إن السؤال الخاص بالكيفية التي يتم بها تحديد السياسة الخارجية له دور حاسم في الشؤون العالمية. يقول الكاتب إن بوسعه أن يقدم بعض التلميحات عن الأسلوب الأمثل لبحث هذا الموضوع، وسيقتصر الحديث على الولايات المتحدة لعدة أسباب: أولاً، الولايات المتحدة لا مثيل لها في أهميتها العالمية وتأثيرها. ثانيًا، أمريكا مجتمع منفتح على نحو غير عادي وربما تتفرد لهذا السبب، وهو ما يعني أننا نعرف المزيد عن هذا الأمر. وأخيرًا، من الواضح أنها القضية الأهم بالنسبة للأميركيين، القادرين على التأثير على الخيارات السياسية في الولايات المتحدة – وبالطبع بالنسبة للآخرين، ورغم ذلك، تتمدد المبادئ العامة لتشمل القوى الكبرى الأخرى.

هناك “نسخة رئيسة” من المعايير المشتركة للمنح الأكاديمية وتصريحات الحكومة والخطاب العام. وهي تقضي بأن الالتزام الرئيس للحكومات هو ضمان الأمن، وأنه منذ عام 1945 كان الشغل الشاغل للولايات المتحدة وحلفائها هو التهديد الروسي.

ثمة عدد من الطرق لتقييم تلك العقيدة. أحد الأسئلة الأساسية التي يجب طرحها: ماذا حدث عندما اختفى التهديد الروسي عام 1989؟ الإجابة: بقي كل شيء على حاله.

غزت الولايات المتحدة بنما على الفور؛ مما أسفر عن مقتل الآلاف من الناس وتنصيب نظام عميل. كانت هذه ممارسة روتينية في مجالات تهيمن عليها الولايات المتحدة – ولكن هذه الحالة لم تكن روتينية تمامًا. للمرة الأولى، لم يتم تبرير عمل جوهري في السياسة الخارجية بالتهديد الروسي المزعوم.

بدلاً من ذلك، تم فبركة سلسلة من الذرائع الكاذبة للغزو يمكن تفنيدها بمجرد فحصها على الفور. شجعت وسائل الإعلام الغزو بحماس، مشيدة بهزيمة بنما، غير مبالية بأن الذرائع التي جرى الغزو على أساسها كانت مثيرة للسخرية، وأن الفعل في حد ذاته يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وأن العالم شجب الخطوة.

من السلفادور وحتى الحدود الروسية

أصدرت إدارة جورج بوش الابن سياسة أمنية وطنية جديدة وميزانية دفاع جديدة، في رد فعل على انهيار العدو العالمي. وكانت مشابهة لسابقاتها ولكن مع ذرائع جديدة. اتضح فيما بعد، أنها كانت لازمة للحفاظ على حالة عسكرية مكافئة لبقية دول العالم مجتمعة، وأكثر تقدمًا في التطور التكنولوجي، ليس للدفاع ضد الاتحاد السوفييتي غير الموجود الآن، ولكن غدت الذريعة هي قدرة “التطور التكنولوجي” المتنامية لدى دول العالم الثالث.

أصرت الولايات المتحدة على أن تحافظ البرامج الجديدة على “القاعدة الصناعية الدفاعية”، العبارة هي كناية عن صناعة التكنولوجيا الفائقة عمومًا، والتي تعتمد بشكل كبير على تدخل الدولة الواسع في البحث والتطوير، وغالبًا تحت غطاء البنتاغون، حيث يواصل الاقتصاديون وصف الولايات المتحدة بـ “اقتصاد السوق الحر”.

كانت إحدى البنود الأكثر إثارة للاهتمام ضمن الخطط الجديدة تخص الشرق الأوسط. فقد أعلن أن على واشنطن الحفاظ على قوات تدخل تستهدف مناطق الصراع الرئيسة. وخلافًا لـ50 عامًا من الخداع، اعترفت الولايات المتحدة أن مصدر القلق الرئيس لم يكن الروس بل ما يسمى “القومية المتطرفة”، بمعنى قومية مستقلة لا تخضع لسيطرة الولايات المتحدة.

وقعت أحداث هامة أخرى مباشرة بعد سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة. إحدى تلك الأحداث وقعت في السلفادور؛ حيث أمرت القيادة العليا السلفادورية لواء أتلاكاتل باقتحام الجامعة اليسوعية وقتل ستة من كبار المثقفين في أمريكا اللاتينية وجميع الكهنة اليسوعيين بما في ذلك رئيس الجامعة “الأب أجناسيو إياكوريا” وكذلك قتل أي شهود. وكان اللواء قد عاد لتوه من التدريب على مكافحة التمرد في مركز جون كينيدي للحرب الخاص بالجيش الأمريكي، ومدرسة في فورت براج بولاية نورث كارولينا؛ مما خلف الآلاف من الضحايا في سياق حملة إرهاب الدولة التي تديرها الولايات المتحدة في السلفادور، وهي جزء واحد من حملة إرهاب أوسع في جميع أنحاء المنطقة.

وقع حدث هام آخر في أوروبا. حيث وافق الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف على السماح بتوحيد ألمانيا وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وهو تحالف عسكري معادٍ. وفي ضوء التاريخ الحديث، كان هذا تنازلاً أكثر إثارة للدهشة. واتفق الرئيس بوش ووزير الخارجية جيمس بيكر بأن الناتو لن يتوسع “بوصة واحدة إلى الشرق”، والمقصود رفض ضم ألمانيا الشرقية. وعلى الفور، اتسع نطاق حلف شمال الأطلسي إلى شرق ألمانيا.

تملك الغضب من غورباتشوف، ولكن عندما عبر عن استيائه، تلقى ردًّا من واشنطن بأن هذا كان مجرد وعد شفهي، وبالتالي دون استخدام للقوة.

الدعوة لنهب الفقراء

مصدر آخر من الأدلة هو السجل التاريخي الذي رُفعت عنه السرية. يحتوي السجل على حسابات كاشفة عن الدوافع الفعلية لسياسة الدولة. أحد الأحداث المفصلية هو مؤتمر نصف الكرة الأرضية الغربي الذي دعت له الولايات المتحدة وانعقد في المكسيك في فبراير 1945؛ حيث “فرضت واشنطن الميثاق الاقتصادي للأمريكتين” بهدف القضاء على القومية الاقتصادية “بجميع أشكالها” وكان هناك شرط واحد غير معلن. أن القومية الاقتصادية الملائمة بالنسبة للولايات المتحدة هي التي تعتمد بشكل كبير على التدخل الحكومي الهائل في الاقتصاد.

سببت فكرة القضاء على القومية الاقتصادية للآخرين نزاعًا حادًا مع موقف أمريكا اللاتينية آنذاك، التي وصفها مسئولو وزارة الخارجية بأنها: “فلسفة القومية جديدة [التي] تحتضن السياسات الرامية إلى تحقيق توزيع أوسع للثروة ورفع مستوى معيشة الجماهير”. وأضاف المحللون الأمريكيون: “أن قادة أمريكا اللاتينية مقتنعون أن أول المستفيدين من تنمية الموارد في بلد ما ينبغي أن يكون شعب ذلك البلد”.

تعتقد واشنطن أن “المستفيدين الأوائل” يجب أن يكونوا المستثمرين في الولايات المتحدة، بينما تكون أمريكا اللاتينية وسيلة مساعدة لذلك. فلا ينبغي – كما أوضحت إدارتا ترومان وأيزنهاور- أن تخضع “لتنمية صناعية مفرطة” بصورة قد تتعدى على مصالح الولايات المتحدة. وبالتالي يمكن أن تنتج البرازيل الحديد منخفض الجودة التي لا تهتم الشركات الأمريكية بإنتاجه، ولكن سيكون من “المبالغ فيه” أن تتنافس مع الشركات الأمريكية.

تردد صدى مخاوف مماثلة طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تعرض النظام العالمي الذي كان من المقرر أن تهيمن عليه الولايات المتحدة للتهديد من قبل ما تسميه وثائق داخلية “الأنظمة الراديكالية والقومية” التي تستجيب لضغوط شعبية لتحقيق الاستقلالية التنموية. كان ذلك الدافع وراء الإطاحة بالحكومات البرلمانية في إيران وغواتيمالا في عام 1953 و1954. في حالة إيران، كان أحد مصادر القلق هو الأثر المحتمل للاستقلال الإيراني على مصر. أما في غواتيمالا، وبصرف النظر عن جريمة الديمقراطية الجديدة بتمكين أغلبية الفلاحين والتعدي على ممتلكات شركة الفواكه المتحدة، كان مصدر قلق واشنطن الاضطرابات العمالية والتعبئة الشعبية في الديكتاتوريات المدعومة من الولايات المتحدة.

في كلتا الحالتين تمتد العواقب إلى الوقت الحاضر. لم يمر يومًا منذ عام 1953 إلا وعملت الولايات المتحدة على تعذيب الشعب الإيراني. غواتيمالا ما تزال واحدة من أسوأ دوائر الرعب في العالم. حتى يومنا هذا، يفر من بقي من شعب المايا من آثار الحملات العسكرية الحكومية التي تصل إلى حد الإبادة الجماعية بدعم من الرئيس رونالد ريغان وكبار المسؤولين في إدارته. وكما ذكر مؤخرًا المدير القطري لمنظمة أوكسفام، وهو طبيب في غواتيمالا حيث قال: “هناك تدهور كبير للسياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وقد تزايدت الهجمات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان 300٪ خلال العام الماضي. وهناك دليل واضح على استراتيجية منظمة تنظيما جيدًا جدًا من قبل القطاع الخاص والجيش. فقد سيطر كل منهما على الحكومة من أجل الحفاظ على الوضع القائم وفرض النموذج الاقتصادي الخاص بهما، وطرد السكان الأصليين من أرضهم، ويرجع ذلك إلى صناعة التعدين والنخل الأفريقي ومزارع قصب السكر. وبالإضافة إلى ذلك تم تجريم الحركة الاجتماعية المدافعة عن أصحاب الأرض وحقوقهم، وزج بالعديد من القادة في السجن، كما تم قتل العديد منهم“.

في خمسينيات القرن الماضي، أوضح الرئيس أيزنهاور ووزير الخارجية جون فوستر دالاس بوضوح المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة. لقد اشتكوا من أن الشيوعيين كان لديهم ميزة تزيد عليهم. فقد كانوا قادرين على: “التحدث مباشرة إلى الجماهير والسيطرة على الحركات الجماهيرية، وهو أمر ليس لدينا القدرة على فعله. دومًا كانوا يناشدون الفقراء ولطالما أرادوا نهب الأغنياء”.

الحالة الكوبية

تعتبر كوبا مثالاً واضحًا على النمط العام، عندما حصلت على استقلالها في نهاية المطاف في عام 1959. في غضون أشهر، بدأت الهجمات العسكرية على الجزيرة. وبعد فترة وجيزة، اتخذت إدارة أيزنهاور قرارًا سريًّا بالإطاحة بالحكومة. ثم أصبح جون كينيدي رئيسًا للبلاد. وقد اعتزم تكريس المزيد من الاهتمام لأمريكا اللاتينية، وعند توليه منصبه، شكل مجموعة دراسة لتطوير السياسات برئاسة المؤرخ آرثر شليزنجر، الذي لخص استنتاجاتها للرئيس الجديد.

كما أوضح شليزنجر أن ما يهدد في استقلال كوبا هو: “فكرة أخذ كاسترو زمام كل الأمور في يديه”. كانت فكرة مست مشاعر كتلة كبيرة من السكان في أمريكا اللاتينية، حيث “توزيع الأراضي وغيرها من أشكال الثروة التي انت تقتصر على الطبقات المالكة، بينما الفقراء محرومون، ويحفز ذلك الثورة الكوبية، التي تطالب الآن بفرص العيش الكريم”.

وكما أوضحت وكالة المخابرات المركزية: “أن التأثير الكبير لأفكار كاسنرو ليس هو وظيفة السلطة الكوبية… فظل كاسترو يشغل حيزًا كبيرًا لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية تدعو المعارضة لتولي السلطة والتشجيع على تغيير جذري”، حيث توفر كوبا نموذجًا له. وقد خشي كينيدي أن تجعل المساعدات الروسية من كوبا “هدفًا” للتنمية، وإعطاء السوفييت اليد العليا في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.

عرض التعليقات
s