يشهد العالم اليوم تسارعًا كبيرًا في الأحداث؛ أزمات سياسية وصحية وبيئية، وأخرى أمنية وغذائية تهدد العالم بواقع أسوأ في المستقبل القريب، فبعد الأزمات الصحية العالمية التي شلّت العالم متمثلة في جائحة كورونا ومستجداتها؛ شكلت أزمة الحرب الروسية الأوكرانية التهديد الأكبر على مستقبل هذا العالم، بحكم الأزمة الكبيرة التي أحدثتها ومسّ تأثيرها العالم الأجمع؛ وتتعلق بإمدادات الطاقة، التي باتت احدى أكبر الأخطار المهددة للعديد من الدول.

أزمة الطاقة تلك، والتي تفاقمت مع غزو روسيا لأوكرانيا أواخر شهر فبراير (شباط) 2022؛ بعد قرار بعض الدول الأوروبية حظر استيرادها للغاز الروسي، وإجبار موسكو الدول الأوروبية المستوردة لغازه على الدفع بالروبل (العملة الروسية)؛ أجبر الدول الأوروبية على البحث عن حلٍ يخرجها من دائرة حصار الغاز الروسي؛ ويجعل ورقة الغاز التي تعد ورقة موسكو الرابحة في صراعها مع الغرب، إلى ورقة خاسرة. 

على جانب آخر تشكّل نيجيريا فرصة ذهبية لأوروبا لحلّ تلك المعضلة؛ فالدولة الأفريقية التي تحتلّ المرتبة 22 عالميًّا والثالثة أفريقيًّا على مستوى إنتاج الغاز والخامسة عالميًّا والأولى أفريقيًّا على مستوى التصدير؛ وتمتلك أكثر من 30% من الاحتياطي الأفريقي، تفكّر منذ سنة 2002 في إنشاء خط أنابيب يمد أوروبا بالغاز النيجيري بعد توقيعها آنذاك اتفاقية مع الجزائر. ظلّ المشروع النيجيري يراوح نفسه منذ ذلك الوقت، إلى أن أخذ أبعادًا أكثر، بدخول المغرب على الخط بمشروع مماثل جرى الإتفاق عليه في ديسمبر (كانون الأول) 2016، عند زيارة ملك المغرب إلى أبوجا.

ملك المغرب خلال زيارته لنيجيريا في 2016 – مصدر الصورة: meer.com

ومع وصول الأزمة السياسية بين المغرب والجزائر إلى طريق مسدود، في أغسطس (آب) 2021، وإعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط، ووقف العمل بأنبوب الغاز الذي يمرّ عبر المغرب إلى إسبانيا ويمد الرباط بما يكفيها من الغاز؛ ومن ثم أزمة الجزائر السياسية مع إسبانيا بسبب موقفها من قضية الصحراء الغربية، واحتمال أن يتطور الخلاف الجزائري الإسباني ليصل إلى ملف الغاز؛ اكتسب المشروع النيجيري لمدّ أوروبا بالغاز عبر خط أنابيب عابر للصحراء، أهمية أكبر، وتحول مشروع الأنبوب النيجيري إلى ما يشبه معركة بين الجزائر والمغرب حول من يظفر بالمشروع، ويمر الغاز النيجيري عبر أراضيه.

في سياق متصل احتضنت العاصمة النيجيرية أبوجا، يوم الاثنين 19 يونيو (حزيران) 2022، اجتماعًا ثلاثيًا، ضمّ كلًا من وزراء طاقة الجزائر، والنيجر، ونيجيريا؛ وناقشوا سبل تسريع مشروع مد خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، عبر النيجر والجزائر، قبل أن يشقّ البحر إلى أوروبا.

هذا الاجتماع الجديد؛ جاء بعد نحو ثلاثة أسابيع من تصريحٍ مثيرٍ لوزير النفط النيجيري الذي أعلن في الثاني من يونيو 2022، أنّ الحكومة الفيدرالية أعطت «موافقتها على أن تبرم الشركة النفطية النيجيرية الوطنية اتفاقًا مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لبناء أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب»، والذي يشير إلى تزويد دول غرب أفريقيا بالغاز النيجيري.

خط غاز الجزائر نيجيريا: المشترون لم يعودوا مشكلة!

منذ أكثر من 20 سنة بدأت جهود الجزائر لإنشاء خط أنابيب للغاز يمتد من حقول نيجيريا إلى أراضيها، ثم يتجه شرقًا إلى إيطاليا عبر أنبوب «ترانسماد» وغربًا إلى إسبانيا عبر أنبوب «ميدغاز». ففي يناير (كانون الثاني) 2002، جرى التوقيع على مذكرة للتفاهم حول التحضير لمشروع يربط بين الجزائر ونيجيريا ويمدّ أوروبا بالغاز، وفي فبراير 2009، انضمت النيجر إلى المشروع الجزائري النيجيري بحكم كونها «بلد عبور». وفي 13 سبتمبر (أيلول) 2021، كشفت شركة «سوناطراك» الجزائرية، عن الانتهاء من الدراسات التقنية لأنبوب الغاز العابر للصحراء، وتحديد منطقة عبور الخط. 

Embed from Getty Images

تبع ذلك إعلان وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب في مايو (أيار) 2022، أن المفاوضات بين الجزائر ونيجيريا، المتعلقة بإتمام خط أنابيب الغاز النيجيري الجزائري، المتجه إلى أوروبا سوف تنطلق قريبًا. وفي 20 يونيو 2022؛ أعلنت الحكومة النيجيرية إن مشروع خطوط أنابيب الغاز عبر الصحراء الكبرى والذي تبلغ تكلفته 13 مليار دولار سيوفر فرصة كبيرة لنيجيريا، والنيجر، والجزائر، للاستفادة من الأسواق الأوروبية. 

جدير بالذكر أنه علاوة على أوروبا يستهدف المشروع الذي سيمتد من نيجيريا عبر جمهورية النيجر إلى ساحل البحر المتوسط ​​في الجزائر إمداد الغاز إلى تشاد ومالي.

ولا يبدو أنّ التمويل سيواجه عائقًا أو مشكلةً في خطة الجزائر لمد خط أنابيب الغاز النيجيري؛ فعندما عندما سئل وزير الطاقة الجزائري في 2007، شكيب خليل، عن سبب تأخير إنجاز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والجزائر، نفى أن يكون ذلك مرتبطًا بتكلفته المالية العالية، بل بعدم وجود مشترين، واليوم مع بلوغ أسعار الغاز أرقامًا قياسية، وانفتاح السوق الأوروبية على أفريقيا، تسعى الجزائر لاغتنام الفرصة وتنفيذ مشروعها.

لكن نجاح المشروع الجزائري النيجيري، يواجه عدة تحديات، فبجانب التحدي الأمني على حدودها مع النيجر؛ يوجد على المشروع المغربي المماثل. وبالرغم من أن المغرب ينفي وجود أي منافسة مع الجزائر على مشروع خط الغاز مع نيجيريا، فإن الجزائر ترى أن الخطوة المغربية تسعى لإجهاض مشروعها.

وفي هذا السياق صرّح وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب إن «المشروع المغربي النيجيري أكثر تعقيدًا، كما أن التمويل غير واضح، في حين أن الجزائر لديها الوسائل والرغبة في تمويل جزء كبير من خط أنابيب الغاز العابر للصحراء».

خريطة أولية تبرز طريق مرور خط غاز نيجيريا - النيجر- الجزائر

خريطة أولية تبرز طريق مرور خط غاز نيجيريا – النيجر- الجزائر

أمّا مشروع خط الجزائر، وبحسب ما صرح بيه الوزير الجزائري لصحيفة «دير شبيغل» الألمانية، خلال مقابلة أجرتها الصحيفة معه قبل أيام، فقد «أُنشئت بالفعل معظم البنية التحتية في، ويمكن الانتهاء من أنبوب الغاز خلال ثلاث سنوات، ونقل من 20 إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز النيجيري».

ويمتد أنبوب الغاز من نيجيريا إلى النيجر، ثم الجزائر، لتصدير الغاز إلى السوق الأوروبية، ويبلغ طول الأنبوب نحو 4128 كم، منها 2310 كم في الأراضي الجزائرية، ويستهدف نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز النيجيري سنويًا نحو أوروبا.

ومن المقرر أن يمتد خط أنابيب الغاز النيجيري الجزائري (خط أنابيب الغاز العابر للصحراء) من حقول الغاز في دلتا نهر النيجر جنوبي البلاد، على مسافة 1040 كيلومترًا حتى الحدود الشمالية، ويمتد على مسافة 841 كيلومترًا في أراضي النيجر، وصولًا إلى ولاية تمنراست على الحدود الجزائرية، وتبلغ مسافة خط أنابيب الغاز العابر للصحراء نحو 2300 كيلومتر؛ إذ يصل إلى شمالي الجزائر، قبل أن يعبرها إلى إيطاليا عبر أنبوب الغاز «ترانسميد»، ثم يدخل أنبوب «ميدغاز» باتجاه إسبانيا.

خط غاز نيجيريا – المغرب: قبل أوروبا.. 15 دولة أفريقية ستستفيد أيضًا

في ديسمبر 2016، خرج المشروع المغربي النيجيري إلى العلن؛ فبعد زيارة الملك محمد السادس إلى العاصمة النيجيرية أبوجا، والتقائه نظيره محمد بخاري، اتفق الطرفان على إطلاق دراسة جدوى في مايو 2017؛ وذلك من أجل ربط البلدين بخط غاز ينطلق من نيجيريا، ويصل إلى أوروبا مرورا بالرباط.

وفي يونيو 2018 بدأ المشروع يعرف النور تدريجيًا؛ وذلك بعد أن وقَّع البلدان إعلانًا مشتركًا يهدف إلى تحديد خطوات هذا المشروع الضخم الذي سيمتد على طول 5660 كيلومترا، ويقطع فيافي 10 دول أفريقية هي كل من بينين، وتوغو، وغانا، وساحل العاج، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا، وغينيا، بيساو، وغامبيا، والسنغال، وموريتانيا، بالإضافة إلى المغرب ونيجيريا؛ كما أنّ القيمة التقديرية لهذا المشروع الضخم تبلغ نحو 25 مليار دولار.

خريطة تبرز طريق مرور خط غاز المغرب نيجيريا – مصدر الصورة: دويشته فيله

ومع مطلع الشهر الحالي أعطت الحكومة النيجيرية شركة البترول الوطنية النيجيرية «إن إن بي سي» التي تديرها الدولة، الضوء الأخضر لتنفيذ صفقة مد خط أنابيب الغاز إلى أوروبا عبر المغرب، وذلك بالتعاقد مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «سيدياو».

وقال وزير البترول النيجيري، تيميبرى سيلفا: «خط الغاز هذا سينقل الغاز إلى 15 دولة في غرب أفريقيا وإلى المغرب ومنه إلى إسبانيا وأوروبا»، وأضاف أن المشروع في مرحلة التصميم وأن التفاصيل بما في ذلك التكلفة والتمويل لا تزال قيد الإعداد.

وعلاوة على المنافسة الجزائرية النيجرية تواجه مخططات المغرب العديد من الصعوبات؛ فالتكلفة الباهظة التي سيكلفها المشروع المغربي، والتي تقدر بنحو 25 مليار دولار من شأنها أن تقف حجر عثرة في طريق تجسيد المشروع، كما تقف التحديات الأمنية بفعل عبور المشروع عبر مناطق توتر في منطقة الساحل، علاوة على عدم تأمين المشروع لنيجيريا التوغل في الأسواق الأوروبية؛ وذلك لأن معظم الدول التي يمر عبرها خط الأنابيب هي دول بحاجة إلى الغاز، وسيكون لها نصيب من غاز نيجيريا العابر إلى أوروبا. 

بعيدًا عن الأزمة الجزائرية المغربية.. نيجيريا تخطط لاقتحام السوق الأوروبية

طوال الأشهر الماضية التي رافقها احتدام الجدل والصراع بين الجزائر والمغرب حول مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري، لم تحسم أبوجا قرارها حول أيٍّ من البلدين – المغرب أوالجزائر – سيكون له الأولوية في تنفيذ المشروع الكبير، مؤكدة في الوقت ذاته أنها لا تزال تُجري الدراسات.

ويبدو أنّ أبوجا لا تنظر إلى المشروعين الجزائري والمغربي من زاوية المنافسة، لكنها ترى فيهما وسيلتين متكاملتين لإيصال غازها إلى الأسواق الأوروبية، وما يفسّر ذلك تصريحات المسؤولين النيجيريين المتضاربة التي تعلن عن تقدمٍ في مشروع المغرب تارة، وعن نيتها منح صفقة المشروع للجزائر تارة أخرى.

تعتبر نيجيريا من أكثر الدول إنتاجا وتصديرًا للغاز في إفريقيا

تعتبر نيجيريا من أكثر الدول إنتاجا وتصديرًا للغاز في أفريقيا

وما بين الصراع الجزائري المغربي تسوّق نيجيريا نفسها على أنّها أحد الحلول لأزمة الغاز المتفاقمة في أوروبا بسبب العقوبات المفروضة على روسيا، وتصدر نيجيريا أكثر من 12 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا، وبالخصوص إلى إسبانيا، وهي كمية محدودة نظرًا للقدرة الإنتاجية للبلاد وتسعى إلى مضاعفتها عبر مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الذي سينقل 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا بعد اكتماله، بحسب مرصد الطاقة العالمي.

وفي أبريل 2022 أعلنت نيجيريا عن تأجيل موعد الانتهاء من مشروع خط أنابيب نقل الغاز «إيه كيه كيه» الذي تتنافس عليه الجارتان المغربيتان، وأجلت أيضًا موعد بدء تشغيله، إلى الربع الأول من العام المقبل 2023، بدلًا عن العام الجاري 2022.

وتبلغ تكلفة مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري، الذي سيربط بين «آجاوكوتا – كادونا» و«كانو»، 2.8 مليار دولار، ومن ثم يربط نيجيريا ببعض دول أفريقيا، حتى يصل إلى أوروبا عند اكتماله. وخط الأنابيب هذا يبلغ طوله خط 614 كيلومترًا، ومن المتوقع أن يربط شرق نيجيريا بغربها، وشمالها بجنوبها، ثم يجري ربطه بمشروعات خطوط أنابيب الغاز المقرر التي ستُنَفَّذ مع كل من المغرب والجزائر.

عربي

منذ 3 شهور
بعد شهر عسل طويل مع الجزائر.. لماذا قررت إسبانيا الانحياز للمغرب الآن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد