قد تبدو السنة الماضية حافلةً بالأحداث السياسية الساخنة في مختلف أنحاء العالم، وهو ما قد يشير إلى أنّ الصراعات السياسيّة في العالم في تزايد مستمرّ، لكن أحد المؤشّرات المهمّة في هذا الصدد تشير إلى أنّ هذا غير دقيق؛ إذ لم تشهد سنة 2018 أيّة انقلابات عسكرية، وهي من الأحداث نادرة الوقوع للغاية، فمنذ سنة 1950، لم تخلُ أيّ سنة تقريبًا من الانقلابات العسكريّة، ما عدا سنة 2007، والسنة المنتهية: 2018.

وقد يتكوّن لدى البعض انطباع بأن الانقلابات العسكريّة أحداث نادرة الوقوع، وهي خاصّة بمنطقة جغرافيّة بعينها، كقارّة أفريقيا التي شهدت خلال الخمسين سنة الماضية 200 محاولة انقلابيّة على الأقل، كما قد يعتقد البعض بأنّها محصورة بفترات زمنيّة معيّنة، كالستينيات والسبعينيات التي شهدت ذروة في عدد الانقلابات العسكريّة، لكن الواقع يقول عكس، إذ أن الانقلابات تحدث في عدّة مناطق من العالم وبشكل شبه مستمرّ منذ خمسينات القرن الماضي، ولذلك شكّلت سنة 2018 استثناءًا فريدًا بغياب أيّة محاولة انقلابيّة جادّة.

وقد شهدت السنة المنتهية مخطّطات أوّليّة لمحاولات انقلاب، لكنها لم تتجسّد، من بينها تلك التي حدثت في فينزويلا بعد أن التقى مسؤولون أمريكيون بقيادات في الجيش الفنزويلي من أجل التخطيط لانقلاب عسكري ضد الرئيس مادورو، لكن الخُطط لم تنفّذ، وقد صرّح الأمريكيون بأنّهم لم يوافقوا على دعم هذا المسار.

Embed from Getty Images

نزول الجيش التايلاندي للشارع خلال انقلاب سنة 2014

وكان رئيس الفيليبين أيضًا قد كشف عن مخطّط انقلابي من أجل إزاحته عن السلطة من طرف المعارضة والثوّار اليساريّين ومجموعات مسلّحة، حسب تصريحاته.

وشهدت السنة الماضية عدّة محاولات لاغتيال رؤساء دول، من بينهم الرئيس الفنزويلي مادورو عن طريق طائرة بدون طيّار، والرئيس ماكرون الذي تعرّض لمحاولة طعن بالسكّين، ورئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد الذي انفجرت قنبلة أثناء إلقائه خطبة أمام حشد من أنصاره.

5 محاولات فاشلة لاغتيال رؤساء في 2018

كما شهدت السنة تقوية وجودٍ في السلطة في كل والمجر وسريلنكا ونيكاراغوا وتركيا بعد انتقالها إلى النظام الرئاسيّ في ظل حُكم الرئيس رجب طيّب أردوغان، لكن لا يمكن وصف هذه الخطوات بالانقلاب.

وقد كان آخر الرؤساء المنقَلب عليهم هو الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 البالغ من العمر 94، وذلك بعد أن عمّر في السلطة منذ استلامها سنة 1987، أي 30 سنة. وفي تاريخ الانقلابات العسكريّة منذ الخمسينات، شهدت سنة 1966 أعلى عدد من محاولات الانقلابات العسكرية بـ18 محاولة، كما كان نصيب المنطقة العربيّة بـ15 انقلابًا عسكريًّا، إذ تصدّرت سوريا القائمة بخمسة انقلابات عسكريّة.

لماذا تراجعت ظاهرة الانقلابات العسكريّة؟

ظاهرة الانقلابات العسكريّة تشهد تناقصًا مستمرًّا، خصوصًا منذ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، فخلال الحرب الباردة بينهما كان كلّ معسكر يحاول قلب السلطة في دول المعسكر الآخر من خلال دعم أطراف متحالفة معه، من أجل إضعاف الطرف الآخر؛ إلاّ أنّ هذه الممارسات تراجعت منذ التسعينات بشكل ملحوظ.
Embed from Getty Images

دبّابة للجيش الزيمبابوي في الشارع أثناء الانقلاب على الرئيس السابق موجابي

بالإضافة إلى ذلك فإن نهاية الحرب الباردة أدّت إلى تغيّر في المعايير التي ينظر من خلالها المجتمع الدولي إلى الانقلابات العسكرية، فقد تبنّت عدّة دول ومؤسّسات دوليّة سياسة عدم التسامح مع الانقلابات العسكريّة، من بينها «منظمة الوحدة الأفريقية» التي أكّدت من خلال «إعلان لومي» سنة 2000 عدم تسامحها مع ظاهرة الانقلابات العسكريّة؛ إذ جاء في الإعلان «نحن نعبّر عن قلقنا البالغ من عودة ظاهرة الانقلابات العسكريّة في أفريقيا. نحن نقرّ بأن هذه التطوّرات تعدّ تهديدًا للسلم وأمن القارة، كما تشكّل توجّهًا مقلقًا وخطيرًا ضد عملية الدمقرطة التي تجري في القارّة».

وقد أقرّ الاعلان بحق المنظّمة في معاقبة أيّة دولة يجري بها انقلاب عسكريّ، ويصل ذلك إلى حدّ تجميد مقعدها في المنظّمة. وقد اتّخذت المنظّمة هذا الإجراء ضد النظام المصري بعد إزاحة الجيش للرئيس مُرسي وسيطرته على سلطة في سنة 2013، لكن المنظّمة تراجعت عن هذا التجميد بعد ذلك، إثر ضغوطات وكواليس من بعض الدول.

الشعوب لم تستسلم لليأس.. أبرز الاحتجاجات الشعبية حول العالم في 2018

هل سنشهد في سنة 2019 انقلابًا عسكريًّا في المنطقة العربيّة؟

لكن ماذا عن سنة 2019، هل ستغيب الانقلابات العسكرية؟ يدرس مؤشّر «coupCast» بيانات متعلّقة بالانتخابات، ووضع الاقتصاد، والنزاعات، والأوضاع السياسيّة ليخرج بتقديرات عن احتماليّة وقوع الانقلابات العسكريّة، ويشير في تقديراته لسنة 2019 إلى أن احتماليّة وقوع محاولة انقلاب في السنة القادمة تصل إلى 81%، مع احتمالية 56% لنجاحه.

وقد تواجدت في قائمة المؤشر لأكثر 60 دولة معرّضة لحدوث انقلابات عسكريّة ستُّ دول عربيّة: من بينها الصومال التي احتلّت المرتبة الثانية في المؤشّر بعد بوركينا فاسو، ثم مصر في المرتبة الخامسة، والسودان في المرتبة 11، ثم موريتانيا في المرتبة 29، ثم ليبيا في المرتبة 35، ثم الجزائر في المرتبة 46.

Embed from Getty Images

مشهد من الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا سنة 2016

وقد استخلصت دراسات تحليليّة عوامل أساسيّة لنجاح أي انقلاب عسكريّ: العامل الأوّل هو التاريخ السابق للانقلابات العسكريّة في البلد، فإذا كانت الدولة قد تعرّضت في السابق إلى محاولة انقلاب فإن هنالك احتماليّة كبيرة بأن تشهد مُحاولة أخرى، خصوصًا إذا نجحت المحاولة السابقة، وهو ما يُدخل البلد في سلسلة من الانقلابات التي تُحاكي الانقلاب الناجح، ممّا يُعطي انطباعًا لدى العُصب العسكريّة بالإضافة إلى قطاعات شعبيّة واسعة بأن الانقلاب العسكريّ يبقى خيارًا مطروحًا للتغيير السياسيّ عند انحراف السلطة، وقد حدث هذا في عدّة بلدان في ستينات وسبعينيات القرن الماضي مثل سوريا والعراق والأرجنتين التي شهدت انقلابات متتاليّة.

أما العامل الثاني فهو التطور الاقتصاديّ، إذ يشير بعض الخبراء الاقتصاديّين بأنّه بمجرّد ارتفاع مستوى المعيشة فإنّ المؤسّسات السياسيّة ستتقوّى وتزداد ثقة المواطن بها، وهو ما سيمنع قيام انقلابات عسكريّة ضدّها، إذ إنّ القطاعات الشعبيّة غالبًا لن تقف مع هذا التغيير كونه قد يؤدّي إلى خسارتها لمكتسباتها الاقتصاديّة التي حازت عليها في ظل النظام القائم، وهذا ما قد يفسّر سبب فشل المحاولة الانقلابيّة في تركيا سنة 2016.

وبسبب انخفاض نسب الفقر المدقع في الكثير من بلدان العالم وبروز العديد من الاقتصاديّات الصاعدة، خصوصًا في أمريكا اللاتينيّة التي كانت تشهد العديد من المحاولات الانقلابيّة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ فإنّ هذا من الممكن أن يفسّر سبب تراجع الانقلابات في العالم بشكل عام.
بالإضافة إلى ذلك فإن تطوّر التكنولوجيا ووسائل الاتصالات والتجسّس والمراقبة في أيدي الأجهزة الحاكمة ساهمت في إفشال المخططات الانقلابيّة وكشفها أصحابها مبكّرًا، وهو ما لم يكن متوفّرًا في السنوات الماضية، فحسب الباحثين في ميدان الانقلابات العسكريّة فإن الاستراتيجيّة الرئيسيّة للمُنقلبين هي: السريّة والمُفاجأة، التخطيط الدقيق والبسيط، بالإضافة إلى الحراك الهجوميّ القاسي، وهو ما تنجح التكنولوجيا في الكشف عنه مُسبقًا وتفاديه.

العسكريون يقرؤون نفس الكتاب.. 4 تجارب للجيوش مع الثورة والسلطة

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد