أمريكي أسود في السجن

“عندي حلم بأنه في يوم من الأيام سيعيش أطفالي الأربعة في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم”

يبدو أن ذاك الحلم الخاص بالداعية والثائر الأمريكي مارتن لوثر كينج لم يتحقق بعد، ويبدو أن أسطورة انتهاء التمييز العنصري في أمريكا تفند بقوة ليس فقط بمقتل شاب أمريكي من أصل أفريقي يدعي مايكل براون (18 عامًا) برصاص شرطي الشهر الماضي.

فما ما حدث في مدينة فيرغسون التي قتل فيها هذا الشاب، وما يحدث في مناطق أمريكية أخرى يدل على أن الولايات المتحدة ما زالت تعاني من مشكلة التفرقة العنصرية، ووصل الأمر فيها حد وجود تنظيم عنصري في الفترة الأخيرة، فقد ظهرت مجموعة تدعى “كو كلوكس كلان”، وهي مجموعة تعرف بأعمالها الانتقامية التي مورست ضد المستعبدين الأفارقة، والمواطنين الأمريكيين من أصل أفريقي في وقت لاحق خاصة بعد الحرب الأهلية الأمريكية التي ساعدت بالبدء في تحرير العبيد المشاركين في القتال مع الجيوش الشمالية بساحات المعارك. فقد أشار مركز “Southern Poverty Law” إلى أنه يوجد ما بين 5-8 آلاف عضو تابع لمجموعة “KKK” حول أمريكا.

وفي الرابع عشر من أغسطس الماضي، قررت لجنة أممية بمساءلة الولايات المتحدة حول: “استمرار التمييز العنصري في البلاد ضد الأقليات” وسط تزايد التوتر في البلاد بعد إطلاق الشرطة النار على المراهق الأسود مايكل براون. ورغم أن المبعوث الأممي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف كيث هاربر امتدح الولايات المتحدة ووصها بأنها “دولة حيوية ومتنوعة الإثنيات”، إلا أنه اضطر للاستشهاد بأن الإحصاءات الأخيرة بينت أن الشباب السود معرضون للقتل 7 مرات أكثر من نظرائهم البيض في البلاد.

شواهد على العنصرية

الآن يستمر حرمان الأمريكيين الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير في بعض الولايات، وينقل خبر إعلامي رفض كنيسة أمريكية تزويج السود، وتسجل حالات التفتيش والاعتقالات في صفوف السود أكثر منها في صفوف البيض، كما تم تسجيل حالات لإطلاق النار على أمريكيين سود مدنيين غير مسلحين وتم قتلهم دون معاقبة الشرطة على ذلك، مثال على ذلك ما حدث منتصف يوليو/ حزيران 2014 عندما قتل أربعة أمريكيين من أصول أفريقية برصاص الشرطة، بحسب مجلة ماذار جونس الأمريكية اليسارية.

وتمثل الآن الاحتجاجات في ولاية “ميسوري” الأمريكية دليلًا قويًا على التمييز العنصري والعنف المسلط من قبل الشرطة، وتوصف تلك الاحتجاجات التي تلت مقتل الفتى براون بأنها نسخة طبق الأصل عن جولة حدثت في أواخر الستينيات في عهد الرئيس ليندون جونسون، وانفجار الغضب الأسود بعد أن قام البيض بتحقيرهم وإذلالهم، مما اضطر الرئيس الأمريكي لأن يدفع بالجيش الفيدرالي إلى الشوارع “لضبط الأوضاع”.

وأكدت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية أن حادثة مقتل الشاب براون وما تبعها من احتجاجات واسعة وأعمال شغب في ولاية ميسوري تأتي كنتيجة مباشرة لممارسات التمييز العنصري وعدم المساواة الاجتماعية في الولايات المتحدة.
وأوضحت الصحيفة أن الحادثة لا تحتاج إلى تحقيق فيدرالي كي يوضح معالم التمييز العنصري وعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية المنتشرة في تلك المقاطعة منذ عقود طويلة.

واقتصاديا يعاني السود من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما، فهم مهمشون في جميع مجالات الحياة، وتتضاعف نسبة البطالة بينهم عن نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة، ونسبة السود الفقراء أكثر بثلاث مرات من البيض.

و يعتقد البروفيسور في العلوم السياسية الألماني الدكتور كريستيان هاك أن الوضع الاقتصادي قد زاد الطین بلة في قضیة التمییز العنصری في أمریکا. فحسب ما قال في تصريح لوكالة “تسنيم” الدولية: ” أوباما لم یؤد أي دور سوی لون بشرته إلا أنه یتناغم مع البیض أکثر من أبناء لحمته وحتى یبدو في بعض الأحيان أنه أکثر بیاضًا من البیض أنفسهم!”

العلاقات العرقية

في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة ABC الأمريكية الإخبارية، بالشراكة مع صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، حول مستقبل التعايش المشترك في البلاد بين السود والبيض، جاءت النتائج صادمة، فقد اعترف 6 من أصل 10 إفريقيين أمريكيين بأن العلاقات العرقية ليست على ما يرام أو أنها هزيلة وذهب أكثر من نصف البيض بقليل إلى وصف اختيار رئيس أسود للبلاد أنه أمر خطير.
وكما يرى المحللون أن انتخابات باراك أوباما في حد ذاتها كانت دلالة لا تقبل الشك على أن المجتمع الأمريكي لا يزال رازحًا تحت أغلال العنصرية، فتصويت السود في انتخابات الرئاسة 2008 بأغلبية كاسحة وشبه مطلقة لأوباما أكد على أن معيار الاختيار عرقي وإن حاولوا تعليل ذلك بأنهم يريدون معالجة التفاوت في الرعاية الصحية والدخل والعدالة والتعليم.
ويرى مدير مركز الدراسات الإفريقية-الأمريكية في جامعة كاليفورنيا دارنيل هانت أن الاضطرابات التي تلت مقتل الفتى براون ما هي إلا نتيجة لحرمان الأمريكيين الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير”، ويضيف: “ما حدث في فيرغسون ليس حالة فردية، بحسب رأي 80% من الأمريكيين الأفارقة، الذين تم استطلاع آرائهم. في حين يتفق معهم 37% فقط من الأمريكيين البيض على ذلك”.

ويؤكد الخبير الاجتماعي هانت: أنه “ثمة رأي بأن الرجال السود يشكلون تهديدا ينبغي ترصده ومراقبته، ولكن في الواقع فإن البيض تكون لهم تجارب مختلفة عن السود لدى الشرطة”. ففي مدينة فيرغسون مثلا بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود 92% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى 93%، في العام الماضي 2013، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي ارتكبها البيض (نسبتها 34%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (نسبتها 22 %). وهذا التفاوت في النِّسَب ليس حصريا على مدينة فيرغسون، بل يتجاوزها إلى مدن أخرى. كما أن عدد حالات تفتيش الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية في شوارع نيويورك أكثر مقارنة بعدد حالات تفتيش الأمريكيين البيض.

ويقول الخبير الاجتماعي هانت إن آباء الأطفال السود وأمهاتهم لا يكونون واثقين دائما من أن الشرطة لن تتعرض لأولادهم بالعنف. وتحاول هذه العائلات تجنب الاحتكاك بين أولادها والشرطة. وتطالب هذه العائلات المحاكم بمنع الشرطة من إجراء أية أعمال تفتيش بناءً على لون البشرة، وتطالب أيضا بتدابير أخرى كتوعية عناصر الشرطة أثناء فترة الدراسة.

الوجه الآخر

يتسأل الكاتب إميل أمين: هل لا تزال نار العنصرية مشتعلة في النفوس الأمريكية بعد نحو خمسة عقود من الاعتراف بالأمريكيين من أصول إفريقية كمواطنين كاملي الأهلية في ستينيات القرن المنصرم؟ ويجيب: يبدو وللأسف أن العنصرية لا تزال ضاربة جذورها هناك، وأن هناك من الدلائل ما يؤشر إلى ذلك بقوة.

ويستشهد الكاتب على إجابته في مقاله “العنصرية .. وجه أمريكا الآخر” بما ذكرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانية بشأن ما يعرف ب‍”منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة” “نيو إمباير نايتس” وكيف باتت تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم تطهير الأراضي الأمريكية منهم على حد زعمها، وقال أن المنظمة تشن حملة دعائية منذ الشهر الماضي على السود وتزعم أن 90% من الجرائم في أمريكا يرتكبها السود، واتهمت المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود ولا يلاحقونهم، كما كانوا يطاردون اليهود في القرون الوسطى.
ويؤكد الكاتب على أن الأمر لا يتوقف عند حدود المؤسسات أو المنظمات اليمينية المتطرفة، بل يمتد إلى العديد من قطاعات المجتمع الأمريكي، فعلى سبيل المثال، ورغم بلوغ رجال الشرطة من أصول أفريقية نحو 40% من تعداد الشرطة الأمريكية، إلا أن الوضع لم يتغير بالنسبة للعلاقة بين السود بشكل عام وجهاز الشرطة، ومن ناحية الوظائف، فنسبة بطالة السود تقدر بثلاثة أضعاف البيض، ما يسوقنا إلى أن الشركات الأمريكية، مازالت تحدد تعييناتها باللون والعرق.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد