تستطيع أن تتخيله في واحدة من ليالي الشتاء القارصة، بينما الزهد الذي يغلف قلبه والحزن الذي يسيطر عليه قد يكون أقسى على عظامه وجسده من شتاء روسيا القاسي، لا يجد فيما حوله – على الأرض – ما يمد قلبه وروحه بالدفء، بل كل ما يجده متمثلًا في الحروب والنزاعات بين البشر حائرًا يكاد يصدق أن الأرض ضاقت بهم، ينظر إلى السماء، يتخيل كل تفصيلة وراءها، ويتساءل هل الحل هو الخروج من كوكب الأرض؟ هل لفظتنا الأرض؟ أم نحن من خربناها بما فيه الكفاية. اليوم نحدثكم عن نيكولاي فيدروفيتش فيدروف، الفيلسوف الروسي الذي فكر قبل رواد الفضاء، في ترك كوكب الأرض والبحث عن مكان آخر للحياة خارجها.

سقراط موسكو: «هل يمكن إحياء الموتى بالعلم؟»

على مدار التاريخ البشري الطويل، تعددت محاولات الإنسان لفهم العالم وألغازه من حوله، ذلك أن الإنسان بطبعه عدو ما يجهله، واليوم نتعرف على إحدى هذه المحاولات التي قام به مفكر وفيلسوف روسي توفى في أوائل القرن العشرين تحديدًا في العام 1903 يدعى نيكولاي فيدروف، فمن هو فيدروف الذي فكر في بناء مستعمرات في الفضاء في زمن لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة كيف يمكننا فعل ذلك ونحن لم نصعد للفضاء حتى.

ولد نيكولاى فيدروفيتش فيدروف لعائلة روسية نبيلة في منتصف العام 1829، بمقاطعة تامبوف التي كانت جزء مما عرف وقتها بالإمبراطورية الروسية أو ما نعرفها اليوم باسم أكثر شهرة، وهو روسيا القيصرية، إذ كان الابن غير الشرعي للأمير بافل ايفانوفيتش جاجارين، واضطر وهو في سن الرابعة إلى مغادرة القصر لوفاة الأمير والده، إلا أن الأسرة ظلت تتلقى الرعاية المناسبة من القيصرية الروسية. 

درس بمدارس مدينة أوديسا ( أشهر مدن أوكرانيا الحالية) والتي كانت تابعة لروسيا القيصرية في ذلك الوقت، ثم عمل مدرسًا في بعض المدارس الروسية الصغيرة حتى انضمامه لمتحف رومانوف (لاحقًا أصبح المكتبة الوطنية الروسية بموسكو) ليعمل أمينًا للمكتبة بداية من العام 1868 ولمدة 25 عامًا.

ومن الغريب أن أمين المكتبة هذا – نيكولاي – لم يترك كتبًا بها أفكاره، و لم ينشر كتبًا في حياته على الإطلاق، والكتاب الوحيد الذي ضم مجموعة مختارة من مقالاته قد نشره تلامذته المتحمسون له ولأفكاره بعد وفاته تحت عنوان (فلسفة المهمة المشتركة) ويعرف أيضًا بفلسفة البعث الفيزيقي، إلا أن الدراسات حول فلسفته وأفكاره قد نشرت تباعًا بعدها في عدة كتب وضمن موسوعات فلسفية.

كان لدى فيدروف صالونًا ثقافيًا بموسكو يحضره مجموعة من المثقفين والمفكرين ليتبادلوا المناقشات فيما يخص فلسفته عن الخلود ومناهضة الموت، حيث آمن بأن «المهمة المشتركة» هي إعادة إحياء الموتى عن طريق الوسائل العلمية، وقد اشتهر هذا الصالون وصاحبه في أوساط المثقفين حتى لقب فيدروف بسقراط موسكو، تبجيلًا وتشبيهًا له بالفيلسوف اليوناني الشهير سقراط.

«مملكتي ليست من هذا العالم».. الكونية فلسفة أم ديانة؟

الأفكار التي يطرحها أي فيلسوف لابد لها أن تتأثر بعصره وثقافته وظروفه التاريخية والاجتماعية والدينية كذلك، وفيدروف لم يكن استثناء من هذه القاعدة، فقد تأثرت فلسفته بالرؤى التنويرية في المسيحية للعالم، حيث المحبة على إطلاقها، هي عنوان علاقة الفرد بالفرد وعلاقة الله بالعالم.

 فحسب التقليد المسيحي فإن السيد المسيح قد بذل نفسه فداءًا للبشرية وحبًا فيها، وقد أمر أتباعه بمحبة بعضهم البعض كذلك، وانطلاقًا من هذه النقطة قسم فيدروف العلاقات بين البشر إلى قسمين، حب البشر لأنفسهم وحبهم للموتى، حيث رأى إن هناك من البشر من تكون علاقتهم سيئة بأنفسهم فلا يحبونها ولا يحملون لها التقدير والإعزاز الكافيين.

 ولأن الشىء بالشىء يذكر فإن فيدروف كان ينادى بالسعي نحو ملكوت الله، واستنادًا على مقولة المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم» سعى فيدروف نحو توحيد الجنس البشري كله مع الكون، بل حتى الانتصار على الموت ذاته فيما عرفه بـ«موت الموت» من خلال مناداته بالبعث الفيزيقي للموتى، وهي الفكرة ذاتها التي وجدت صدى لاحقًا في تجارب الاتحاد السوفيتي لتجميد الموتى وحفظهم، وقد بدأت بالرئيس الروسي لينين.

وفى ذات الإطار المسيحي سالف الذكر، اعتقد فيدروف أن فصل المعرفة عن الفعل هو من قبيل «عبادة الشيطان» وقد رأى أن الفصل بين المتعلمين وغير المتعلمين يعد أكثر سوءًا من الفصل بين الأغنياء والفقراء؛ إذ لا يهتم غير المتعلمين بالأفكار النظرية، وإنما بالنتائج العملية، بينما يهتم المتعلمون بالنظريات ويهملون الجانب العملي من وجهة نظره.

وقال بأن المتعلمين من الفلاسفة والعلماء حين يفصلون بين المعرفة والفعل الأخلاقي المترتب عليها إنما يكونوا بمثابة عبيد للنظام الاجتماعي والثقافي القائم، لأنهم لا يدركون أن الأفكار ليست ذاتية أي موجودة داخل الشخص ولا موضوعية اي قائمة بذاتها في العالم الخارجي، إنما هى في واقع الأمر إسقاطية؛ أي أننا نرى أثرها ولا نراها هى نفسها.

«مع الجميع ومن أجل الجميع».. آثار فلسفة فيدروف على علوم الفضاء

كما تقدم فإن فكر الفيلسوف لا ينفصل عن حياته وما تأُثر به، وقد تأثر فيدروف بوفاة والده، وهو بعد في سن صغيرة، وكذلك جده، مما دفعه للمناداة بالتخلص من الموت أو موت الموت، فيما عرف بالبعث الفيزيقي، لكن واجهته مشكلة الزيادة المطردة واللانهائية في أعداد البشر على كوكب الأرض في حالة ما أًصبحت تلك الفكرة النظرية قيد التنفيذ بالفعل، فهداه تفكيره إلى الخروج إلى الفضاء واستعماره حتى يعيش أولئك الآباء والأجداد في تناغم وسلام.

أحد أشهر وأهم تلاميذ فيدروف هو عالم الفيزياء الكونية الروسي الشهير قسطنطين تسيولكوفسكي، الذي عاش بدوره طفولة صعبة كالتي عاشها أستاذه، فأصيب بالحمى القرمزية وهو في سن العاشرة، ونتج عنها إصابته بالصمم شبه الكامل؛ مما دفع كافة المدارس التي تقدم لها في ذلك الوقت لرفض قبول انضمامها له، وتعهده فيدروف بالتربية والتثقيف العلمي والفلسفي، ليعيش حياة زهد وتقشف كأستاذه الذي كان لا يأكل سوى الخبز، والشاي، والماء.

وقد أسفرت هذه العزلة الاختيارية التي وضع نفسه فيها إلى توصله لأهم وأخطر المنجزات العلمية فيما يتعلق بعلوم الفضاء ورواده، فقد وضع التصاميم الهندسية للصواريخ التي ستحمل المركبات الفضائية، كما صمم المحطات الفضائية وأنظمة حفظ الأوكسجين، وكذلك الأنظمة البيولوجية التي توفر الغذاء لرواد الفضاء.

متوقعًا أن الجنس البشري لن يبقى على الأرض طويلًا، وسوف يقوم باختراق الغلاف الجوي نحو الفضاء، على استحياء في البداية، لكنه سرعان ما سيقوم باستعمار النظام الشمسي بأكمله. قد تبدو هذه المنجزات طبيعية بعض الشيء لنا اليوم، أو حتى يبدو الحديث عنها كذلك، لكن تسيولكوفسكي كتب هذا في العالم 1903، أي بداية القرن العشرين، حيث لم تكن هناك وكالة ناسا، ولا حتى مصطلح رائد فضاء بعد.

ارتبط أتباع فيودوروف، بمن فيهم تسيولكوفسكي وسولوفيوف، بحركة فكرية تسمى «الكونية»، والتي كان لها تأثير كبير في الفلسفة، واللاهوت، والعلوم والفنون البصرية، في كل من روسيا ما قبل الثورة البلشفية والفترة السوفيتية كذلك. وعلى الرغم من كره الكنيسة الأرثوذكسية لفيدوروف، فقد أعجب كبار القادة السوفييت فيما بعد بنقده للنزعة الاستهلاكية – التي تصرف انتباهنا وخيالنا – وتأكيده على الخلاص الجماعى أو كما كان يحب أن يردد «مع الجميع ومن أجل الجميع».

حينما تتحول الأرض إلى سفينة فضائية

قبل 100 عام وفي ذروة الحرب الأهلية الروسية، نقلت مجموعة واحدة من الأشخاص طموحات فيودوروف إلى مستويات أعلى، إذ أعلن علماء الكيمياء الحيوية (المنادون بالخلود) عن انفصالهم عن الأناركيين الكونيين (المنادين بالفوضى الكونية)، وكل منهم ضمن مجموعات ظهرت في ذلك الوقت، ونددت بالموت باعتباره «عبثيًا، وغير مسموح به أخلاقيًا، وقبيحًا من الناحية الجمالية»، ودافعوا عن تحرير المجرة من سلطة الدولة كمفهوم، ودعوا إلى التأسيس العاجل لما عرفوه بالاتصال الكوني، وقدموا مطلبين أساسيين هما: «حرية الحركة في الفضاء بين الكواكب. والحق في العيش إلى الأبد».

تابع ألكسندر سفياتوجور، مؤلف بيان عالم الكيمياء الحيوية لعام 1921 خطى فيودوروف في تحديد نوعين من الموت: التحلل الجسدي، والموت الروحي، أو ما أسماه «الموت في الحياة». حدد فيودوروف ذلك بفقدان الشخصية والهوية المميزة للفرد، بينما طبقه سفياتوجور على الرأسمالية كمفهوم، ونادى فيودوروف بتحويل الكوكب كله إلى «سفينة أرضية» عملاقة، بحيث إننا بدلًا عن الاستمرار في العمل كركاب خاملين حول مدار الشمس، نصبح «طاقم مركبتنا السماوية». وبالنسبة لعلماء الكون، فإن الهدف هنا ليس فهم الطبيعة، بل تغييرها.

في عام 1922 كتب ألكسندر ياروسلافسكي، مؤسس فرع بتروجراد لعلماء الأحياء، قصيدة من 14 صفحة في مدح عملية التبريد للموتى، وهي العملية ذاتها التي استخدمت بعد ذلك بعامين في محاولة الحفاظ على جسد لينين.

خلال السنوات الأولى من تأسيس الاتحاد السوفيتي، كان لينين قد تسامح مع الكونيين، لكن سرعان ما تم تقييدهم من قبل خليفته ستالين. كان ستالين معاديًا للجذور الدينية التي قامت عليها توقعاتهم العلمية ونظرياتهم، وكان الكثيرون منهم يدعمون علنًا منافسه تروتسكي، وعليه فقد تم سجن الغالبية العظمى من الكونيين، أو إرسالهم إلى معسكرات العمل، وتم وقف جميع أعمالهم.

إلا أنه بعد وفاة ستالين عاد السوفيت مرة أخرى إلى عالم الفضاء في الوقت المناسب تمامًا لمواجهة الجهود الأمريكية لإطلاق أقمار صناعية في المدار. وتأثر سيرجي كوروليف، كبير مصممي سبوتنيك 1 وصاروخ غاغارين فوستوك 1؛ بأعمال وأفكار تسيولكوفسكي الذي تأثر بدوره بأفكار فيدوروف.

بعد لقائهما كتب الشاب كوروليف: «غادرت منزله بفكرة واحدة: صنع الصواريخ والطيران فيها. من الآن فصاعدًا لدي هدف واحد في الحياة: الوصول إلى النجوم». أشرف كوروليف على تصميم وبناء أول قمر صناعي يسبح في الفضاء على الأطلاق، القمر الصناعي سبوتنيك 1 في شهر واحد فقط، وتم إطلاقه في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1957، وهو نفس العام الذي نشر فيه الأهمية العملية لمقترحات كونستانتين تسيولكوفسكي في مجال صناعة الصواريخ.

مع سقوط الاتحاد السوفيتي، أصبح من الممكن للكونيين إعادة الربط بين الدين والعلم. تقول الأستاذة بجامعة هارفارد أنيا بيرنشتاين، مؤلفة كتاب «مستقبل الخلود: إعادة صنع الحياة والموت في روسيا المعاصرة»: إن الكونيين في القرن الحادي والعشرين «يقدسون» يوري جاجارين – أول رائد فضاء – لدوره في تحقيق رؤية فيودوروف «التنبؤية».

عاش بطل قصتنا حياة قد تعتمد على التقشف المادي، ولكنها كانت غنية بالأفكار والدراسة العلمية والأدبية، وسواء اختلفت معه، أو اتفقت في أفكاره فلا شك أنه رجل كان له نظرة ثاقبة فيما يخص غزو الفضاء، حتى أن الكاتب الروسي ليو تولستوي لم يتفق معه في جميع أفكاره، ولكنه أيضًا كان كان يحترمه ووصفه بكونه «مفكرًا عظيمًا»، بينما وصفه في واحدة من رسائله لأصدقائه قائلًا: «لقد وضع خطة لمهمة مشتركة للبشرية، هدفها القيامة الجسدية لجميع البشر وإن لم أتفق معه على نفس الفكرة؛ فهذا لا يمنع احترامي له».

لم تنطلق أفكار فيدروف من فراغ، إنما انطلقت من واقع طفولته التي امتلأت بفقد والده أولًا، ثم جده كذلك، وثانيًا بالأخلاق المسيحية التي نشأ في كنفها، من حيث السعي الحميم نحو ملكوت الله والخلاص من هذا العالم، الذي تعتبره المسيحية لا ينتمى إليها، ولا تنتمى إليه.

وكذلك اتسم الفيلسوف الروسي برغبته في إزالة الفروق بين كل البشر وتوحيد الجنس البشري برمته في سلسلة طويلة من الأجيال، وعليه فقد اتجهت أنظاره لمدارك ومساحات أوسع، ليس فقط على كوكب الأرض، إنما لفضاء الكون برمته. ربما بدت أفكار فيدروف مجنونة أو على أقل تقدير خرافية بالنسبة لمعاصريه، لكنها أثبتت في بعضها على الأقل بُعد نظره وأهمية رؤيته الفلسفية للكون، بل ساعدت العلم الحديث على إنشاء فرع دائم التطور باستمرار، وهو علوم الفضاء، والفضل كل الفضل في ذلك إنما يرجع إلى سقراط موسكو، نيكولاي فيدروف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد