إما أن نقضي على الفساد، أو يقضي الفساد على نيجيريا

وفقًا للمقياس العالمي، فإن إفريقيا هي أكثر قارات العالم السبع «تخلفًا» عن ركب الحضارة التي ترعاها دول الشمال. مع كل ثرواتها البشرية والطبيعية، تأتي القارة السمراء في ذيل التطور البشري.

لكن على ما يبدو، فإن بلدًا في قلب القارة، على وشك كسر تلك القاعدة النمطية. نحن نتحدث عن نيجيريا، مارد إفريقيا الأخضر، الذي يبدو أنه يُعد للخروج من «قمقمه»، وهذا وفقًا لما يُحيلنا إليه أحد تقارير الحكومة الأمريكية، الذي يتنبأ بأن تصبح نيجيريا ضمن الاقتصادات العشرين العظمى في العالم بحلول 2030.

المعلومات الأولية عن المارد الأخضر

تقع نيجيريا في وسط القارة الإفريقية غربًا. تحدها شرقًا كل من تشاد والكاميرون، وتجاورها النيجر شمالًا وبنين من الغرب. عاصمتها أبوجا، وفقًا لمعلومات وكالة الاستخبارات الأمريكية، يصل عدد سكانها إلى 175 مليون نسمة، يُمثل منهم عرق الهوسو 29%، واليوبا 21%، والجبو 18%. يدين 50% من سُكانها بالإسلام، و40% بالمسيحية، بينما يعتنق الـ10% الباقون ديانات مُختلفة.

عَرفت المستعمرة السابقة لبريطانيا، ست انقلابات عسكرية، منذ إعلان استقلالها عام 1960. وبدأت أول انتخابات ديمقراطية سنة 1999. تعتمد جمهورية نيجيريا الاتحادية النظام الفيدرالي في الحكم، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا ويعد النفط أعظم ثروة تتوفر لنيجيريا، بالإضافة إلى المعادن الثمينة، ومع ذلك فإنّ %70 من سكانها يُمارسون النشاط الفلاحي، فيما تُعاني البلاد إجمالًا ظواهر الفقر والفساد، فضلًا عن العُنف.

قوة صاعدة؟

شهد العقد الأخير من القرن الجاري، ارتقاء عدد من الدول المتخلفة، إلى فئة الدول الصاعدة، منها تركيا و البرازيل وجنوب إفريقيا. وكان أبرز ما قامت به هذه الدول هو شن معركة شعواء ضد الفساد، وعملها العازم على تقوية مؤسسات الدولة وتحويلها إلى الديمقراطية، وقد حققوا حتى الآن انتصارات في ذلك الشأن، وإن كانت غير حاسمة حتى الآن.

لعل ذلك فقط ما تحتاجه نيجيريا لتحقيق «الإقلاع الاقتصادي» المرجو، لا سيما أنها تملك ميزات نوعية، يمكن أن تعمل كمحركات نفاثة تدفعها نحو هدفها، فهي تحتل المرتبة العاشرة في احتياطات النفط، إذ تحتضن ما معدله، حسب الوكالة الأمريكية الاستخبارية، 37,07 بليون برميل، وتحوز الرتبة 12 عالميًا، والأولى إفريقيا من حيث الإنتاج بـ2,411 مليون برميل يوميًا. بجانب ذلك، تملك نيجيريا احتياطات من الغاز الطبيعي تقدر بـ 5,118 تريليون سنتيمتر مكعب، وبذلك تكون في المرتبة الثامنة عالميًا.


يملك هذا البلد الإفريقي أيضًا موارد معدنية نفيسة كالذهب، علاوة على أن %35 من مساحته الإجمالية (923 ألفًا و786 كيلومتر مربع) صالحة للزراعة. لكن الثروة الأهم التي تميز نيجيريا هي كثافتها السكانية، إذ يتجاوز تعداد سكانها 170 مليون نسمة، مما يوفر سوقًا استهلاكية خصبة للاستثمار، وقوة إنتاجية وافرة. إلا أن كل هذه الثروات والموارد لم تمنع أن تكون نيجيريا بلدًا غارقًا «الظلام»!

غنيّة ولكن

يُعد الاقتصاد النيجيري، قوة اقتصادية عظمى في إفريقيا، من حيث الناتج الداخلي الخام، الذي فاق تريليون دولار في 2015 بحسب تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. وبالنظر إلى حجم التدهور الذي يضرب نيجيريا بقوة، فإننا سنسقط في مفارقة، تدل على حجم غُبن الشعب النيجيري. ويكفي أن نتناول ثلاث مشكلات تؤرق هذا البلد:

الفقر

يصنف تقرير الأمم المتحدة لعام 2015، نيجيريا، في سلم التنمية البشرية، في المرتبة 152، مما يعني أن كل تلك الثروات التي ذكرناها آنفًا لم تمنع أن تجعل هذا البلد الإفريقي بعيدًا عن ركب التطور، من حيث الصحة والدخل الفردي والمساواة والتعليم والأمن، وهي المعايير التي تعتمدها الأمم المتحدة في التصنيف.

وينتشر الفقر في نيجيريا على نطاق واسع، رغم الثروات والموارد التي تحظى بها، إذ تذكر الوكالة الاستخبارية الأمريكية، في موقعها على الإنترنت، أنه أكثر من %62 من سكان نيجيريا، البالغ عددهم 170 مليون نسمة، هم تحت خط الفقر. ويشتد الفقر بالمناطق الريفية التي لا تزال تمارس أنشطة فلاحية محدودة بوسائل بدائية.

العنف

مع بداية العام الماضي، استطاعت جماعة «بوكو حرام» المسلحة أن تسيطر على مناطق شمال شرقي نيجيريا، وبدا الجيش النيجيري حينها عاجزا عن طردها، مما أثار هلع المجتمع الدولي من إمكانية تهديد التنظيم المتطرف للدول المجاورة (تشاد وكاميرون)، والقارة الإفريقية ككل.

نفذت بوكو حرام هجمات قاتلة في نيجيريا طوال الخمس سنوات الماضية، استهدفت مدارس وكنائس وبلدات وتجمعات، وراح ضحيتها آلاف القتلى، بينهم مئات النساء والأطفال. كان آخر تلك الهجمات في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، بمدينة «مايدوجوري»، حيثُ أُزهقت 85 روحًا.

NIGERIA-UNREST-ISLAMISTSبجانب العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة هناك، تشهد نيجيريا منذ عقود مواجهات دموية عرقية (بين القبائل المختلفة)، ودينية (بين المسلمين والمسيحيين) بين الفينة والأخرى. وتفيد تقديرات أنها خلّفت ما لا يقل 15 ألف قتيل.

الفساد

عادة ما تحظى نيجيريا بإحدى المراتب العشرة الأخيرة في مؤشرات الفساد، بحسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي)، إذ يمثل الفساد في نيجيريا الحجرة التي تغلق طريق التنمية، بحيث لا تترك فجا، إذ تلتهم نخبة صغيرة أموال النفط بطريقة في غاية البدائية، بينما تترك عامة الشعب يعيش في براثن الفقر والحرمان.

وتكشفت آخر فضائح الفساد النيجيري، يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما كشف وزير الإعلام النيجيري، أن «55 شخصا، من بينهم وزراء سابقون في الحكومة اختلسوا 1.34 تريليون نيرا، أي ما يعادل 6.8 مليارات دولار على مدى 7 سنوات»، وأضاف قائلًا إنه «إذا لم يقض على الفساد فإنه سيقضي على نيجيريا».

ومنذ تولي الرئيس الجديد، محمد البخاري، الحكم، أصبحت الحكومة النيجيرية تشن حملة شرسة ضد الفساد، الذي وعد باسترجاع مبالغ مالية من المتهمين بالفساد.

مُؤشرات «الاستيقاظ من السبات»

بالنظر إلى الاقتصاد النيجيري، نرى تطوره في السنوات العشر الماضية، ليتضاعف أربع مرات. ووفق تقرير للجارديان عن الاقتصاد النيجيري، فإن الأخير بدأ يحقق قفزات من حيث الناتج الداخلي الخام من سنة لأخرى منذ 2011، حتى غدا الاقتصاد الأكبر في القارة الإفريقية.

يمكنك متابعة خط تطور الناتج المحلي لقطاعات اقتصادية مختلفة بنيجيريا وفق الجادرين:


إلى جانب هذا التراكم في الاقتصاد، يُصاحب ذلك إرادة سياسية قوية للقضاء على الفساد من قبل الرئيس النيجيري الجديد محمد البخاري، الذي يصادف هذا الشهر تمام عامه الأول من الحكم.

وقام الرئيس النيجيري خلال هذه الفترة بحزمة من الإصلاحات الجريئة، منها، حسب ما نقلت رويترز، اعتماده لأول مرة في تاريخ نيجيريا «الميزانية الصفرية»، حيث لا يتم رصد ميزانية قطاعات الدولة المختلفة بشكل مسبق كما هو المعتاد، وإنما تقديرها حسب الحاجة. وأمر بتشكيل لجنة أكاديمية مختصة في التحقيق في الفساد، واقتراح طرق لتقويضه داخل مفاصل الدولة، بالإضافة إلى إعلانه انطلاقة برامج لمحاربة الفقر والنهوض بالتعليم.

باشر أيضًا الرئيس النيجيري، باستبدال عشرات المسؤولين بمؤسسات الدولة، وإحالتهم إلى التحقيق، بينهم مستشار سابق للأمن القومي، ووزير الدفاع السابق، بالإضافة إلى العديد من القادة العسكريين؛ بسبب فشلهم في التصدي لبوكو حرام، وتورطهم في صفقات سلاح وهمية.

وتنفيذًا لتوصيات لجنة التحقيق، عمل على دمج المؤسسات ذات الاختصاصات الواحدة، وتوحيد النظام المعلوماتي و المالي لموظفي الدولة في نظام واحد، وهكذا تم اكتشاف آلاف العاملين الأشباح (الوظائف الوهمية)، حسبما نقلت وسائل إعلامية نيجيرية، علاوة على سن قانون جديد لحماية الشهود.

لكن الخطوة الحاسمة، التي قام بها رئيس الدولة النيجيرية، هي إعلانه حربا ضد لوبيات الفساد في قطاع البترول. اللوبيات التي حرمت ميزانية الدولة عشرين مليار دولار، في السنوات الثلاثة الماضية فقط، وفق تصريح محافظ البنك النيجيري. ومن أجل ذلك عين محمد البخاري، نيجيري متخرج من جامعة هارفرد، كمدير جديد لشركة البترول الوطنية النيجيرية، باشر هو الآخر إصلاحات واسعة داخل الشركة، شملت إقالة مسؤولين قدماء وتغييرات جديدة، كالاستغناء عن الوسطاء وبيع وشراء النفط مباشرة تفاديًا لنهب العائدات.

وإذا لم يكن كافيًا أن الاقتصاد النيجيري غدا الأعظم في القارة السمراء، وأن هناك إدارة سياسية جديدة عازمة على محاربة الفساد كما تقول، كدليل على النهضة النيجيرية المُرتقبة، فإن المجتمع الدولي صار أكثر عزمًا على دفع نيجيريا إلى الأمام، ليس حبا فيها، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين لا يريدون بأي حال، أن يصبح النصف السفلي من قارة إفريقيا مرتعًا لـ«الإرهاب»، ومعقلا للجماعات «المتطرفة»، وربما يكون دليلًا على ذلك الزيادة الضخمة في المساعدات السخية، التي تتلقاها نيجيريا خلال الفترة الأخيرة، وحدّة اللهجة التي تنتقد بها فساد الدولة النيجيرية وجيشها، إلى جانب الاستثمارات الغربية والصينية التي بدأت تتقاطر على نيجيريا، كسوق اقتصادية واعدة.

المُثير للاهتمام، أن المستقبل الواعد لنيجيريا كما يبدو، ليس اقتصاديًا فقط، وإنما سينمائيًا أيضًا، إذ إنّ «نوليود» الخاصة، تحتل المرتبة الثانية بعد «بوليود» من حيث كم الأفلام المُنتجة سنويًا، متفوقةً على «هوليود»!

عرض التعليقات
تحميل المزيد