(1)

من بين العشرين دولة الأكبر عالميًّا، في إنتاج النفط الخام، هناك دولتان أفريقيتان فقط، إحداهما تحتل المرتبة السادسة عالميًّا، والأولى أفريقيًّا، بما يقارب 5% من إنتاج العالم بأكمله، وبصادرات بلغت 38 مليار دولار، وهي نيجيريا، بينما الدولة الثانية أنغولا، صاحبة المرتبة الثانية أفريقيًّا، والثامنة عالميًّا، حسب تصنيف العام الماضي 2015.

(2)

يمثل النفط العمود الرئيس للاقتصاد النيجيري، أو بدقة أكبر: بدونه لا يوجد اقتصاد في نيجيريا، محتلًا نسبة 40% تقريبًا من الناتج المحلي السنوي، و80% من الواردات الحكومية، لكن المثير للاهتمام أن كل الأرقام، الرسمية وغير الرسمية، المقدرة لإنتاج النفط اليومي «غير دقيقة»، تبعًا لحجم السرقات اليومية، المقدرة بمئات الآلاف من البراميل، على كل مستويات الإنتاج.

باختصار، فكما أن النفط هو العماد الأساسي للدولة النيجيرية، فإنه أكبر مساحة للفساد هناك، وربما في أفريقيا كلها.

(3)

تقدر سرقات النفط اليومية، في كامل حدود الدولة النيجيرية، والآتية أغلبها من الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، المسيطرة على الصناعة، بحوالي 300 ألف برميل يوميًّا، أي أنه يسرق من نيجيريا سنويًّا مبلغٌ لا يقل عن 12 مليار دولار، مليارات تذهب إلى جميع حلقات الفساد، بمختلف مستوياتها.

على مستوى البنية التحتية النفطية، فإن الأمر لا يختلف كثيرًا، فعدد كبير من أنابيب نقل النفط «قديمة وصدئة»، منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، فضلًا عن كونها مكشوفة لآلاف الأميال، بلا حماية، خليط يحول الأمر لمأساة كبرى للدولة النيجيرية.

امرأة نيجيرية تسير على خطوط أنابيب نفطية قديمة في مدينة وارّي، دلنا النيجر (مصدر الصورة: الجارديان)

لذلك عندما تولى الجنرال محمدو بخاري، الرئيس النيجيري الحالي، السلطة في العام الماضي، كان من ضمن وعوده الانتخابية الرئيسية «محاربة فساد قطاع النفط»، وبعد توليه السلطة تولى مسؤولية القطاع بشكل شخصي، حتى قراره الأخير، في مارس (آذار) الماضي، بتفكيك المجموعة الوطنية النيجيرية للبترول، المعروفة اختصارًا بـNNPC، منتج النفط الأول في نيجيريا، إلى سبع وحدات رئيسية، تنقسم إلى 20 شركة مختلفة.

(4)

قبيل قرار بخاري بخمسة أيام فقط، وفي الرابع من مارس (آذار) الماضي، أقامت الحكومة الفيدرالية النيجيرية دعاوى قضائية، ضد أهم الشركات الدولية، المتحكمة في استخراج النفط الخام، وتصديره للخارج، شركات مثل «أجيب» و«شِل» و«شيفرون»، متهمة إياهم بالتسبب في تهريب قرابة 57 مليون برميل نفط، في الفترة من 2011 إلى 2014، بقيمة ما ذكرناه سابقًا «12 مليار دولار»، تم استخراجها، ولا يعرف أحد أين ذهبت على وجه الدقة.

لم يغير ما فعله بخاري، أو ما فعلته الحكومة النيجيرية، شيئًا كثيرًا، وظل الفساد على نفس مستوياته السابقة، خاصةً مع انشغال السلطات النيجيرية الرسمية، بشكل شبه كامل، في حرب أمنية مفتوحة مع بوكو حرام، الجماعة التي اعتبرت في فترة ما «فرع تنظيم الدولة الإسلامية» في نيجيريا، ولم تبد في الأفق نية حقيقية، أو خطوات فعالة، للتصدي لهيمنة عمالقة النفط الدوليين، على شريان الحياة النيجيري الرئيسي.

(5)

في يوم الجمعة، السادس من مايو (أيار) الماضي، صدق الجنرال بخاري، بصفته رئيسًا لنيجيريا، على ميزانية عام 2016، ومنها بند صغير، لم يعره الكثيرون اهتمامًا كبيرًا، يقضي بتقليص مخصصات «برنامج العفو»، الخاص بتبني الدولة للعسكريين السابقين، في دلتا النيجر، الذين قادوا صراعًا داميًا، في العقد السابق، ضد الشركات البترولية متعددة الجنسيات، وعمالة النفط العاملين في نيجيريا، تقليص في إطار خطة شاملة، يرعاها بخاري، لوقف البرنامج بحلول عام 2018 وإنهائه تمامًا.

لم يكن التصديق الرسمي، في مايو (أيار)، إلا جزءًا من نوايا معلنة، منذ بداية العام الحالي، أصر فيها الجنرال على وقف البرنامج، في غضون عامين فقط، خطأ إستراتيجي غير مبرر، يدفع الجميع ثمنه الآن، ويكفي أن نعرف نتيجة واحدة فقط من نتائجه: لقد أسقط نيجيريا، من مرتبتها الأولى النفطية الأفريقية، لصالح أنغولا، في أقل من شهرين، في مشهد ربما لم يحدث قبلًا على الإطلاق.

صراع قديم متجدد

لم تعرف منطقة دلتا نهر النيجر، في الجنوب النيجيري، الهدوء أبدًا، في مرحلة ما بعد اكتشاف احتياطاتها النفطية، فالمنطقة البالغ مساحتها 8% من مساحة نيجيريا الكلية، والمعروفة بكونها الأكثر احتواءً على المستنقعات في القارة الأفريقية، مما يعنيه هذا من «تربة رطبة»، تسبح بشكل كامل على «بحار» من النفط، فضلًا عن احتوائها على أكبر احتياطات غاز طبيعي في نيجيريا، منطقة غنية بمجموعات عرقية متنوعة، وتسيطر على ثروتها الرئيسية، النفط والغاز، شركة شِل، عملاق النفط والغاز العالمي، بقيمة سوقية تقترب من الـ265 مليار دولار، والعاملة في لاغوس منذ عام 1936، لتصبح الآن القوة النفطية الأكبر في نيجيريا.

خريطة معتمدة على معلومات من المخابرات المركزية الأمريكية CIA توضح حقول النفط وخطوط نقله في دلتا النيجر

يمكننا اعتبار «إعلان كاياما» النقطة المحورية، المغيرة لكل شيء، في عام 1998، عندما طالب سكان كاياما وما حولها، من المناطق والمدن الصغيرة التي يقطنها الإيجاويون «إيجاو هي أحد أعراق نيجيريا الأصيلة»، بتوقف الشركات الدولية عن تدمير البيئة، وتراثهم الطبيعي في المنطقة، إعلان أتى من مدينة كاياما لقيمتها التاريخية، وتجمع لإطلاقه 5000 نيجيري، من 40 عشيرةً مختلفة، تمثل جميعها عِرق «إيجاو».

ردت السلطات النيجيرية على الفور، وأرسلت قواتها لاحتلال جميع ولايات الدلتا، وعلى رأسها ولاية بايلسا، إحدى أهم ولايات الدلتا الغنية بالنفط، وعاصمتها «يناجوا»، وبالطبع مدينة كاياما القريبة منهما، ورمز الثورة الناشئة، وعندما وصل الجنود، فتحوا النيران من بنادقهم الآلية مباشرة، متسببين في مقتل بضعة أشخاص، وإصابة أكثر من 25 آخرين، لتنشط من حينها العمليات العسكرية المنظمة، ضد القوات النيجيرية العاملة هناك، وضد شركات النفط العالمية بالطبع.

استهدف «المسلحون المحليون» كل شيء تقريبًا، مصافي النفط، وخطوط الأنابيب قديمها وحديثها، واختطفوا عددًا لا بأس به من موظفي الشركات متعددة الجنسيات، وأخذوهم كرهائن للمساومة عليهم، وبعض القوات الأمنية أيضًا، وفي كل مرة ترد السلطات النيجيرية بإرسال مزيدٍ من قوات الجيش، والقوات الأمنية المحلية، لترتفع وتيرة الصراع أكثر، مع تسجيل «انتهاكات حقوق إنسان» واسعة النطاق، من قبل القوات النيجيرية بشكل رئيس، في المنطقة النفطية شديدة الثراء طبيعيًّا، شديدة الفقر على كل المستويات الأخرى، إلى أن ظهر التطور الطبيعي لشراذم المسلحين، حركة «MEND»!

ثم كانت «ميند»

«هدفنا واحد، تدمير قدرة الحكومة النيجيرية على تصدير النفط، بالكامل.. وليكن الآتي واضحًا لكم: لن تستطيع الحكومة النيجيرية أن تحمي عمالكم وموظفيكم، أو بنيتكم التحتية.. اتركوا أرضنا، أو تستطيعوا أن تموتوا فيها». – بريد إلكتروني رسمي لجميع شركات النفط العالمية، من حركة ميند، عام 2006.

في عام 2005، وبعد ست سنوات من العمليات العسكرية العشوائية، وجماعات متفرقة من المسلحين، أشبه بـ«عصابات» تحكم مناطق معينة لا تتعداها، كان التطور الطبيعي حتميًّا، وظهرت للنور «حركة تحرير دلتا النيجر»، أو ما تعرف اختصارًا بـ«MEND»، إحدى كبرى الحركات المسلحة، أو ما يمكننا أن نطلق عليها «أم الحركات» هناك.

في العام المذكور عقدت سلسلة من الاجتماعات، بين عدد من الكيانات الرئيسة، في دلتا النيجر، وعلى رأسها اتحاد مجتمعات إيجاو بدلتا النيجر، المعروف اختصارًا بـ«FNDIC»، وقوات متطوعين شعوب دلتا النيجر، المعروفة بـ«NDPVF»، وجماعات دينية مثل جماعة «كي كي» وجماعة جرينلاندرز، ليتخذوا جميعًا، في نهاية هذه الاجتماعات، قرارين رئيسين: بدء استخدام القوة المسلحة تجاه الحكومة والشركات الدولية، وتشكيل مظلة عسكرية واسعة تضم الجميع، فيما يشبه اندماج الشركات الاقتصادي، مظلة تدعى «ميند».

مسلحون من الحركات العسكرية القديمة في دلتا النيجر (مصدر الصورة: www.purplenaija.com)

تميزت حركة ميند ببضعة أشياء، بالغة الأهمية، فرقتها عن سابقيها، منها إستراتيجيتها الإعلامية المتطورة، في حينه، حيث بدأت بالتواصل مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، العاملة في نيجيريا، برسائل إلكترونية وصفت بالـ«درامية»، ذات لهجة سينمائية، يتبعها تنفيذ فعلي لما فيها، وموقعة باسم مستعار غامض «جومو جبومو»، من اعتقد فيما بعد أنه هنري أوكاه، القائد الافتراضي لميند.

وبجانب إستراتيجيتها الإعلامية، فإن الحركة في انطلاقها تمتعت بدعم محلي هائل، وحاضنة شعبية بالغة الضخامة، وسط ما يقدر بـ20 مليون نيجيري، هم تعداد سكان الدلتا التقريبي، الفقراء في معظمهم، مما وفر لها حماية مثلى، أثناء ملاحقة السلطات النيجيرية فيما بعد، وجعل أنشطتها العسكرية بالغة التأثير، لدرجة أنها، في مرحلة ما، تسببت في تخفيض الناتج المحلي النيجيري من النفط، بمقدار الثلث.

بالطبع لم يظل مسار الحركة «النبيل»، في مواجهة عملية إفقار الدلتا الممنهجة، طويلًا بنفس النقاء المفترض، لتتورط فيما بعد إلى أنشطة «إجرامية»، كاختطاف سكان محليين، وتفجير تجمعات مدنية، فضلًا عن ظهور شعار «الحفاظ على مسيحية الدلتا»، مما أدى إلى استهداف المسلمين، ودور العبادة الإسلامية أيضًا.

بعد بضعة أعوام، قبِل قادة الحركة الكبار بالمصالحة، ودخلوا تحت مظلة «اتفاقية العفو» الشهيرة، متمتعين بعفو قضائي، ورواتب شهرية مستمرة، ومساعدات حكومية، مقابل توقفهم التام عن الأعمال المسلحة، وهو ما حدث بالفعل، من أغلب مكونات ميند، إلا مجموعة صغيرة من شباب المقاتلين، لم ترضخ للاتفاقية، واستمرت في إرسال تهديداتها الإعلامية، بنفس أسلوب ميند القديم، مع مواصلة الهجمات المسلحة، على نطاق أضيق بكثير من السابق.

منتقمو دلتا النيجر

«نحن مجموعة من الأفراد المتعلمين والمخضرمين، ومستعدون لرفع نضال الدلتا لسقف لم تشهده هذه الأمة من قبل، ولدينا الإمكانات البشرية الكافية لتحقيق هذا الهدف»، من البيان الأول لمجموعة منتقمي دلتا النيجر، والذي نُشر في أبريل (نيسان) الماضي، على موقعهم الإلكتروني الرسمي.

منتقمو الدلتا، أو «Niger Delta Avengers»، اسم يبدو وكأنه قادم رأسًا من عوالم شركة «Marvel» الأمريكية للرسوم المصورة، إلا أنهم حقيقيون جدًّا، ووجودهم تسبب في خسائر غير مسبوقة للشركات العالمية، يكفينا معرفة أن شركتي آجيب الإيطالية، وآتيو النيجيرية، يخسران بشكل يومي 6.72 مليون دولار، قيمة ما كانت تنقله بعض الخطوط النفطية التابعة للشركتين، خطوط كانت تنقل 140 ألف برميل نفط خام يوميًّا، دمرها منتقمو الدلتا بالكامل.

ما حدث كان تسلسلًا طبيعيًّا، ظلت الأمور مستقرة، منذ أن منح الرئيس النيجيري السابق، عمر موسى، الحصانة لمسلحي الدلتا بالكامل، مقابل إلقاء أسلحتهم، والتخلي عن الأنشطة العنيفة، في عام 2009، ثم استمرت الأمور على تلك الشاكلة لمدة سبع سنوات، يتلقى فيها المسلحون تدريبات ورواتب شهرية، وتتكفل الدولة بمنح تعليمية خارجية، لمن أراد منهم، اتفاق أبرمه عمر موسى، وحافظ على استمراره واستقراره الرئيس السابق، جودلاك جوناثان، إلى أن أتى الجنرال محمدو بخاري على رأس السلطة، ليقلص مخصصات اتفاق العفو بنسبة 70%، ويمده عامين فقط، إلى 2018، تمهيدًا لإلغائه.

الرئيس النيجيري الجنرال محمدو بخاري

ولأنه من الصعب والغريب، على أي رئيس، أن يتخذ قرارًا كهذا، ويقلص مخصصات ما يقارب الـ30 ألف مسلح وعسكري سابق، بشكلٍ حاد، ويمر هذا القرار مرور الكرام، فكانت النتيجة الطبيعية هي ظهور منتقمو الدلتا، كأول جماعة مسلحة في دلتا النيجر منذ سبع سنوات.

لا يعرف أحد على وجه الدقة أي شيء مؤكد عنهم، فيعتقد كثير من السكان المحليين أنهم ينتمون إلى حركات سابقة، مثل ميند وأيضًا جبهة إنقاذ دلتا النيجر الشعبية، المعروفة اختصارًا بـ«NDPSF»، وآخرون يقولون إن مقاتلي الدلتا هم صنيعة «جوفرمنت إكميبيوبولو»، أمير الحرب النيجيري الشهير، وقائد ميند السابق، والهارب الحالي من إدارة مكافحة الفساد النيجيرية، منذ فبراير (شباط) الماضي، تحت دعاوى فقد أموال حكومية تقدر بـ231 مليون دولار تقريبًا، بينما يعتقد طرف ثالث أنهم «مجرد مجرمين» موالون للرئيس السابق جودلاك، ولم يعجبهم خروجه من السلطة، خاصةً مع الامتيازات التي كان يمنحها لهم.

المؤكد أنهم مدربون جيدًا، ويتمتعون بقدرة جيدة على التخطيط، وخبرة تقنية لا يستهان بها، ويستطيعون الوصول السريع إلى البنى التحتية لشركات النفط العالمية؛ مما ساعدهم على تدمير عدد لا بأس به من هذه البنى، والتسبب لأول مرة في عملية إحلال مراكز سريعة ومفاجئة، لتحتل أنغولا المركز الأول الأفريقي حاليًا، في إنتاج النفط، مقابل رجوع نيجيريا للمركز الثاني.

عملية الاقتصاد الأحمر

«هدفنا هو شلّ الاقتصاد النيجيري». –من أحد بيانات مجموعة منتقمو الدلتا، محددين هدفهم الشامل.

بدأ كل شيء فجأة في فبراير (شباط) الماضي، بعد إعلان الجنرال بخاري لنواياه، الخاصة بتقليص مخصصات برنامج العفو، تمهيدًا لإنهائه، حينها حدث ما يمكننا اعتباره الهجوم الضخم الأول، على عملاق النفط الأول في نيجيريا، وأحد عمالقة النفط العالميين المحدودين، مجموعة شِلّ الهولندية، حيث تم تدمير خط أنابيب تحت الماء تابع لها، ينقل يوميًّا قرابة ربع مليون برميل نفط، مما أدى لإغلاقه لعدة أسابيع، ولخسائر فادحة اقتربت من ربع مليار دولار.

وضعت العملية قواعد جديدة للعبة، فلم يتم اختيار خط أنابيب أرضي، يمكن تدميره بسهولة نسبية، وإنما خط أنابيب تحت الماء، باستخدام ضفادع بشرية، في رسالة مبطنة دالة على إمكانات المجموعة الجديدة، معنونة عملياتها الكبرى، المبدوءة بـ«ضربة شِلّ»، بعملية «الاقتصاد الأحمر».

صورة يعتقد أنها لمسلحين من ميند، عام 2007، استخدمها منتقمو دلتا النيجر كصورة رسمية لهم في موقعهم الرسمي القديم قبل إغلاقه (مصدر الصورة: www.premiumtimesng.com)

يتبرأ المنتقمون، على موقعهم الرسمي، مما وصفوه بـ «العناصر الإجرامية لجماعات مسلحة»، وحددوا تنظيم «ميند» بالاسم، وقالوا إنهم يجيبون شعب الدلتا فقط، قائلين لميند: «أيامك الإجرامية انتهت»، وليختموا بيانهم كعادتهم بـ«بارك الله في شعب الدلتا».

توالت هجمات المنتقمين المنظمة والدقيقة، على شركات النفط العالمية، العاملة في دلتا النيجر، واضطروا العملاق العالمي شِلّ، للمرة الأولى، بعد هجوم آخر على خط أنابيب أرضي، لاستخدام بند القانون الدولي «القوة القاهرة»، متيحًا لها التنصل من التزاماتها التجارية، وتصدير النفط لشركائها في الخارج، بدون الخوف من الشروط الجزائية، تبعًا لوجود قوة قاهرة مؤثرة في نشاط الشركة، ولا تستطيع المجموعة التحكم فيها.

هجوم على منصة بترولية مملوكة لشيفرون، العملاق النفطي الأمريكي، ثم يعلن الجنرال بخاري عن زيارته الأولى للمنطقة، مطلع يونيو (حزيران) الحالي، فيرسل له المنتقمون هدية استقبال فورية، ويفجرون محطتي تصدير نفطي تابعتين لشيفرون أيضًا، عمليات أثرت بشكل بالغ السلبية في الإنتاج النفطي النيجيري، أو بتعبير وزير المالية النيجيري، كيمي أدويسون، فإن عملياتهم «تؤثر بشكل خطير في إنتاج النفط لدينا».

لم يكن تصريح وزير المالية مبالغًا فيه، الحقيقة أن الإنتاج انخفض بالفعل بشكل كبير، من 2.2 مليون برميل يوميًّا، إلى 1.65 مليون برميل، بنقص تعدى النصف مليون برميل، ومع قيمة البرميل الواحد في السوق العالمية، المساوية لـ48 دولارًا تقريبًا كمتوسط سعر، فالاقتصاد النيجيري، والشركات متعددة الجنسيات في المقام الأول، يستنزفون بشكل يومي بمبلغ قدره 27 مليون دولار تقريبًا، كخسائر مباشرة.

في بداية الأسبوع الثاني من مايو (أيار) الماضي، أصدر منتقمو الدلتا قائمة مطالبهم الأولى، موجهة للحكومة النيجيرية الفيدرالية، ولرأس السلطة الجنرال محمدو بخاري، مطالب ربما تبدو غير منطقية، أو عصية التنفيذ، إلا أنها «شعبية» بامتياز، منها إعادة تقسيم النفط بالكامل، وتوجيه 60% من أرباحه لشعب دلتا النيجر، و40% لمنتجي النفط والحكومة، ومنها أيضًا إعادة مشروع «الجامعة البحرية»، كيان تعليمي قُرر إقامته في الدلتا، قبل أن يلغي القرار وزير النقل، روتيمي أمايكي، وتنفيذ بنود اتفاق مؤتمر نيجيريا الوطني، في 2014.

لا يعرف أحد إلى أين تتجه الأمور تحديدًا، فعلى الجانب المخابراتي النيجيري، هناك حالة من الغضب المستشري، في أروقة مخابرات العاصمة، وأجهزتها الأمنية، لعدم تمكنهم من معرفة معلومات عن المنتقمين، تساعد في تعقبهم، أو على الأقل منع هجماتهم، وعلى الجانب الآخر فإن المجموعة تحظى بدعم شعبي، لا يستهان به من قبل سكان الدلتا المحليين، ومن الناحية الثالثة فإن بخاري يبدو حتى الآن مصرًا على المضي قدمًا في خطته، القاضية بوقف تنفيذ اتفاق العفو، في عام 2018، ويبدو عمالقة النفط، ونظمهم الأمنية، عاجزين عن حماية كل شبر من بناهم التحتية، يبدو هذا مستحيلًا بالطبع، بينما تتضخم قبضة المنتقمين أكثر فأكثر.

«على العالم ألا يصمت وينتظر حتى يرانا نذهب إلى نفس الطرق التي سلكتها السودان، لقد طفح الكيل»، من البيان الأخير للحركة، في التاسع من يونيو (حزيران) الجاري.

عرض التعليقات
تحميل المزيد