تزامن الإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل للاقتصاد 2019، والتي تعرف رسميًا باسم «جائزة سفيرجيس ريكسبانك» في العلوم الاقتصادية إحياءً لذكرى ألفريد نوبل، مع الذكرى السنوية الخمسين لبداية منح هذه الجائزة، والتي تم منحها أول مرة عام 1969، بعد أن تأسست عام 1968، إذ لم تكن الجائزة ضمن مجموعة الجوائز الأصلية التي نصت عليها وصية ألفريد نوبل، مخترع الديناميت، عام 1895.

ومنذ عام 1969 يتجدد الحديث سنويًا عن الجائزة والحاصلين عليها وأهمية مساهمتهم العلمية، كذلك وصل الأمر للحديث عن جدوى مبدأ هذه الجائزة من الأساس، إذ يرى البعض أن هناك مبالغة في تقدير إنجازات فكرية تجريدية بعيدة كل البعد عن الفعل الحقيقي للاقتصاد، ولكن مع ذلك لا تزال الجائزة مستمرة بالوتيرة نفسها وباختيارات مثيرة دائمًا، خاصة خلال آخر 10 سنوات، وتحديدًا ما بعد الأزمة المالية العالمية.

ومع الإعلان اليوم عن فوز خبراء الاقتصاد، أبهيجيت بانيرجي، وإستر دوفلو، ومايكل كريمر، بجائزة نوبل للاقتصاد للعام 2019، لوضعهم نهجًا يهدف إلى تقليص مستوى الفقر على مستوى العالم، بلغ عدد الفائزين بالجائزة نحو 84 فائزًا حتى الآن، بينهم امرأتان وهن: الفائزة هذا العام، إستر دوفلو، ثاني امرأة تحصل على الجائزة خلال نصف قرن، بالإضافة إلى إلينور أوستروم، التي حصلت على الجائزة عام 2009 لإنجازاتها في مجال إدارة الموارد الطبيعية المشتركة بكفاءة بالاتفاق بين المستخدمين.

ماذا تعرف عن الفائزين بنوبل للاقتصاد في 2019؟

بمنح الأمريكي، أبهجيت بانيرجي المولود في الهند والفرنسية الأمريكية إستر دوفلو والأمريكي مايكل كريمر، جائزة نوبل للاقتصاد عن أعمالهم حول الفقر، بحسب ما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم. إذ قالت هيئة التحكيم إن الخبراء الثلاثة كوفئوا على «إدخالهم مقاربة جديدة للحصول على أجوبة موثوقة حول أفضل وسيلة للحد من الفقر في العالم»، كما هو موضح بالرسم التالي.

وسائل الحد من الفقر – The Nobel Prize

وأثبت مايكل كريمر، صاحب الـ54 عامًا والأستاذ في جامعة «هارفارد»، في منتصف التسعينات كيف يمكن أن تكون هذه المقاربة قوية عبر استخدام تجارب ميدانية من أجل اختبار مختلف المبادرات التي من شأنها تحسين النتائج المدرسية، وذلك بالتطبيق في غرب كينيا، بعد قام بانيرجي صاحب الـ58 عامًا والأستاذ في معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» وزوجته، إستر دوفلو (46 عامًا) بدراسات مماثلة، في الاتجاه نفسه، وهو ما جعل طريقتهم للأبحاث التجريبية تهيمن حاليًا على الاقتصاد التنموي، بحسب «فرانس برس».

وتعتبر، دوفلو، الأستاذة في معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» أيضًا، إحدى أشهر الخبراء الاقتصاديين في العالم، وخصوصًا في الولايات المتحدة، وكان البيت الأبيض قد اختارها مستشارة للرئيس باراك أوباما عام 2013، بشأن مسائل التنمية عبر انضمامها إلى اللجنة الجديدة من أجل التنمية العالمية.

وتقول لجنة الجائزة: إن الباحثين استحقوا الفوز بالجائزة، لنجاحهم في تقسيم مشكلة الفقر إلى تساؤلات صغيرة قابلة للإدارة بصورة أفضل، مثل التدخلات لتحسين صحة الطفل، بينما قاموا بعمل دراسات مشابهة في قضايا أخرى في بلدان أخرى، بالإضافة إلى أن الزوجين بانرجي ودوفلو، لهما كتابًا بعنوان «اقتصاد الفقراء»، وهو الكتاب الذي فاز بكتاب العام من «فايننشال تايمز» في 2011، وذلك حول إعادة النظر في أساليب محاربة الفقر.

«نيويورك تايمز»: لماذا أثارت الفائزة بجائزة نوبل للآداب الجدل في بلدها بولندا؟

 

ويمكن القول: «إن هذا الكتاب هو علامة فارقة في إعادة صياغة العالم لطرق محاربة الفقر، إذ يستعرض الكتاب المشكلة على أرض الواقع، ويدرس ظروف الفقراء، وأساليب معيشتهم، مع مناقشة كل حالة على حدة، إذ يعرج الكتاب للحديث عن أسباب انخفاض مستويات تطعيم الأطفال في قرى نيجيريا، ثم يبحث عن إجابة لسؤال لماذا يقترض الفقراء في الهند عند معدل فائدة 5% يوميا، أي حوالي 54 مليون% سنويًا، كونها فائدة مركبة».

هل ذهبت «نوبل في الاقتصاد 2019» لمن يستحقها؟

يمكن حصر ما لا يقل عن 15 من الاقتصاديين الذين كانوا مرشحين لنيل الجائزة هذا العام، لكن من حصلوا على الجائزة ليسوا ضمن هذه القائمة، وهو ما يجعلنا نسأل السؤال المعتاد ربما سنويًا وهو: هل ذهبت الجائزة لمن يستحقها؟ وفي الواقع الإجابة دائمًا ما تكون صعبة، لكن مع جولة سريعة بين أبرز المرشحين قد نعرف إجابة هذا السؤال.

فوفق تقرير لـ«بلومبرج» حدد خمسة خبراء اقتصاديين يستحقون الجائزة عن أبحاثهم وأفكارهم، فقد وضع التقرير الكينزيين الجدد في مقدمة القائمة، تقديرًا لجهودهم في الوصول للنموذج السائد في الاقتصاد الكلي الأكاديمي الحديث، المستخدم حاليًا في معظم البنوك المركزية، بينما لم يحصل أحد رواد هذه النظرية على نوبل حتى الآن، وربما السبب في ذلك أن النظرية ليست من بنات أفكار شخص واحد.

وتخص النظرية مجموعة كبيرة من الشخصيات المؤثرة التي أضاف كل منها عناصر أساسية، ومنهم: مايكل وودفورد، وستانلي فيشر، وجريج مانكيو، ونوبوهيرو كيوتاكي، وجانيت يلين، وديفيد رومر وغيرهم. لكن نوح سميث، الكاتب في «بلومبيرج» كان يرى أنه من المحتم في نهاية المطاف أن تعترف لجنة جائزة نوبل للاقتصاد بهذه النظرية المؤثرة بشكل كبير، لكن لم يحدث ذلك هذا العام.

بينما على الجانب الآخر جاءت الأمريكية كلوديا جولدن، من جامعة «هارفارد»، ثاني المرشحين للجائزة، بسبب مساهمتاها في الكتابة عن ارتفاع عدم المساواة الاقتصادية، وذلك من خلال الجمع بين أساليب اقتصاديات العمل والتاريخ الاقتصادي، بالإضافة إلى دراستها للدور المتغير للمرأة في الاقتصاد على نطاق واسع، ودمجت معه اتجاهات مثل تأخر الإنجاب، وزيادة التعليم، ناهيك عن مساهمتها في أبحاث الفجوة في الأجور بين الجنسين، إلا أن هذه الأبحاث لم تكن كافية لإقناع اللجنة باستحقاق جولدن للجائزة.

في المقابل يعود الفضل لديفيد كارد، الاستاذ في جامعة «كاليفورنيا بيركلي»، في أنه يعتبر أحد أبرز الاقتصاديين الذين ساهموا في تغيرات كبيرة في مهنة الاقتصاد وتحويل المجال من تخصص نظري إلى حد كبير إلى تخصص قائم على  أسس راسخة في مجال التجارب والبيانات، وذلك من خلال دراساته التاريخية حول الهجرة منخفضة المهارات والحد الأدنى للأجور، وهي الدراسات التي غيرت النقاش حول هذه القضايا الحاسمة.

لذلك يستخق كارد – بحسب المحللين – أكثر من أي شخص أخر، الفوز بجائزة نوبل للتحول الجوهري الذي غير معنى البحث الاقتصادي في العالم، لكنه أيضًا لم يحصل على الجائزة، ربما لأنه يحمل الجنسية الكندية، وليس الأمريكية، خاصة وأن السبب الرئيس في منح الحاصلين على الجائزة هذا العام يكمن في نقطة التحول من النظري إلى التجريبي.

ومن المعتاد أيضًا أن الجائزة تفضل أصحاب النظريات، لذلك فقد كان،بول ميلجروم، المفكر الاقتصادي، والاستاذ بجامعة «ستانفورد»، أحد الاقتصاديين الذين يعملون على أعمق المشكلات بشكل بحت، فهو صاحب نظرية المزادات التي تعتبر واحدة من قصص نجاح علم الاقتصاد، وبحسب ريد هانت، الرئيس السابق للجنة الاتصالات الفيدرالية، فأن أفكار ميلجروم كانت بالغةَ الأهمية في هذا الصدد، وساهم ميلجروم في الكثير من النظريات، مثل: نظرية اللعبة، ونظرية العقود، واقتصاديات العمل، والتنظيم الصناعي، واقتصاديات المعلومات والتعلم، وغيرها، لذلك يرى البعض أن عدم فوز ميلجروم بنوبل للاقتصاد هي مفاجأة كبيرة.

Embed from Getty Images

دارون أسيموغلو، الاقتصادي التركي الأمريكي من معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا والعلوم السياسية» وصاحب كاتب «لماذا تفشل الأمم؟»، كان هوالآخر من المرشحين بقوة هذا العام، خاصة لأنه تناول الأسئلة الكبيرة حول سبب نمو وتطور الدول أو ركودها وتراجعها، وهو الأمر الذي يشغل العالم حاليًا، خاصة أن مثل هذه الأنواع من الأسئلة نادرًا ما تحصل على إجابات نهائية، بينما عالج دارون مسألة ما إذا كانت الأتمتة (استخدام الآلان في الصناعة) ستجعل البشر يعفو عليهم الزمن، لكن أيضًا لم تكن مساهماته كافية لحصوله على الجائزة.

جدير بالذكر أن بعض المحللين كانوا قد توقعوا حصول، الأمريكي الإسرائيلي، جوشوا إنغريست، الأستاذ في معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» في الولايات المتحدة والمتخصص في اقتصاد التعليم والعمل، على الجائزة لكن أيضًا اللجنة كان لها رأي آخر.

هل أثرت الجائزة على أبحاث الاقتصاديين إيجابًا؟

هذا السؤال تحديدًا يعد سؤالًا بالغ الأهمية هذا العام؛ لأن الحاصلين على الجائزة حصلوا عليها، حول مشكلة عالمية وأرقامها متاحة ولها حصر واضح ربما غير قابل للبس، وهي مشكلة الفقر، فهل هناك أثر حقيقي لهذه الأبحاث على أرض الواقع؟

يرى اللورد ميرفن كينج، محافظ «بنك إنجلترا» السابق، وعضو مجلس اللوردات، أن الجائزة لم تغير في نوعية البحث الذي يشارك فيه الاقتصاديون، موضحًا أن الكثير من الاكتشافات الأساسية – إن لم يكن معظمها – تحدث بالصدفة، وغالبًا ما تنبع من الأفكار التي تنشأ من مشكلات غير ذات صلة، لكنه يقول أيضًا إن القيمة الحقيقية للجائزة تكمن في اتجاه الناس إلى عدد مهم من الأفكار مرة واحدة في العام، إذ إن القضايا التي أثارها واكتشفها أكثر المفكرين إبداعًا وانضباطًا جنت مكاسب أكثر من غيرها نتيجة لذلك.

وفي الوقت ذاته يتهم، كينج، اللجنة التي تختار الفائز بالجائزة بشكل غير مباشر بالتسبب في موت مارتي فايتسمان، أحد أبرز المساهمين في مجال اقتصاديات البيئة الذي تم تجاهل جهوده، وتوفي الصيف الحالي، وسط أقاويل بأنه توفي يائسًا من التقدير، بحسب كينج.

وباتت المنافسة بين الاقتصاديين الأكاديميين حاليًا شديدة، خاصة أنهم دائمًا معرضون للهجوم لفشلهم في علاج كثير من الأزمات الاقتصادية، بينما يقول روجر فارمر، الاقتصادي البريطاني، في مقال حديث له بعنوان «لماذا نحتاج إلى المزيد من الاقتصاديين؟» نشر بموقع «بروجيكت سنديكيت»، إنه لا يجب أن لا تكون مهنة الاقتصاد في وضع دفاعي للغاية في وجه الانتقادات، فالاقتصاديون لا يعلمون كل شيء بالطبع، ولكن الأفكار من ذلك العلم الكئيب قد أثبتت قيمتها مرات عديدة.

ويرى فارمر، أن مجال الاقتصاد الكلي شهد الكثير من التحولات منذ الثمانينات من القرن العشرين وحتى الآن، فبعد أن كان الاقتصاديون الحسابيون والمنظرون الاقتصاديون يتصدرون المشهد، وكان اقتصاديو التنمية في مراتب متدنية، اختلف الأمر الآن كثيرًا.

وبالعودة إلى جائزة العام التي حصل عليها الاقتصاديين الثلاثة، لوضعهم نهجًا يهدف إلى تقليص الفقر على مستوى العالم، وبالنظر إلى أن أهم دولتين تطرقت إليهم دراسات الحاصلين على الجائزة، هم الهند ونيجيريا، نجد أنه بحسب البنك الدولي فإن 36% من الفقراء فقرًا مدقعًا حول العالم يعيشون في هاتين الدولتين بواقع 24% للهند و12% لنيجيريا، وقد لا تدل هذه النسب على نجاح إستراتيجية الفائزين، لكن لا تزال توقعات البنك حتى عام 2030 متباينة.

وتقول الأمم المتحدة إن الفقر العالمي قد انخفض بأكثر من النصف منذ عام 2000، إلا أن واحدًا من بين كل 10 أشخاص في الدول النامية لا يزال يعيش على أقل من 1.90 دولار في اليوم، بينما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ترتفع هذه النسبة إلى 42%.

كيف يحتكر الأمريكيون جائزة «نوبل في الاقتصاد»؟

خلال 20 عامًا تقريبًا بات من المعلوم بالضرورة أن جائزة نوبل للاقتصاد تذهب لرجل فوق عمر الـ55 عامًا، يحمل الجنسية الأمريكية. فخلال آخر عقدين كان ثلاثة أرباع الفائزين يحملون هذه المواصفات، وفي عام 2019 لم يختلف الأمر أيضًا كثيرًا، فالفائزون الثلاثة يحملون الجنسية الأمريكية، لكن هذه المرة من بينهم امرأة لم تتجاوز الخمسين عامًا وهو الأمر الجديد.

Embed from Getty Images

وحصل نحو 22 شخصًا على جائزة نوبل للاقتصاد منذ 2008 وحتى الآن، بواقع 12 جائزة، كان آخرهم الفائزين الثلاثة لهذا العام الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وهو الأمر نفسه الذي حدث العام الماضي عندما حصل الأمريكيان ويليام دي. نوردهاوس وبول إم. رومر على الجائزة عن أبحاثهما في توضيح العلاقة بين الاقتصاد والمناخ.

وفي 2017، كان صاحب الجائزة، الأمريكي ريتشارد ثالر، عن مساهماته في الاقتصاد السلوكي، وفي 2016، فاز أيضًا الأمريكي أوليفر هارت، بمشاركة بنغت هولستروم من فنلندا، وفي 2015 حصد آنغس ديتون البريطاني صاحب الجنسية الأمريكية، الجائزة تقديرًا لأبحاثه عن «الاستهلاك والفقر والرفاهية»، وفي 2013 فاز بالجائزة ثلاثة يحملون الجنسية الأمريكية، وتكرر الأمر نفسه في 2012 و2011 و2010 و2009.

هذا الاتجاه جعل الجائزة دائمًا تحت النقد، فهناك اتهامات أوروبية بتسييس نوبل للاقتصاد، وهو ما يجعل الجميع يتساءلون عن سبب تهميش العلماء الآخرين المنتشرين في كافة أنحاء العالم، ولهم دور في إنعاش النظريات الاقتصادية المختلفة؟

«نوبل» لا تذهب دائمًا لمن يستحقها.. هؤلاء لم يكونوا يستحقون الحصول عليها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد