تطوق العديد من المشاكل الداخلية والخارجية حزب «نداء تونس» الحاكم في تونس، ليتحول الأمر مؤخرًا إلى أزمة ثم إلى قضية رأي عام تشغل التونسيين الذين لمسوا تأثير هذه الأزمة في سير عمل الحكومة.

رياح الاستقالات العتيّة مستمرة بالعصف بالحزب الذي يتولى مسؤوليته ابن الرئيس التونسي «حافظ»، مخلفة تداعيات جسيمة من تشتت وانشقاقات عميقة، باتت تهدد الحزب الأول الفائز في الانتخابات التشريعية سنة 2014، لكن هذه الأزمة منحت رئيس الحكومة يوسف الشاهد قوة سياسية وبرلمانية عقب قرار تجميد عضويته في هذا الحزب، تضاف لما يناله الرجل من تقدير الجهات الدولية المانحة لتونس، فهل تكون محنة نداء تونس منحة للشاهد في الانتخابات التونسية القادمة؟

استقالات غير مسبوقة تقصم ظهر الحزب الحاكم

شهد حزب «نداء تونس» أو ما يعرف بـ«الحزب الحاكم» في تونس سلسلة استقالات وانشقاقات تكثفت في الأيام القليلة الأخيرة، فمنتصف هذا الشهر استقال 14 منسقًا وعضوًا من الحزب في مدينة صفاقس، وأرجع هؤلاء الأعضاء أسباب استقالتهم لـ«تغييب وتهميش مناضلي الحزب ومكاتبه المحلية والمكتب الجهوي في اتخاذ القرارات خلال الانتخابات البلدية، وحياد الحزب عن المشروع الوطني».

Embed from Getty Images

أما الأعضاء الأربعة عشر الذين استقالوا أيضًا استقالة جماعية من التنسيقية الجهوية للحزب في ولاية «بن عروس»، فقد برروا استقالتهم بـ«سوء إدارة الأزمات داخل الحزب، وكثرة الهزات التي عصفت به، وغياب الحكمة في القرارات التي مست أبناءه، كتجميد عضوية ابن النداء يوسف الشاهد من المكتب التنفيذي (فضلًا عن) عدم تواصل الحزب مع قواعده واحتكار القرار مركزيًّا»، وسبق جملة هذه الاستقالات إعلان 33 نائبًا تونسيًّا في السابع من سبتمبر (أيلول) 2018 عن تأسيس كتلة الائتلاف الوطنيّ، وهي كتلة تضم نوابًا مستقيلين من أحزاب أسستها أسماء سياسية بارزة تركت نداء تونس، أمثال النائب محسن مرزوق الذي أسس حركة «مشروع تونس»، وسعيد العايدي مؤسس حزب «بني وطني».

الضربة القاصمة للحزب، كانت في اليوم الرابع عشر من سبتمبر الحالي، يوم قرر الحزب الحاكم تجميد عضويّة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بسبب امتناعه عن الإجابة عن استجواب داخلي، يتعلق بطلب توضيح علاقته بالحزب عبر بيان رسمي، لكن قرار تجميد هذه العضوية لم يكن مفاجئًا، فالخلاف بين الشاهد وقيادة حزبه المتمثلة في حافظ السبسي تتفاعل منذ شهر مايو (أيار) الماضي، حين تم تعليق العمل بوثيقة قرطاج (2) التي تحدد أولويات الحكومة التونسية، وذلك بعدما فشل السياسيون في الاتفاق على تنفيذ النقطة 64 من الوثيقة، وهي النقطة المتعلقة بمصير رئيس الحكومة الشاهد الذي يترأس الحكومة منذ أغسطس (آب) 2016، فحزب نداء تونس لم يستطع إزاحة الشاهد وفقًا لإجراءات الدستور التي تقتضي عرض الحكومة على البرلمان لكسب ثقة النواب من جديد.

وتسببت هذه الاستقالات في تغيير لعبة التوازنات الحزبية داخل البرلمان التونسي الذي يتكون من ثماني كتل موزعة على 217 مقعدًا، فأصبح نداء تونس في المركز الثالث بين كتل البرلمان التونسي، إذ أصبح في جعبته 41 نائبًا من أصل 86 نائبًا، فيما أضحت كتلة الائتلاف الوطني التي انضم لها غالبية المستقيلين من نداء تونس في المركز الثاني بـ45 عضوًا، وهي بذلك تلت حركة النهضة التي تحتل المركز الأول بـ69 عضوًا، وليس من المستبعد أن تشهد الأيام القادمة استقالات إضافية تنضم إلى الكتلة الجديدة الداعمة للشاهد.

Embed from Getty Images

قد يبدو تجميد عضوية الشاهد خسارة لرجل السياسة البارز، لكن في الحقيقة أن هذا التجميد أكسب الشاهد أوراق ضغط جديدة مكنته في البداية من تشكيل كتلة جديدة في البرلمان ممن يدعمونه؛ هي كتلة الائتلاف الوطني كما أسلفنا، لذلك يمضي الشاهد واثق الخطى تجاه الحصول على دعم هذه الكتلة البرلمانية، مضاف إليها القوة الأولى في البرلمان وهي حزب النهضة الذي يتوافق معه، وبذلك تصبح مسألة حصوله على غالبية الأصوات إذا تم عرض الحكومة على البرلمان لنيل الثقة في متناول يده.

يقول المحلل السياسي التونسي زياد الهاني: «إنّ رئيس الحكومة الشاهد نجح فعليًّا في شقّ ما تبقّى من وحدة نداء تونس، وتكوين كتلة برلمانيّة موالية له، من خلال ضمّ نوّاب من نداء تونس وآخرين لدعم خياراته الحكوميّة وتمرير القوانين بكلّ أريحيّة داخل البرلمان، لا سيّما في ما يتعلّق بقانون المالية المقبل لسنة 2019»، ويضيف: «الشاهد وجّه ضربة قاضية لنجل السبسي، الذي يشغل خطّة المدير التنفيذي لنداء تونس، وساهم بخياراته الخاطئة في تدمير الحزب، وفي هروب النواب والقيادات المؤسسة نحو أحزاب وكتل أخرى منافسة».

ويتابع الهاني لـ«المونيتور»: «كتلة الائتلاف الوطني الداعمة للشاهد، قد تذهب إلى التحالف في الأيام المقبلة مع كتلة النهضة في البرلمان، الداعمة بدورها للاستقرار الحكوميّ، ولبقاء الشاهد على رأس الحكومة الحالية حتى عام 2019، ما يمثّل أغلبيّة مريحة تبعد عن الشاهد شبح الإقالة الدستوريّة وتوفر له حزامًا برلمانيًّا».

السبسي الابن يفسد سعي والده نحو التوريث 

بعد الثورة التونسية، برز حافظ السبسي أمام الرأي العام التونسي بوصف سياسيًّا يتداول اسمه، حين قرر والده السبسي تعيينه مديرًا للهياكل الجهوية لحزب نداء تونس، في الثامن من مايو 2014.

Embed from Getty Images

حافظ، ومنذ أن أصبح المدير التنفيذيّ لنداء تونس لم تكن سيرته هادئة، إذ سرعان ما ارتبط اسمه بالصراعات السياسية بين الأحزاب أو بينه وبين الحكومة، فبدأ حافظ بالتخلص من منافسيه، ثم امتدت قراراته من الصراع داخل الحزب حول قيادته، إلى مؤسسات الدولة بأكملها، ثم بموجة الانشقاقات والاستقالات وتجميد العضوية، ويتمثل ذلك في صراعه الأخير والأهم مع رئيس الحكومة الشاهد، الذي جمدت عضويته في نداء تونس.

وتعود تفاصيل الخلاف إلى قرار الشاهد بالحرب على الفساد في 23 مايو 2017، فقد بدأ الرجل حسب اعتبارات قيادات نداء تونس باستهداف ممولي الحزب وجناحه المالي، فكان أول الموقوفين في الحملة وأبرزهم رجل الأعمال شفيق جراية، أكبر ممولي الحزب، إضافة إلى أن حافظ الذي اعتبر الشاهد متمردًا على مقررات الحزب اتهم رئيس الحكومة بتوظيف أجهزة الحكم ومستشاريه وبعض وسائل الإعلام المحلية لتشويه سمعة الحزب؛ لخدمة أجندته الانتخابية المستقبلية.

ومع هذا، يُحمّل الأعضاء المستقيلون بشكل عام حافظ المسؤولية المباشرة عن تدمير الحزب، بسبب استفراده بالرأي، وإقصائه للقيادات المؤسسة، وكذلك التعامل مع الحزب باعتباره ملكية خاصة، وهو الأمر الذي يعود إلى سعي السبسي الأب ونجله لتوريث الحكم في نظر الكثير من المراقبين، وتمديد ولاية السبسي الأب لما بعد 2019، وهو الحلم غير القابل للتحقيق بسهولة، فالسبسي البالغ 92 عامًا لا يملك الوقت لتأخير قرار التوريث، وللتصدي لحافظ طلب منه للمرة الأولى في 23 من سبتمبر الحالي، الاستقالة والانسحاب من قيادة الحزب.

Embed from Getty Images

ويرى العديد من المراقبين أن الرجل أمام تهاوي الحزب والخروج الجماعي لقياداته يصبح أمام خيارين: الاستقالة، أو الابتعاد عن القيادة، إذ ألقت التطورات الأخيرة بظلالها على الحزب، وعلى مؤسسة الرئاسة، وعلى استقرار تونس بشكل عام. يقول المحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي: «وتيرة الاستقالات في نداء تونس باتت تؤكد مما لا يدع مجالًا للشك قرب انهياره، في ظل انسحاب حتى أقرب المقربين من نجل الرئيس على غرار مستشاره السياسي برهان بسيس».

ويضيف الحناشي في حديثه لـ«عربي 21»: «باتت هناك قناعة عند أغلب المنتمين للنداء، أن المشكلة تكمن في النجل حافظ قائد السبسي وفي سوء قيادته للحزب؛ نجل السبسي، ارتكب خطأً قاتلًا ، بقراره تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد من الحزب، والذي صب في مصلحة الشاهد، وزاد من حجم التعاطف والدعم له من قيادات النداء».

وهنا تظهر معضلة آلية إخراج السبسي الابن التي يجب ألا تعكس صورة الانتصار الكاسح للخصم وهو الشاهد، فعزل حافظ أو تجميده أو إبعاده عن نداء تونس هي هزيمة مدوية لحافظ نفسه وللحزب، ومع هذا يجب إيجاد حل عاجل حتى لا يجد الحزب نفسه في المعارضة، مع مضي الشاهد نحو تعزيز التحالف البرلماني السياسي مع الكتل أخرى، وهو تحالف إذا ما وحد سيقوم بدور مهم في تمرير مشاريع القوانين، التي من أهمها مشروع قانون المالية لسنة 2019 الذي سيعرض للنقاش على مجلس نواب الشعب منتصف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

الشاهد نحو الرئاسة

جاء السبسي الأب إلى الحكم في تونس ومشروع التوريث يسكن أحلامه، بدليل أنه اختار شخصيات غير معروفة لرئاسة الوزراء كي تسهل تحقيق حلمه، فالشاهد لم يكن معروفًا، وكذلك من سبقه الحبيب الصيد الذي كان وزيرًا في وزارة هامشية.

Embed from Getty Images

لكن سعي السبسي نحو التوريث أتى بنتائج عكسية، فلم تسهل عليه الشخصيات السابقة التحكم في أمور الدولة ومفاصلها، بل إن الشاهد الحاضر الآن بقوة في المشهد السياسي التونسي أخذ بتوسيع دائرة تحالفاته وتقوية علاقاته، حتى أنه تمكن من كسب حزب المعارضة الأقوى «النهضة»، وأصبحت الأغلبية البرلمانية معه تعيق رغبة نداء تونس في إطاحته، فهو الآن يضمن ولاء حزب النهضة، مع ولاء الذين انشقوا واستقالوا من نداء تونس، وشكلوا كتلة «الائتلاف الوطني».

تصب هذه الأمور مجتمعة نحو انهيار وشيك في نظر بعض مراقبي نداء تونس، الذي غابت خارطة طريقه وقياداته الرئيسية، كما ستفرض هذه التغيرات مجلس نواب مختلفًا عما أنتجته الانتخابات التونسية التي أجريت في أكتوبر عام 2014، وسيعكس الوجه الجديد للبرلمان عند افتتاح دورته في الثاني من أكتوبر المقبل عمق التحولات السياسية التي شهدتها تونس مؤخرًا، تلك الضربة القاصمة تزيد خطورتها مع قرب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019.

Embed from Getty Images

وبينما يمضي الشاهد بكتلة الائتلاف الوطنيّ التي أصبحت بمثابة حزام سياسي وبرلماني له، يكون الشاهد قد وجه ضربة قاضية لنجل السبسي الذي جعل من الشاهد منافسًا له في الحزب الواحد، واختار عرقلة نشاطه الحزبي والسياسي على التوحد معه، فالشاهد جعل السبسي عاجزًا عن سحب البساط من تحته بسبب عدم توفر أغلبية مطلقة تسانده، بينما ترتفع أسهم الشاهد ويتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأهم في الساحة التونسية، فقد كان الشاهد أذكى من أن يذهب باتجاه ينهي مسيرته في الحكومة، فهو الطامح للترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2019، ومن مصلحته البقاء مدة أطول في الحكومة قبل الاستقالة منها نهاية هذا العام على الأقل.

المصادر

تحميل المزيد