من سائق حافلة يقود عددًا لا يتجاوز العشرات من الركاب إلى وجهة يعرفونها، إلى زعيم يقود بلدًا من 30 مليون نسمة إلى وجهة لا يعرفونها، وإن كانت – بحسب الشواهد – ليست مأمونة العواقب، هذا هو حال الرئيس الفنزويلي الحالي نيكولاس مادورو.

«ولي عهد» تشافيز

ولد نيكولاس مادورو عام 1962 لأسرة من الطبقة العاملة، حيث كان لوالده اهتمامات سياسية يسارية، وكان منخرطًا في الأنشطة النقابية والحركات العمالية، ربما لهذا السبب لم يكمل تعليمه الجامعي أبدًا؛ إذ اكتفى بالحصول على الشهادة الثانوية؛ ليسافر بعدها إلى كوبا للحصول على تدريب في التنظيم الجماهيري، قبل أن يعود إلى العاصمة الفنزويلية (كراكاس)؛ ليبدأ عمله كسائق حافلة.

جرت السياسة في دماء مادورو منذ الصغر؛ فقد كان رئيسًا لاتحاد الطلاب في مدرسته الثانوية، وكان عمله كقائد حافلة طريقه للوصول إلى دفة قيادة الأمة الفنزويلية بأكملها فيما بعد؛ إذ انضم إلى الرابطة الاشتراكية، وصار متحدثًا باسم زملائه، وكان من أوائل النشطاء الذين أسسوا نقابات غير رسمية تدافع عن حقوق العمال والمحرومين.

في عام 1992 وبالتوازي، كان ضابط الجيش الطموح هوجو تشافيز يهندس محاولته الأولى لتغيير وجه فنزويلا؛ الهدف نفسه الذي كان يسعى إليه مادورو. قاد تشافيز مجموعة سرية من ضباط الجيش، استمدت اسمها من زعيم استقلال أمريكا الجنوبية سيمون بوليفار للإطاحة بحكومة الرئيس كارلوس أندريس بيريز، بعد تنامي الغضب الشعبي بسبب سياساته الاقتصادية، لكن الفشل كان مصير الانقلاب، ليلقى القبض على تشافيز، ويوضع رهن السجن العسكري.

هوجو تشافيز مع مادورو- المصدر : بي بي سي

في عام 1993 يلتقي تشافيز بمادورو؛ ليصبح الأخير قياديًا بارزًا في الحركة البوليفارية، ويقود جهودًا دءوبة لإطلاق سراح تشافيز، وهو ما تحقق بالفعل عام 1994، سيسهم مادورو مع تشافيز في إطلاق حركة «الجمهورية الخامسة»، وسيكون له دور كبير في انتخابات عام 1998 التي ستحمل تشافيز إلى سدة الرئاسة، سيتعرف مادورو على سيليا فلوريس، المحامية التي دافعت عن شافيز إبان اعتقاله، والقيادية في حركة «الجمهورية الخامسة»؛ ليتزوج الاثنان الذان سيصبحان فيما بعد قطبي هرم السلطة في البلاد.

في السلطة كما في المعارضة، كان مادورو رفيقًا لصيقًا لتشافيز، صار عضوًا في الجمعية التي صاغت دستورًا جديدا للبلاد، وانتخب عضوًا في الجمعية الوطنية، ثم رئيسًَا لها عام 2005، قبل أن يغادرها إلى منصب وزير الخارجية عام 2006، فيخلفه في رئاسة الجمعية الوطنية زوجته سيليا فلوريس، أول امرأة تتولى ذلك المنصب في البلاد.

أجاد مادورو لعبة التصريحات النارية التي يحبها تشافيز، وفي عام 2007 وصف وزيرة الخارجية الأمريكية بـ«النفاق»، وشبه معتقل جوانتانامو بمعسكرات الاعتقال النازية، ربما لأجل هذا التناغم وقع عليه اختيار تشافيز لتولي منصب نائب الرئيس في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، في الوقت الذي كان يفتك فيه السرطان بجسد الرئيس نفسه.

ذهب تشافيز إلى ما هو أبعد حين أوصى الشعب بانتخاب مادورو رئيسًا من بعده؛ ليحسم مادورو بذلك أولى معاركه ضد أبرز خصومه في جناح السلطة آنذاك، رئيس المجلس الوطني ديوسدادو كابيلو الذي كان يتمتع بدعم الجيش، في الوقت الذي حظي فيه مادورو بدعم نظام كاسترو، حليف التشافيزية القوي في الجارة كوبا، تمت وصية تشافيز بحذافيرها بالفعل حين وافته المنية؛ لينتخب مادورو رئيسًا للبلاد في أبريل (نيسان) 2013.

 

فنزويلا .. هل انهارت شعارات «تشافيز» الشعبوية؟

«جحيم مادورو» الذي يحياه الفنزويليون

إلى أي مدى يمكن أن يجمح خيال المرء، ليتصور الحالة الاقتصادية التي يفترض أن تكون عليها تلك الدولة النفطية التي كان اسمها  – حتى أمد قريب – يوضع جنبًا إلى جانب ممالك الخليج الثرية كإحدى الأسباب التي يعلق عليها العالم آماله لتزويده بالنفط يوم يقع المحذور وينضب منه أغلب مخزون الدول؟

ربما لن يسعف الخيال الكثيرين لتصور ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في فنزويلا مادورو، فهي قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة عالميًا من التدني، حتى أن معدل التضخم قد وصل في يونيو (حزيران) الماضي إلى 46 ألف و305%، مع توقعات لتجاوز تلك النسبة مليون% بنهاية العام الحالي، وفقًا صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي بلغت فيه العملة الرسمية للبلاد، البوليفار الفنزويلي، مستويات قياسية من الهشاشة هي الأخرى؛ إذ صار الدولار الأمريكي الواحد يساوي أكثر من 206 ألف بوليفار فنزويلي.

 

وفي حين توجه حكومة مادورو أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة وأحزاب المعارضة اليمينية، وتتهمها بشن «حرب اقتصادية» ضدها تسببت في هذا التردي، فإنها تحاول اتخاذ إجراءات متلاحقة لوقف هذا الانهيار، كان آخرها قرار طبع أوراق نقدية جديدة مع حذف ثلاثة أصفار منها، وهي في طريقها لحذف خمسة أصفار من العملة «من أجل الحصول على نظام مالي ونقدي جديد ومستقر»، على حد تعبير مادورو.

وتشهد فنزويلا اليوم نقصًا حادًا في السلع، أغلقت كثيرٌ من الشركات أبوابها، صارت الكهرباء تغيب أكثر مما تحضر، اختفى السكّر من الأسواق؛ فتوقفت صناعة الكوكاكولا في البلاد، وتكالب الناس على سرقة المياه من الشاحنات الناقلة، وحمامات السباحة، ورفوف المحلات التجارية خاوية في الغالب، وأغلب الأدوية لم تعد موجودة في الأسواق.

وبسبب شح الإمكانات الطبية في المستشفيات، وُضع الأطفال الصغار في صناديق «كرتونية» أحيانًا، فيومًا بعد يوم صارت البلاد تفتقر إلى المشافي والأدوية والمعدات الطبية اللازمة، وقد وصف أحد الأطباء في مستشفى مريدا العامة الوضع لمراسل «الجزيرة» قائلًا: «المرضى يموتون أغلب الوقت، في الوقت الذي يكون فيه أقاربهم خارج المستشفى بحثًا عن العلاج، ولا يتمكنون من العودة به في الوقت المناسب».

ولأنه حيث يوجد الفقر والحاجة والفساد، وجدت الجريمة، فقد سجلت البلاد مؤخرًا ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الجريمة، وفقًا لتقريرٍ حكومي أمريكي، فقد قتل أكثر من 27 ألف شخص في البلاد خلال عام 2016، وفقًا لـ«مرصد العنف الفنزويلي»، وتشير التقديرات إلى أن نحو 40 ألف شخص صاروا يعبرون يوميًا من فنزويلا إلى كولومبيا عبر جسر سيمون بوليفار هربًا من الأوضاع المأساوية في بلادهم، وبحثًا عن الطعام والرعاية الصحية.

 

وبالرغم من أن أسباب تلك الأزمة ترجع جزئيًا إلى انخفاض أسعار النفط عالميًا، وهو شريان الاقتصاد الرئيس لفنزويلا، إلا أن منتقدي  حكم مادورو لا يبرئون حكومة مادورو من سوء الإدارة، ويشيرون إلى الفساد المستشري في أركان حكومته، التي «لم تعد دولة بها حكومة وشعب، بل صارت مجرد أرض تحكمها العصابات، وينقسم سكانها إلى مجرمين أو ضحايا»، بحسب بعض المراقبين المنتقدين، حتى أن وزير الداخلية قد أذاع رقم جواله الشخصي في التليفزيون على الهواء مطالبًا رجال الشرطة بالتحدُّث إليه مباشرةً للإبلاغ عن أية حالات فساد داخل القوات.

 

الاحتجاجات في فنزويلا.. هكذا تعلو أصوات الجماهير فوق صوت المعركة

«الضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك»

لو سألنا أغلب مرتادي الحقل السياسي عن إمكانية أن يبقى فرد ما على رأس هرم السلطة، في بلد كان يتمتع تاريخيًا بدرجة مقبولة من الديمقراطية وحيوية المعارضة، في الوقت الذي لم يحقق فيه أي إنجاز يذكر، بل على العكس من ذلك قاد بلاده بسرعة فائقة إلى حافة الهاوية إلى درجة أن الجماهير لم تعد تجد ما يطعمها أو يكسيها أو يداويها، وهو يتمتع بكراهية القوة العظمى الأهم في العالم، والأكثر عداءً مع الجيران،  لو سألناهم هل يمكن لشخص كهذا أن يبقى في منصبه لسنوات وسنوات؟ لأجابوا بالنفي على الأرجح، وبأن فرضية كتلك قد تقترب من درجة المستحيل؛ إذ كيف لرجل أن يبقي قبضته على السلطة دون شرعية إنجاز ولو محدودة يسد بها رمق داعميه، لكن مادورو فعل هذا المستحيل.

منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، في انتخابات فاز فيها على منافسه بهامش ضئيل، لم يتوقع أحد أن يعمر مادورو في منصبه طويلًا، مع تراكم المشكلات الاقتصادية التي ورثها الرجل من تركة تشافيز، وخلال السنوات الأولى بدا هذا التوقع في طريقه إلى التحقق، حققت المعارضة فوزًا كاسحًا في انتخابات المجلس الوطني (البرلمان) عام 2015 لأول مرة منذ 17 عامًا، حصلت على 109 مقعدًا من أصل 167، وهو ما شكل ضربة جماهيرية قوية للتشافيزية ولليسار اللاتيني ككل.

ومنذ ذلك الوقت والصراع يتصاعد بين المعارضة ومجلسها الوطني، والرئيس الذي يتسلح بدعم الجيش والمحكمة العليا؛ فقد رفض مادورو والمحكمة العليا قانون العفو عن السجناء السياسيين والمصالحة الوطنية، واعتبرت المحكمة العليا أن مثل هذا القانون «يشجع على الإفلات من العقاب»، كما رفضت المحكمة العليا عضوية ثلاثة نواب للمعارضة؛ لتحرمها بذلك من أغلبية الثلثين في البرلمان.

ومع «تقييد» عمل  البرلمان من قبل المحكمة، جربت المعارضة طريقة أخرى؛ فجمعت توقيعات نحو 1.8 مليون مواطن يطلبون إجراء استفتاء لعزل مادورو، وهو الإجراء الذي قبلته اللجنة الوطنية للانتخابات في البداية، قبل أن تقرر في أكتوبر (تشرين الأول) وقف العملية تحت ذريعة وجود تلاعب فيها، وهو ما نظر إليه كمحاولة لـ«حرق الوقت» أمام المعارضة؛ إذ كان بلوغ عام 2017 يعني أن يخلف مادورو نائبه المنتمي كذلك للحزب الحاكم، بدلًا عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما تم بالفعل؛ إذ نجا مادورو كذلك هذه المرة من خطط المعارضة.

وفي مارس (آذار) 2017 ومع دخول الأزمة مرحلة اللاحل بين مادورو والمعارضة، وفشل الوساطة التي كان يقودها الفاتيكان بين الطرفين، قررت المحكمة العليا سحب صلاحيات البرلمان، وهو ما قوبل بعاصفة من الاستياء داخليًا وخارجيًا، قبل أن يجري التراجع عن القرار، لكن النظام واصل تضييقه على رموز المعارضة، فصدر في أبريل (نيسان) قرار بحظر تولي أحد قادة المعارضة كابريليكس أي منصب حكومي لمدة 15 عامًا؛ الأمر الذي كان يعني حرمانه من الترشح في مواجهة مادورو في انتخابات 2018.

في الوقت ذاته، وفيما كان مادورو يراوغ ويناور، ويدعو إلى «جمعية تاسيسية» لصياغة دستور جديد للبلاد، ويمتص الضربة تلو الضربة، ويتفادى هجمات المعارضة، ويوجه لها ضربات تزيد من تشرذمها وتفككها، كان ينجح في معاركه الأخرى التي يواجه فيها الجماهير الغاضبة في الشوارع.

بدأت سلسلة الاحتجاجات في فنزويلا منذ عام 2014 احتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد وانتشار معدلات الفساد والجريمة، لكن العام 2017 شهد تجدد الاحتجاجات وارتفاع وتيرتها بسبب الأزمة الدستورية التي دخلت فيها البلاد، وبالرغم من الكلفة الباهظة لقمع الاحتجاجات الشعبية، والتي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى برصاص قوات الأمن، إلا أن مادورو تمكن في النهاية من الصمود في وجه العاصفة، إلى أن عبرت تمامًا؛ ليقرر النظام في النهاية تقديم موعد الانتخابات الرئاسية؛ لتُجرى في مايو (آيار) الماضي، ويفوز مادورو بفترة رئاسية ثانية، في انتخابات قاطعتها أحزاب المعارضة الرئيسة مخالفًا بذلك أغلب التوقعات التي كانت تتوقع إزاحته من منصبه قبل ذلك بكثير.

أثبت مادورو نجاحاته في مضمار آخر، غير السياسة والشارع، جعله أهلًا ليوصف بـ«قط له سبعة أرواح»، تذكر الروايات النظام أن الرئيس الفنزويلي قد نجا من أكثر من 20 محاولة انقلاب، أو هجوم ضده، كان من أبرزها ما حدث في أغسطس (آب) 2017، حيث أعلنت الحكومة إحباط محاولة تمرد قاده مجموعة من العسكريين جنوب البلاد لمجموعة من الرجال يرتدون الزي العسكري قالوا إنهم ينتفضون ضد «طغيان قاتل»، قبل أن يجري اعتقالهم.

 

 

أما آخر «مغامرات» الرجل، الذي خرج منها سالمًا غانمًا، فكان ما ذُكر عن محاولة اغتياله قبل أيام باستخدام طائرة مسيرة دون طيار(درون)، حيث كان يحضر عرضًا عسكريًا بمناسبة الذكرى 81 لتأسيس الجيش الفنزويلي (الحرس الوطني)، ويظهر في فيديو الاحتفال مادورو الذي ينظر إلى الأعلى فجأة، فيما يهرول عشرات الجنود من أماكنهم بعد سماع صوت انفجار، ويطلب الحرس الخاص من مادورو الابتعاد، وصرح وزير الإعلام أن ما حدث «كان بسبب انفجار طائرتين بدون طيار، تحملان متفجرات بالقرب من المنصة الرئيسة».

لا يعلم على وجه اليقين المسؤول عن محاولة الاغتيال تلك، ففي الوقت الذي اتهم فيه مادورو الولايات المتحدة والجارة كولوموبيا بالضلوع في محاولة اغتياله، تبنت مجموعة مسلحة سمت نفسها «الجنود في قمصان (Soldiers in T-shirts)» الهجوم الفاشل، مهددة بالمزيد من الهجمات.

ربما يكون مادورو هو المثال الأوضح الذي تصدق الحكمة القائلة «الضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك»، ففي كل مرة تعرض فيها لتحدٍّ زعم معارضوه أنه سيطيح به ونظامه، خرج منه أقوى من ذي قبل، وأكثر قدرة على توطيد دعائم سلطانه، والفتك بمعارضيه، ولا يبدو أن الهجوم الأخير بالـ«درونز» سيكون استثناءً.

 

«بروكنجز»: 10 معلومات تود معرفتها عن احتجاجات فنزويلا الأخيرة

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!