كتبت راشيل برونسون في صحيفة واشنطن بوست في 27 فبراير 2011 متسائلة: “هل يمكن للانتفاضة القادمة في الشرق الأوسط أن تحدث في المملكة العربية السعودية؟” وكان جوابها: “إن فكرة قيام ثورة في المملكة العربية السعودية تبدو غير واردة.” ومع ذلك، في 30 سبتمبر من العام التالي، قال بروس ريدل، عضو مركز صبان لسياسة الشرق الأوسط، أن “الثورة في المملكة العربية السعودية لم  تعد أمرًا مستحيلًا.”

في خطوة استباقية لمثل هذا الاحتمال، أرسلت المملكة في مارس 2011 قوات إلى مملكة البحرين لقمع احتجاجات شعبية هناك، وذلك لمنع وصول الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في أنحاء العالم العربي إلى عتبتها. كان هذا التحرك العسكري السعودي السريع بداية سلسلة من ردود الأفعال وصفها المحللون بأنها “ثورة مضادة بقيادة سعودية”.

في سعيه لاحتواء تداعيات “الربيع العربي”، اقترح الملك عبد الله بن عبد العزيز دعوة ممالك الأردن والمغرب للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، حتى أن الإيكونوميست نشرت في 19 مايو 2011 اقتراحًا ساخرًا بتغيير اسم المجلس إلى “نادي الخليج لمكافحة الثورات”.

قبل زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للمملكة، زار وزير الدفاع وولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود بكين في الفترة من 13-16 مارس ” لتعزيز التعاون مع الصين لحماية السلام والأمن والاستقرار في المنطقة”. وكان الأمير سلمان قد زار اليابان في فبراير الماضي، ساعيًا لتعميق التعاون الثنائي “في مختلف المجالات”. وفي 26 فبراير 2014، وقعت الهند والمملكة العربية السعودية اتفاقًا لتعزيز التعاون في مجال التدريب العسكري والخدمات اللوجستية وتبادل المعلومات المتعلقة بالدفاع. كما أعلنت إندونيسيا والمملكة العربية السعودية في 23 يناير 2014 عن التوقيع على اتفاقية التعاون في مجال الدفاع، هي الأولى من نوعها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تقوية العلاقات العسكرية مع باكستان مؤخرًا، وهي علاقات تعود إلى زمن طويل. في مارس 2014، ذكرت صحيفة فينانشيال تايمز أن السعودية قد أعطت باكستان 1.5 مليار دولار أمريكي. وكان مسؤول كبير في المخابرات الباكستانية قد صرح لصحيفة فاينانشيال تايمز في فبراير 2014 أن المملكة العربية السعودية طلبت “عددًا كبيرًا من القوات [الباكستانية] لدعم حملتها على طول الحدود اليمنية بالإضافة إلى حفظ الأمن الداخلي”. وأكد المسؤول أن موافقة باكستان على دعم إنشاء “هيئة الحكم الانتقالي” في سوريا كانت جانبًا هامًا من الصفقة.

وفي 5 مارس 2014، تزعمت المملكة مجموعة من دول مجلس التعاون الخليجي قررت سحب سفرائها من قطر، مما يهدد بقاء مجلس التعاون الخليجي ككيان موحد. كما استطاعت المملكة في مطلع يناير الماضي أن تضرب عصفورين بحجر واحد حينما تعهدت بمنح 3 مليارات دولار أمريكي إلى لبنان، لشراء أسلحة فرنسية للجيش اللبناني.

إن المليارات التي دعمت بها السعودية انقلاب يوليو 2013 في مصر والحملة الشرسة ضد الإخوان المسلمين في أعقاب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي تكشف عن اتفاق استراتيجي وأمني غير مكتوب بين السعودية والحكام الجدد في مصر. في بداية ما يسمى بـ”الربيع العربي”، ساندت المملكة البحرين وسلطنة عمان بمليارات الدولارات لشراء ولاء شعوبها، كما أنفقت مليارات من أموال النفط داخل البلاد لرشوة الشعب لضمان عدم انضمامه إلى موجة الاحتجاجات الشعبية العربية الكاسحة.

في حين ستواصل الولايات المتحدة “ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل” على الدول العربية الاثنتين والعشرين بالإضافة إلى إيران، تطور إيران الصناعات العسكرية الخاصة بها للدفاع عن نفسها ضد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يجعل كل تلك الجهود السعودية لشراء الأسلحة بلا قيمة. ولو كانت كل تلك المليارات المهدرة من أموال النفط قد أنفقت بحكمة، لتمكنت السعودية من خلق ثورة تنموية في المنطقة.

تطمينات الولايات المتحدة غير مطمئنة

قبل زيارة أوباما، أصبح جليًا أن السعودية تبحث عن ضمانات أمنية بديلة، أو على الأقل إضافية، فلم تعد المظلة الأمنية الأمريكية محل ثقة. فبعد خيانة الولايات المتحدة لحلفائها المقربين، مثل الرؤساء السابقين لتونس ومصر واليمن، لم تعد “تطمينات” أوباما مجدية.

في مقابلة للأمير تركي الفيصل مع صحيفة وول ستريت جورنال في ديسمبر 2013، انتقد إدارة أوباما لإخفائها أمر المحادثات مع إيران عن بلاده قائلا: “كيف يمكنك بناء الثقة بينما تخفي الأسرار عن من يفترض أن يكون أقرب حلفائك؟”

ويقول إيمانويل والرشتاين، الرئيس الفخري لمركز فرناند بروديل في جامعة بينغهامتون، وفقًا لما نقلته قناة الجزيرة أمريكا، “إن لدى السعوديون سبب وجيه للشعور بالخوف والحصار”.

محاصرة بين “الهلالين”

لقد أدت ثلاثة أحداث لانعدام ثقة السعودية في الضمانات الأمنية الأمريكية، كان أولها تخلي الولايات المتحدة عن حليفها السابق حسني مبارك، وثانيها التنسيق القطري-التركي-الأمريكي مع الإخوان المسلمين إقليميًا، أما الثالث فكان وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر. فقد أدت الإطاحة بمبارك إلى توقع الرياض لسيناريو مماثل محتمل في المملكة العربية السعودية.

أما الحدث الثاني، فقد وضع المملكة في حالة تأهب ضد محور الإخوان-تركيا-قطر-الولايات المتحدة والذي من شأنه أن يطوق المملكة العربية السعودية إذا ما سمحت المملكة بتسليم السلطة إلى الإخوان في سوريا في الشمال ومصر في الغرب، أضف إلى ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين مؤثرة في الأردن، الجار الشمالي للمملكة، وفي اليمن، جارتها الجنوبية، كما أن انتماء حركة حماس إلى جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة يكمل ما وصفه محلل سعودي بـ”الهلال الإخواني” في الشمال والغرب والجنوب، فتصبح المملكة بذلك بين مطرقة هذا “الهلال الإخواني” وسندان جمهورية إيران الإسلامية في الشرق.

يقول سير توم فيليبس، السفير البريطاني لدى المملكة العربية السعودية 2010-2012، أنه من الصعب تجنب الانطباع بأن السياسة السعودية تميل إلى رد الفعل أكثر من الاستباق.

إذا ما حذت السعودية حذو الولايات المتحدة وأوروبا في التعامل مع وجود إيران، كقوة إقليمية محورية، كأمر واقع، فإن سياسة سعودية إقليمية أكثر استباقية في التعامل مع إيران وسوريا كانت ستؤدي إلى استباب الأمن الداخلي وكذلك للاستقرار في المنطقة بكلفة أقل بكثير من الاشتراك في معركة خاسرة لتغيير نظام الحكم في كل من الدولتين.

شعور السعودية بالعزلة والحصار نتيجة لما رأته من سحب المظلة الأمنية الأمريكية، ومحاولتها التغلب على ذلك بمفردها تسبب في انغماس البلاد في سياسات خارجية تؤدي إلى نتائج عكسية، في أعقاب موجات الانتفاضات الشعبية العربية التي اندلعت في أنحاء العالم العربي منذ عام 2011، والتي توقفت على أعتاب دمشق بسبب التحالف الإيراني-السوري، المدعوم دوليًا من قبل روسيا والصين.

في النهاية، فإن تجربة المملكة التاريخية الأخيرة تشير إلى أن آل سعود قد عاشوا أزهى عصورهم أثناء التفاهم الثلاثي السعودي المصري السوري، الذي تم تطويره كمحور إقليمي للاستقرار يعتبر العمود الفقري للجامعة العربية. وكان إحياء التنسيق السعودي مع مصر في مرحلة ما بعد رئاسة مرسي خطوة أولى شديدة الأهمية، ولكنها لن تؤتي ثمارها ما لم يتم استكمالها بعودة السعودية إلى إدماج سوريا من أجل إحياء المحور الثلاثي القديم للدفاع عن العرب ضد إسرائيل. ولكن يبدو أن مثل هذا التحول السعودي سيتطلب قرارًا استراتيجيًا بالتراجع عن التعامل مع سوريا وإيران بأنهما “عدو”، بينما تعامل إسرائيل، والتي لا تزال تحتل فلسطين، وبعض الأراضي السورية واللبنانية، على أنها “شريك سلام” محتمل وعضو “جبهة المعتدلين” لمواجهة إيران وسوريا، وهي سياسة تم تبنيها بإيعاز من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

إن ذلك يتطلب أولًا تغيير صناع القرار في السياسة الخارجية في الرياض، ولكن مثل هذا التغيير لا يزال خياليًا حتى يصل رجل ذو مكانة تاريخية إلى موقع القيادة في السعودية. إن حدث ذلك، فقد يكون الأوان قد فات، لأن احتمال قيام الثورة في المملكة العربية السعودية لم يعد مستحيلًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد