تفعله حركة «الواقفون ليلًا» كل ليلة منذ شهرين، في فرنسا، وحين يحل النهار تقود المسيرات الاحتجاجية نحو المقرات الرسمية، مرددة شعارات الثورة والحرية والمساواة

في مشهد أشبه بما كان يجرى في ساحة «الأكورا» اليونانية قديمًا، تمتلئ ساحة الجمهورية في باريس بتجمعات الناشطين المحتجين ليلًا. شاب يدخل «الحلقية»، ويلقي خطابًا حماسيًا، يدعو فيه لاسترجاع الحرية، والوقوف أمام الرأسمالية، بعدها يتبعه شاب آخر يتحدث حول: كيف أن الساسة أصبحوا أكثر بؤسًا، ويشرح لماذا صار العالم بحاجة إلى نظام عالمي جديد، ثم تتوسط فتاة الحلقية لتحذر من تآكل القيم الديمقراطية والحريات الفردية وحقوق الإنسان بالمجتمع العالمي.

بجانب هذا التجمع، حلقيات أخرى، بعضها متخصص في إبداع الأشعار والتفنن في عروض المسرحيات، وأخرى تفضل إلقاء النكت والسخرية من السياسيين.

هذا ما تفعله حركة «الواقفون ليلًا» كل ليلة منذ شهرين، في فرنسا، وحين يحل النهار تقود المسيرات الاحتجاجية نحو المقرات الرسمية، مرددة شعارات الثورة والحرية والمساواة.

عن «الواقفون ليلًا»

ظهرت الحركة إلى الوجود خلال المظاهرات الكبرى بفرنسا، الخميس الموافق 31 مارس (أذار) 2016، احتجاجًا على مشروع قانون له علاقة بالعمال، وضعته وزيرة العمل الفرنسية ذات الأصل المغربي، «مريم الخمري». اقترح حينها المحتجون فكرة بسيطة؛ للحيلولة دون تمرير مشروع القانون المقترح، وهي الاعتصام في ساحة الجمهورية بباريس طوال الليل.

لقيت الفكرة ترحيبًا لدى المحتجين، وبدأوا بالمبيت في الساحة الجمهورية، وسرعان ما أصبحت الحركة تستقطب الآلاف من فئات اجتماعية مختلفة، تجمعها مشاعر السخط تجاه سياسات الحكومة والنظام العالمي.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=ojGocvRI8Oo” width=”800″ height=”450″ ]

لكن الأمر لم يقتصر على الاعتصام فقط، بل تحولت ساحة الجمهورية إلى مجال عام للنقاشات ساخنة حول مواضيع اجتماعية وسياسية واقتصادية، تدور طوال الليل، تحت شعار، كما تقول الحركة في موقعها على شبكة الإنترنت «تجمعات سلمية، مفتوحة وشعبية نحو استعادة المجال العام»، وهو ما لا يثير مشكلة مع الشرطة. وتنتظم الحركة وفق لجان تدير أنشطتها وتقر اختيارات الجموع المحتجين.

توجهات المتظاهرين

تجمع حركة «الواقفون ليلًا» اتجاهات اجتماعية وسياسية متنوعة، فتستقطب في تجمعات ناشطين يساريين وليبراليين، وحماة للبيئة، وعمال ونقابيين، وكذا طلاب وموظفين، وأناس عاديين. ودعمت الحركة شخصيات مرموقة، مثل المفكر «إدغار موران»، والاقتصادي «فريديريك لوردون».

وقد استقصت صحيفة «لوموند» الفرنسية، المنضمين لتجمعات الحركة الليلية، فخلصت إلى أن معظمهم ينتمون إلى الأحياء الباريسية، و37% منهم قدموا من مدن فرنسية أخرى، ومنهم من جاء من دول أخرى. كما وجدت أن 61% من المشاركين هم من ذوي الشهادات العليا، و 20% قيد البطالة، و16% منهم عمال.

ساهمت هذه التشكيلات المتنوعة المكونة لحركة «الواقفون ليلًا» في إكسابها زخمًا، وإثراء نشاطاتها الثقافية الليلية، ما يجذب العديد من المواطنين للانضمام، إلا أن هناك فئات اجتماعية أخرى، لم تنل الحركة إعجابها.

ماذا تريد الحركة؟

ظهرت الحركة أول الأمر، كخطوة احتجاجية ضد مشروع قانون العمل، الذي اقترحته الوزيرة «مريم الخمري»، غير أن الحركة تطورت إلى تجمعات ضخمة، تناقش موضوعات متنوعة، وتسعى إلى إيجاد سبل للتغيير الذي تنشده.

تختلف أهداف الحركة بحسب مكوناتها، فهناك من يسعى إلى إلغاء قانون الطوارئ المفروض؛ نتيجة أحداث باريس، وهناك من يطمح إلى ثورة عمالية ضد «الرأسمالية»، وهناك من ينشد حقوق الإنسان والحريات الفردية، وآخرون يسعون إلى تعزيز سياسات تحترم البيئة، لكن قاسمهم المشترك هو رفضهم للوضع السياسي العالمي الحالي.

People of the 'Nuit Debout' movement and some trade unionists began an unauthorized demonstration towards the bureau of the Socialist Party in Toulouse. Toulouse. France. May 10th 2016. Several thousands sympathizers of the 'Nuit Debout' (Up All Night) movement and trade unionists reacted with an unauthorized demonstration after the announcement of the use by Socialist Prime Minister Manuel Valls of the article 49.3 of the Constitution to pass the El-Khomri bill on labour reforms with nor vote nor debate in the Parliament.All 'Nuit Debout' movements in France reacted with spontaneous demonstrations. Clashes took place in Paris, Toulouse, Rennes, Marseille, etc.In Toulouse, two people were injured. (Photo by Alain Pitton/NurPhoto)

أما بالنسبة للهدف العام للحركة، فهو استعادة الساحات العامة، كمجال للنقاش والتداول في الشأن العام، بعد أن اختطفتها الرأسمالية كمساحات يملكها الشعب، كما تذكر. ومن ثم فهي تسعى إلى تحويل الساحات العامة إلى فضاءات للنقاش المجتمعي.

هل تتحول «الواقفون ليلًا» إلى حركة عالمية؟

سبق للحركة الباريسية، أن دعت المدن الأوروبية ومدن العالم إلى الانضمام إلى خطها السلمي للمساهمة في تعزيز الحقوق الشعبية واستعادة المجال العام، كما أعادت إلى الأذهان تظاهرات حركة «غاضبون» في إسبانيا، و«احتلوا وول ستريت» في أمريكا.

علاوة على أن الحركة تقول: إنها تسعى إلى تعميم الاحتجاجات ضد الرأسمالية والمؤسسات المالية الكبرى، وتدعو مختلف مدن العالم إلى الانضمام في طريقها نحو التغيير، وفعلًا بدأت تظهر بعض المظاهرات القليلة في مدن أوروبية، تتبنى طريقة «الواقفون ليلًا» في الاحتجاج ورؤيتها.

لكن، على الرغم من ذلك، لا يبدو أن الحركة في طريقها إلى العالمية؛ إذ لا تزال تفتقر إلى الشعبية حتى في فرنسا؛ إذ بَيّن استطلاع رأي، أن 69% من الناخبين اليمينيين، يرفضون هذه الحركة ورؤيتها، بالإضافة إلى 57% من اليساريين يعارضونها.

وتلطخت سمعة الحركة في الأيام الأخيرة، بعدما دخل بعض المحسوبين عليها في مواجهات عنيفة مع الشرطة، نتج على إثرها حرق سيارات الأمن، وإصابات بين المتظاهرين ورجال الشرطة.

Riot police launched tear gas canisters against demonstrators of 'Nuit Debout' and trade unionists near the bureau of the Socialist Party in Toulouse. They denounce the use by Prime Minister Manuel Valls the use of the article 49.3 which permits to adopt a bill without vote in the assembly.Toulouse. France. May 10th 2016. Several thousands sympathizers of the 'Nuit Debout' (Up All Night) movement and trade unionists reacted with an unauthorized demonstration after the announcement of the use by Socialist Prime Minister Manuel Valls of the article 49.3 of the Constitution to pass the El-Khomri bill on labour reforms with nor vote nor debate in the Parliament.All 'Nuit Debout' movements in France reacted with spontaneous demonstrations. Clashes took place in Paris, Toulouse, Rennes, Marseille, etc.In Toulouse, two people were injured. (Photo by Alain Pitton/NurPhoto)

من جهة أخرى، حاولت الحكومة الفرنسية احتواء الحركة من خلال تنفيذ تعديلات في مشروع قانون العمل، وهو المطلب الأصلي للحركة الاحتجاجية، الذي يمنح مرونة أكبر للشركات في تسريح عامليها وتنظيم وقت عملهم، وهو ما اعتبرته النقابات والقوى اليسارية ضربًا في حقوق العمال، ورفضت القانون جملةً وتفصيلًا.

من أين استمدت الحركة طريقتها في الاحتجاج؟

ترى الحركة، أنه من الضروري استعادة الفضاءات العامة كمجالات للنقاش العام، وهذا ما حاولت القيام به؛ إذ احتلت ساحة الجمهورية وسط باريس، وحولتها إلى فضاء ليلي للنقاش، وتحث مدن العالم على حذو خطاها.

وعند الحديث عن الفضاء العام، فلا يمكن إغفال الحديث عن أفكار الفيلسوف الألماني «يورغن هابرماس» في هذا الصدد؛ إذ كان كتاب «الفضاء العمومي: حفرية العمومية كبعد مكون للمجتمع البورجوازي»، هو موضوع أطروحة «هابرماس» في «السوسيولوجيا»، بجامعة «ماربورغ» بألمانيا سنة1961.

تتبع هابرماس تاريخيًا دور الفضاءات العامة في بلورة الدولة الحديثة في أوروبا، ووجد أن الصالونات والمقاهي كانت مجالًا خصبًا لانبثاق فكرة الديمقراطية.

يعتبر الفيلسوف أن الفضاء العام هو وسيلة الشعب لمحاسبة السلطة، عبر الفعل التواصلي المبني على الحوار والحجاج بين الأفراد، ما يعزز مشاركة الفرد في الحياة العامة، ويساهم في بناء الدمقراطية.

يقول هابرماس إن «النقاش السياسي، صار مُحتكرًا من قبل البرلمان والإعلام؛ لذلك لم يعد الرأي العام يتكون من خلال النقاش العقلاني، بل أصبح مجالًا للدعاية، من أجل التضليل والسيطرة»، وبالتالي غدا الشأن العام بعيدًا عن إرادات الأفراد الحرة واستقلاليتهم.

وعزا غياب الفضاء العام، كمجال للتداول السياسي، كما كان الأمر في القرن 18 بأوروبا، إلى طغيان الفردانية، وتزايد الاهتمام بالمؤسسات التنظيمية ومجال الأعمال.

يذهب «بايل» أيضًا في هذا الاتجاه، ويقول إن الحقيقة تتكشف انطلاقًا من النقاش العمومي للانتقادات فيما بينها. في هذا السياق تحاول حركة «الواقفون ليلًا»، تعزيز سلطة الفضاء العام، الذي يعيد للمواطنين جميعًا حق المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية ونقدها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد