عام 1988، انتهت حربُ الخليج الأولى بتوقيع إيران مُضطرةً هُدنة «كأس السُمّ» -كما يُسمّونها- لوقف الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وخلّفت وراءها نحو مليون قتيل، وأكثر من مليار دولار، كان نصيب العراق منها 561 مليون دولار، ونصف مليون من الدماء، لكنّ تلك النهاية الثقيلة لم تؤثر في المكاسب الشخصية التي حصدها صدّام حُسين وحده؛ فالرئيس العراقي أصبح زعيمًا عربيًّا بعدما تصدرت صورته عناوين الصُحف الخليجية تحت عنوان «سلمت يداك يا أبا عُدي»، وفي صدفة نادرة في السياسة يحظى «مهيب الركن» على دعم واشنطن، والاتحاد السوفيتي، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، وأغلبية الدول العربية، ومنها الكويت التي فتحت موانيها للجيش العراقي، حتى أنّ الأمم المتحدة لم تعترف بأنّ العراق هو من أشعل فتيل الحرب، واعتقد صدّام خطأ أنّ أحدًا لن يخذله.

في تلك الأثناء تظهر فضيحة «إيران-كونترا»، التي كشفت أنّ واشنطن خذلت صدّام وباعت سرًّا أسلحةً إلى إيران، ولم يتعلم الرئيس العراقي الدرس، فشنّ حرب الخليج الثانية عام 1990، فدخل الكويت وقصف السعودية وإسرائيل بالصواريخ، لكنّ المفاجأة التي لم يتوقعها أحدٌ هي أنّ روسيا تخلت عن حليفها بصفقة أسلحة سعودية بلغت أربعة مليارات دولار، كما تخلت مصر عن صديقها بوعد أمريكي بإسقاط جزء من الديون، حتى أنّ الرئيس السوري -آخر الأصدقاء- خذل «أبا عُدي» وشارك في قوات التحالف، وانتهت سنوات المجد بالهزيمة والاعتذار.

في السطور القادمة خريطة سياسية مُبسطة لبعض أهم التحالفات العربية الحالية بتاريخها المتناقض.

1- محمد دحلان وحماس.. كراهيةٌ تنتهي بالصداقة «المؤقتة»

عندما كان دحلان رئيسًا لجهاز الأمن الوقائي في غزة عام 1996، رفضت الحركات الإسلامية وقف العمليات العسكرية ضد إسرائيل، فغضب دحلان لأصدقائه وأمر قواته بمداهمة المساجد، واعتقال المئات من عناصر حماس الذين تعرضوا للتعذيب، ومنهم محمود الزهار، عضو المكتب السياسي الحالي لحماس، والقيادي الراحل عبد العزيز الرنتيسي، ثم تحوّلت وظيفته الرئيسية في القطاع إلى «مهمة واحدة» تنتهي بإنهاء وجود الحركة تمامًا من خلال تجميد أموالها، واتُهم في تلك الأثناء بتصفية قادتها مثل صلاح شحادة، مؤسس الجهاز العسكري للحركة، حتى إنّه فرض الإقامة الجبرية على عدد من قادة الحركة، وأبرزهم مؤسسها الشيخ أحمد ياسين.

(صورة تمحي تاريخ الدماء بين حماس ومحمد دحلان)

وبعدما سيطرت حماس على قطاع غزة في 2007، تبدّلت الأدوار، وأصبح دحلان هو أحد أبرز المطلوبين على قوائمها السوداء، خاصةً بعد تشكيله «فرقة الموت»، والتي استهدفت تصفية خصومه الذين يقفون حائلًا أمام طموحاته السلطوية، وبحسب تحقيقات حركة فتح مع دحلان قبل فصله عام 2011، فإنه مُتهم أساسي في عدة اغتيالات أبرزها تسميم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كما أن فرقته نجحت في اغتيال عدة قادة من حماس، أبرزهم حسين أبو عجوة، وكانت أشرس عملياتها –وفقًا لتصريحات أحد قادتها– اغتيال محمد المبحوح، القيادي البارز في الحركة؛ تُرى ما الذي يجعل حمّاس تؤجّل انتقامها؟

ربما لن يصدّق أحدٌ أنّ الأعداء سيتصافحون في 2017، فالغريم القديم الهارب والمطلوب على قوائم الحركة السوداء أصبح مطلوبًا للمصالحة وليس القصاص؛ ففي يونيو (حزيران) الماضي التقي الطرفان في لقاءٍ غير مُعلن في القاهرة برعاية المخابرات المصرية من أجل الوصول لتسوية، وبحسب التسريبات تضمنت الصفقة إعادة العلاقات مع الجانبين، والقبول بدحلان رئيسًا للسلطة الفلسطينية، مقابل رفع الحصار عن القطاع، وفتح معبر رفح بشكل دائم، وتعيين عدد من قادتها وزراء في الحكومة؛ وهو الذي يعني أن الحركة قررت التعاون مع دحلان ضد عدوهما المشترك محمود عباس.

بعد طرده من حركة فتح عام 2011، سعى دحلان صديق كل من إسرائيل والإمارات ومصر، إلى خلق دوائر نفوذ جديدة من أجل العودة إلى السلطة الفلسطينية، والانتقام من عباس، وتلك الطموحات يبدو أنها لن تتحقق إلا من بوابة غزة التي تُقاسم الرئيس الفلسطيني العداء، بعد الأوضاع الصعبة التي يشهدها القطاع منذ عام 2007، وهو الذي اضطرها في النهاية إلى توقيع المصالحة الفلسطينية، وتسليم السُلطة عن طريق حلّ اللجنة الإدارية، كما أنّ دحلان قد يُعتبر بديلًا في حال ساءت المفاوضات، أو لم يوفِ عباس بوعوده، خاصةً أنّ الرئيس الفلسطيني يُصمّم على نزّع حماس من سلاحها، في حين تحدثت وثيقة مُسربة بأن دحلان سيترك لحماس مهمة وزارة الداخلية، ما يعني عدم تجريدها من قوتها.

ربما هي صفقة مارس فيها الطرفان جزءًا كبيرًا من الدهاء، ولكن تُرى من هو الرابح الأكبر من اتفاق «الصداقة المؤقتة»؟

2- السعودية وإسرائيل.. «الشقيقة الكبرى» على وشك التطبيع

ما يحدث اليوم في علاقاتنا مع الدول العربية يعتبر تقدمًا غير مسبوق. *بنيامين نتنياهو

لم تعترف السعودية بقيام إسرائيل عام 1948، وخلال حرب أكتوبر (تشرين الثاني) عام 1973، شهدت أوروبا وأمريكا عقابًا جماعيًّا عقب قرار الملك فيصل حظر تصدير النفط، وبعدما وقّعت مصر اتفاقية «كامب ديفيد» عام 1979، قامت السعودية بقطع العلاقات مع مصر، ووصفتها بأنها خانت الدول العربية، ولطالما اعتبرت الرياض تل أبيب عدوةً لها، وترفض أن تستقبل مواطنين إسرائيليين في أراضيها، كما أنه لا يمكن للطيران الإسرائيلي أن يعبر فوق السيادة السعودية.

 وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة مع الأمير تركي الفيصل. من حساب ليفني على تويتر

لم يتوقف العداء التاريخي عند هذا الحدّ، فالمملكة على مدار تعاقب ملوكها قامت بدفع مليارات الدولارات دعمًا للقضية الفلسطينية، ولحركة حماس، وفي عام 2000، عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، هددت السعودية قطر وأجبرتها على قطع علاقاتها مع إسرائيل، ولم تتوقف العداوة عند حدّ الكراهية، فالمملكة دعت في عام 2002 إلى مبادرة السلام العربية التي تهدف لحل الدولتين، ورفضتها إسرائيل في ذلك الوقت، كما أنها سعت لتوحيد الفصائل الفلسطينية لمواجهة عدوهم المشترك.

لكنّ الوضع الآن تغيّر كثيرًا بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السُلطة. اللقاءات السرية بين الطرفين على مدار سنوات اتجهت نحو العلانية، والتصريحات أصبحت أكثر وضوحًا من قبل؛ فحماس أصبحت إرهابية، ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير يمتنع عن إدانة الاحتلال الإسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والجنرال أنور عشقي الذي زار إسرائيل عدة مرات، أعلن أن الدول العربية ستطبع مع إسرائيل فقط إذا فعلتها السعودية أولًا، والرياض نفسها أعلنت أنها على استعداد أن تفتح مجالها الجوي للطائرات الإسرائيلية في حال قررت شنّ حرب على طهران، ولكن لماذا حدث التقارب فجأةً؟

يجب التوضيح أولًا أن التقارب السعودي الإسرائيلي جاء لعدة أسباب، أبرزها المواقف المشتركة حول الربيع العربي، إضافة إلى اتفاق وجهات النظر حول عدة قضايا، منها ضرور ة تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وخطورة الإسلام السياسي، إضافةً إلى أن كلتا الدولتين هما صديقان بارزان لواشنطن في الشرق الأوسط، ويريد ترامب أن يثبت خطأ سياسات الرئيس السابق أوباما الذي وقّع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، لذلك فيجب على حلفائه أن يتحدّوا ضد طهران، وهو الأمر نفسه الذي أعلنه الجبير «نحن لا نملك خيارًا آخر لكي نجعل إيران تغيّر من سلوكها»، وتبدو حُجّة منطقية للغاية للتقارب مع العدو التاريخي، وبعد تنازل مصر للسعودية عن جزيرتي تيران وصنافير، أصبحت هناك حدودٌ مشتركة لا يمكن تجاهلها.

اقرأ أيضًا: كيف استخدمت السعودية والإمارات «الفزاعة الإيرانية» لتبرير التقارب مع إسرائيل؟

المثير في الأمر أن إيران نفسها تشكك في قدرة ترامب على بناء تحالف ضد طهران بسهولة، كما أنهم يعتقدون أن الرئيس الأمريكي يُسرف في انتقاد الاتفاقية النووية التي يُهدد بإلغائها؛ وأنه حتى الآن لم يطرح سيناريو بديلًا لها، وهو ما يجب أن يُقلق السعودية التي تريد تطمينات أكثر بأن ترامب سيستمر في نهجه المتشدد إزاء إيران، وقد يوافق الأمير ابن سلمان على التطبيع الرسمي عبر إنشاء سفارة إسرائيلية في الرياض، وتمر السنوات وتصبح الحرب على إيران مجرد خُدعة أمريكية وإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية.

وبعدما كانت السعودية تنتقد قطر في التسعينات بسبب تقاربها مع إسرائيل، تُرى هل يستطيع أحدٌ أن يعاقب الممكلة على تصرفاتها اليوم، مثلما كانت تفعلُ هي في الماضي؟

اقرأ أيضًا: العشق الممنوع.. هل يكسر ابن سلمان «التابوه» ويقيم علاقات «علنية» مع إسرائيل؟

3- علي عبد الله صالح والحوثيون.. الخيانة من طبع الحلفاء!

في أي معادلة سياسة يبرز فيها اسم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، تتضاعف المخاوف بسبب راعي الأغنام الذي أجاد فنّ المراوغة؛ فسيرته الذاتية مثيرة للإعجاب، فحتى بعد إقصائه من الحُكم بصعوبة أثناء ثورات الربيع العربي، ظل الرجل محتفظًا بنفوذه حتى الآن، فهو لا يخشى من خسارة الأصدقاء، ما دام قادرًا في كل مرة على استرجاعهم أو استبدالهم، وقصته مع الحوثيين ضرب كبير من التناقضات.

منذ عام 2004 وحتى 2010، شنّ صالح ست حروب ضد الحوثيين الذين طالبوا بإصلاحات سياسية، وكانت مبررات الحرب التي صدرت هي أنّ إيران تدعم الجماعة الشيعية التي تتبع المذهب الزيدي، وهو بذلك يجذب السعودية ودول الخليج لتدعمه، كما أنّه زعم أنهم يريدون هدم الجمهورية وإعادة الملكية، وهو بذلك ينادي على الولايات المتحدة التي هرعت لمساعدته في التسعينات، خاصةً عندما أعلن أنه يحارب تمدد تنظيم القاعدة في بلاده، وبحسب قادة عسكريين تابعين له كشفوا أن صالح لم يسع لإنهاء الحروب الست، مبررين أنه عندما كان الجيش يوشك على القضاء على الحوثيين في معاقلهم كانت تصدر الأوامر لهم بالانسحاب فورًا ووقف القتال. الجدير بالذكر أنّ أتباعه الذين ساعدوه في حرب الحوثيين انقلبوا عليه خلال الثورة اليمنية، وأجبروه على تسليم السُلطة، يبدو أنّ صالح فقد كل أصدقائه مثلما حدث لصدّام حُسين، لكنّ السياسة تبقى هي اللعبة الأكثر ذكاءً.

بعد تنصيب الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور، استغل صالح خلاف الحوثيين مع الرئيس الجديد، فعاد إلى أعدائه القُدامى الذين دعمهم من خلال قوات الحرس الجمهوري السابق، والقوات الخاصة التي تدين له بالولاء، وساعدت الحوثيين في السيطرة على صنعاء، ومحاصرة القصر الرئاسي؛ بل إن الأمور تطورت حد إجبار الرئيس على تقديم استقالته قبل أن يهرب إلى عدن، ويعلن استئناف الحرب من جديد.

ازدادت الأوضاع سوءًا عام 2015، بعدما أعلنت السعودية تشكيل عاصفة الحزم لمحاربة الحوثيين من أجل إعادة الشرعية للرئيس هادي، وبينما كان علي عبد الله صالح يهاجم السعودية ويتهمها بتخريب اليمن، كانت الصفقات السرية قد عقدت برعاية الإمارات والسعودية وصالح من أجل إنهاء الحرب التي أحرجت السعودية أمام المجتمع الدولي، بسبب الانتهاكات، وانتشار الأوبئة. وتتلخص الصفقة في التخلي عن الحوثيين، والإيقاع بهم في مقابل إعادة صالح إلى الحُكم مرة أخرى، وبالرغم من أنها لم تتحقق حتى الآن، إلا أن الحوثيين قد فطنوا إلى الخُطة؛ فبادروا هم ببدء الخلاف والدخول في مناوشات وقتال محدود مع قوات صالح، والتهديد بإلغاء الشراكة، ويُعتبر الخلاف الحالي هو الأقوى منذ توافقت مصالحهم.

وحتى الآن لم تنتهِ الحرب في اليمن، لكنّ الشيء الوحيد الذي يمكن توقعه، هو أن يقوم صالح بانقلاب أو حرب أو تحالف جديد من أجل البقاء دومًا على رأس السُلطة، والحوثيون يتهمونه علانية بـ«الغدر»، خاصةً بعدما تداولت الأنباء قيام السعودية بإنقاذ حياة صالح للمرة الثانية، وربما استعد الطرفان للحرب السابعة.

4- السودان.. لولا السعودية لكنّا أصدقاء إيران

لطالما كان السودان غائبًا عن المشهد العربي، كونه بلدًا ليس له نفوذ إقليمي، زاد من عزلته، انضمامه إلى حلف طهران الاقتصادي سابقًا، قبل قطع العلاقات العام الماضي، وهو ما استدعى غضبًا خليجيًّا جعل القادة العرب يشاركون في العقوبات الاقتصادية التي أقرتها عليه الولايات المتحدة منذ عام 2009، وكانت طبيعة النظام الحاكم في كلتا الدولتين القائم على أسس إسلامية، هي ما جعلت التقارب أكثر سلاسة، فالبشير هو صاحب التصريح الذي فشل في التبرؤ منه «ثورة إيران نبراس يضيء الطريق أمام المسلمين في العالم».

لكنّ هبوط سعر صرف الجنيه السوداني، والذي تزامن مع معاقبة الرياض للخرطوم اقتصاديًّا عام 2014، بإيقاف تحويلات الصرف لأكثر من 500 ألف سوداني مقيم في المملكة، بما يساوي قيمته سبعة مليارات ريال سعودي جعل البشير يعيد سياساته؛ وفجأة يكتشف الرئيس السوداني أن التشيع يهدد بلاده؛ فيقوم بطرد السفير الإيراني، وفي الحال تقوم السعودية بتقديم استثمارات بقيمة 11 مليار دولار، إضافة للقيام بعدة مشروعات لتوفير 370 ألف فرصة عمل، وتحتكر السعودية الآن أكثر من 50% من النشاط الزراعي، كما أنّ البشير قرر إرسال قواته للمشاركة في عاصفة الحزم؛ أملًا في توسط السعودية لواشنطن كي ترفع العقوبات، تُرى ماذا يمكن أن يحدث لو أن إيران كانت تدفع لحلفائها بسخاء؟

في رأيكم، هل يحمل العام الجديد تحالفات جديدة في طياته، مثلما فاجأنا العام الحالي؟

اقرأ أيضًا: بعد تصعيد الكويت ضدها.. 4 أسباب تشرح لك لماذا تخسر إيران أصدقاءها دائمًا

المصادر

شعث يكشف بالوثائق فساد دحلان
نزال: دحلان متورط في اغتيال المبحوح
عرض التعليقات
تحميل المزيد