كان الهدف المباشر في ذلك الوقت هو إذلال كوبا، ولكن لم يتحقق ذلك بسبب قوة العدو البريطاني. ورغم ذلك، أبلغ كبير الاستراتيجيين جون كوينسي آدامز – الأب الفكري لعقيدة مونرو والقدر المتجلي- زملاءه أنه بمرور الوقت ستقع كوبا في أيدينا عبر “قوانين الجاذبية السياسية”، مثل التفاحة التي تسقط من الشجرة. باختصار، فإن قوة الولايات المتحدة ستزيد، بينما ستضعف بريطانيا.

في عام 1898، تحققت تكهنات آدامز. فقد غزت الولايات المتحدة كوبا تحت ستار تحريرها. في الواقع، لقد منعت تحرير الجزيرة من إسبانيا وحولتها إلى “مستعمرة افتراضية” طبقًا لرواية المؤرخين إرنست ماي وفيليب زيليكو. وقد ظلت كوبا كذلك حتى يناير عام 1959، عندما حصلت على استقلالها. ومنذ ذلك الوقت تعرضت لحملات إرهاب أميركية كبرى، الأول خلال سنوات حكم كينيدي بالأساس، وكذلك تعرضت لحصار اقتصادي. ولم يكن للروس يد في ذلك.

كان الأمريكيون يزعمون طوال الوقت أنهم يدافعون عن أنفسهم ضد التهديد الروسي، وهو تفسير سخيف لم يواجه برد.

فايروس القومية

باستعارة مصطلحات هنري كيسنجر، فالقومية المستقلة هي “فيروس” قد “ينتشر بالعدوى”. كان الفيروس هو فكرة أنه قد يكون هناك مسار برلماني نحو نوع من الديمقراطية الاشتراكية. وكانت الطريقة المقترحة للتعامل مع مثل هذا التهديد هو تدمير الفيروسات وتطعيم أولئك الذين قد يكونون قد أصيبوا به. وقد تحقق ذلك في حالة شيلي، ولكن من المهم أن ندرك أن التفكير ينطبق على جميع أنحاء العالم.

على سبيل المثال كان ذلك هو المنطق وراء قرار معارضة القومية الفيتنامية في الخمسينيات ودعم جهود فرنسا لاستعادة مستعمرتها السابقة. كان يُخشى أن استقلال القومية الفيتنامية قد تنتشر كالفيروس الذي من شأنه أن ينشر العدوى إلى المناطق المحيطة بها، بما في ذلك إندونيسيا الغنية بالموارد الطبيعية. ربما كان ذلك ليحول اليابان – أطلق عليها الباحث في الشؤون الآسيوية جون داور “تداعي أحجار الدومينو”- لتصبح المركز الصناعي والتجاري. وهذا بدوره، كان يعني أن الولايات المتحدة قد خسرت الحرب في المحيط الهادئ، وفي عام 1950، لم يكن هذا خيارًا مطروحًا. والحل ببساطة كان تدمير فيتنام وإخضاعها لديكتاتورية عسكرية لمنع انتشار العدوى.

في وقت لاحق، قال ماك جورج بوندي مستشار الأمن القومي لكينيدي إن على واشنطن إنهاء حرب فيتنام في عام 1965، وذلك عندما تم تثبيت ديكتاتورية سوهارتو في إندونيسيا، مع مذابح هائلة قارنتها وكالة المخابرات المركزية بجرائم هتلر وستالين وماو. مع ذلك، فقد استقبلت الولايات المتحدة والغرب عمومًا الأمر بترحاب شديد لأن “حمام الدم الهائل”، كما وصفته الصحافة بمرح، توقف دون انتشار العدوى وإتاحة الموارد الغنية في إندونيسيا للاستغلال الغربي.

وينطبق نفس الشيء في أمريكا اللاتينية في السنوات نفسها. فمنذ أوائل الستينيات، تم فرض أنظمة ديكتاتورية في القارة لم يشهد العالم مثلها، وامتد الأمر إلى أمريكا الوسطى في الثمانينيات إبان فترة حكم رونالد ريغان، وهو الأمر الذي يجب إعادة النظر فيه.

الأمر نفسه وقع في الشرق الأوسط؛ حيث دشنت علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل في شكلها الحالي منذ عام 1967، عندما هاجمت إسرائيل مصر، مركز القومية العربية العلمانية. من خلال ذلك، فقد سعت لحماية السعودية حليفة الولايات المتحدة، ثم انخرطت في صراع عسكري مع مصر في اليمن.

قيمة السرية

يجب حماية سلطة الدولة من عدوها الداخلي، كما أن السكان غير آمنين من سلطة الدولة. ومن الأمثلة الحالية التي تلفت النظر هي الانتهاك الحاد للدستور عبر برنامج التجسس الواسع الذي تطبقه إدارة أوباما.

عندما فضح إدوارد سنودن برنامج التجسس الخاص بوكالة الأمن القومي، ادعى مسؤولون رفيعون المستوى أن هذا البرنامج قد منع 54 عملاً إرهابيًّا. وعند التحقيق، انخفض ليصل إلى اثني عشر. ثم اكتشفت لجنة حكومية رفيعة المستوى أن هناك حالة واحدة فقط: وكانت لشخص واحد أرسل 8500 دولار إلى الصومال.

كان موقف بريطانيا مثيرًا للاهتمام. في عام 2007، دعت الحكومة البريطانية وكالة التجسس الأمريكية إلى “تحليل وحفظ أرقام الهاتف المحمول والفاكس الخاصة بأي مواطنين بريطانيين، ورسائل البريد الإلكتروني، وعناوين بروتوكول الإنترنت التي تم تسجيلها”، حسبما ذكرت صحيفة الغارديان.

آخر عهود الحضارة البشرية؟

هناك أمثلة أخرى لا يتسع المجال لذكرها، وحقائق راسخة سيتم تدريسها في المدارس الابتدائية في المجتمعات الحرة.

بعبارة أخرى، هناك أدلة كثيرة على أن تأمين سلطة الدولة من السكان المحليين وتأمين الحياة الخاصة هي القوى الدافعة في تشكيل السياسة. بطبيعة الحال، الأمر ليس بتلك البساطة. هناك حالات مثيرة للاهتمام، حيث تتضارب هذه الالتزامات.

دعونا ننتقل إلى سؤال آخر: ماذا عن أمن السكان؟ من السهل أن تثبت أن هذا مصدر قلق هامشي لمخططي السياسات. لنأخذ اثنين من الأمثلة البارزة الحالية، ارتفاع مستوى الاحتباس الحراري، والأسلحة النووية.

فكر في ظاهرة الاحتباس الحراري. هناك الآن الكثير من الحماسة في الولايات المتحدة تجاه “100 عام من الاستقلال في مجال الطاقة” حيث اقتربنا لنصبح “المملكة العربية السعودية في القرن المقبل” – ربما يكون في القرن الأخير من الحضارة الإنسانية إذا استمرت السياسات الحالية.

بشأن مسألة الأسلحة النووية، فالسجل مثير للاهتمام ومخيف، فهو يكشف بشكل واضح أنه منذ الأيام الأولى، كان أمن السكان لا يمثل مشكلة، ويبقى كذلك. ليس هناك وقت هنا لتصفح السجل المروع، ولكن ليس هناك شك في أنه يدعم بقوة رثاء الجنرال لي بتلر، آخر قادة القيادة الجوية الاستراتيجية، والذي جرى تزويدها بأسلحة نووية. في كلماته، قال إننا نجونا حتى الآن من العصر النووي: “بمزيج من المهارة والحظ والتدخل الإلهي، وأظن أن الأخير له النسبة الأكبر”. ويمكننا بالكاد الاعتماد على التدخل الإلهي المستمر؛ حيث يلعب واضعو السياسات لعبة الروليت بمصير الأجناس الساعية لقيادة العوامل الدافعة في تشكيل السياسة.

وكما ندرك جميعًا بالتأكيد، فإننا نواجه الآن أكثر القرارات المشئومة في تاريخ البشرية. وهناك العديد من المشاكل التي يجب معالجتها، ولكن هناك مشكلتين لهما أهمية قصوى: تدمير البيئة، والحرب النووية. للمرة الأولى في التاريخ، نواجه إمكانية تدمير عناصر الوجود اللائقة. لهذا السبب وحده، لا بد من تبديد الغيوم الأيديولوجية ومواجهة مسألة كيفية اتخاذ القرارات السياسية بصدق، ومعرفة ماذا يمكننا أن نفعل لتغييرها قبل فوات الأوان.

 

عرض التعليقات