هذا لم يمنعها من المساءلة القانونية، ذاكرة المعهد المصري الديمقراطي، الذي تعرض أعضاؤه للاستدعاء للتحقيق والمنع من السفر، رغم صدور موافقة من وزارة التضامن بتسجيلهم بحسب القانون.

عرض التعليقات
تحميل المزيد