أعلن صباح الثلاثاء قبل الماضي، معهد كارولينسكا السويدي بأن جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام 2015 فاز بها اثنان من العُلماء هما؛ تكاكي كاجيتا Takaaki Kajita، وآرثر ماكدونالدArthur B. McDonald، حيث جاءت مشاركةً بينهما، لكُل عالم نصف الجائزة الذي يُقدر بـ4 مليون كرونا سويدية، أي ما يعادل 485.600 دولار أمريكي. أما في هذا التقرير فسوف نتعرف على المزيد حول جائزة نوبل في الفيزياء، والحاصلين عليها لهذا العام، بالإضافة إلى اكتشافهم الذي أهلهم للفوز بالجائزة، وأهميته للعلم والبشرية.

  • التعريف بــ تكاكي كاجيتا، وآرثر ماكدونالد

تكاكي كاجيتا عالم ياباني، يبلُغ من العمر 56 عامًا، وُلِد عام 1959، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1986 من جامعة طوكيو اليابانية. حيث يشغل منصب مدير معهد بحوث الأشعة الكونية، وأستاذ في جامعة طوكيو، كاشيوا، اليابان.

أما آرثر ماكدونالد، فهو عالم كندي، يبلغ من العمر 72 عامًا، وُلد عام 1943، في سيدني بكندا. حصَل على درجة الدكتوراه عام 1969 من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وهو أستاذ فخري في جامعة كوينس، في مدينة كينجستون بكندا.

  • لماذا حَصل كل منهما على جائزة نوبل للفيزياء هذا العام؟

حصل العالمان كاجيتا، وماكدونالد على جائزة نوبل للفيزياء لعام 2015،وذلك لاكتشافهم أن جسيم النيوترينو قادر على تغيير هويته، حيث يتحرك بشكل اهتزازي مما يعني أنه ليس عديم الكتلة كما يُعرف. حيث يعتبر هذا الاكتشاف أدلة تجريبية مُقنعة وكافية لتغيير نظرتنا واعتقادنا المتعارف عليه بالنسبة للكون.

  • لكن ما هو جسيم النيوترينو؟ وكيف تم اكتشافه؟

“صورة لنيوترينو غير مرئي يصطدم ببروتون، في حجرة من فقاقيع الهيدروجين”

 

النيوترينو عبارة عن جسيم أولي بكتلة أصغر كثيرًا من كتلة الإلكترون، وكان يُعتقد أنه عديم الكتلة، وليست للنيوترينو شحنة كهربية أيضًا، وهو أحد أنواع اللبتونات عديمة الشحنة. وقد تم استنتاج وجود النيوترينو بسبب ظاهرة تحلل بعض النظائر المشعة، وذلك لأنه عندما يتحلل العُنصر المشع إلى عنصر آخر، يفقد جزءًا من طاقته. هذا الجزء المفقود من الطاقة عبارة عن الفرق بين طاقتي العنصر المشع، والعنصر الجديد الذي تحول له.

ووفقًا لقانون بقاء الطاقة الذي ينص على أن “الطاقة لا تفني، ولا تُستحدث من العدم” يجب أن ينطلق إلكترون من نواة ذرة هذا العنصر، يحمل هذا الفرق في الطاقة. ولكن عند قياس هذه الطاقة عن طريق قياس أشعة بيتا، اتضح أن الإلكترون يحمل كمًّا من الطاقة أقل من الكم الحقيقي.

نتيجة لذلك افترض العالم الأمريكي فولفغانغ عام 1930 وجود جسيم صغير يحمل تلك الطاقة المفقودة، وأطلق عليه اسم “نيوترينو” حيث أنه لا يحمل شحنة كهربية.

  • وما هي اللبتونات؟

اللبتونات عبارة عن جسيمات أولية، ومكون أساسي للمادة. وتنقسم اللبتونات إلى نوعين أساسيين؛ هما اللبتونات المشحونة مثل الإلكترون، والميوون، والتاوون، وجميعها ذوات شحنة سالبة، وبالتالي باستطاعتها التفاعل مع الجسيمات الأخرى المضادة لها في الشحنة. والنوع الثاني هو اللبتونات عديمة الشحنة مثل النيوترينو.

كل لبتون يتكون من الثلاثة جسيمات أصحاب الشحنة السالبة الإلكترون، والميوون، والتاو. حيث يعتبر الميوون هو أكبرهم كتلة، وينتمي لكل جسيم من هذه الجسيمات الثلاثة نيوترينو واحد متعادل الشحنة. وبالتالي فهناك ثلاثة أنواع من النيوترينو؛ هي نيوترينو-الإلكترون(νe)، ونيوترينو-الميون(νμ)، ونيوترينو-التاو(ντ).

  • كيف تَوصل العالم تكاكي كاجيتا إلى اكتشافه؟

يحاول العلماء منذ عام 1960 حل لُغز النيوترينو، وأين تذهب هذه الطاقة المفقودة، في كل التجارب والتفاعلات التي تم إجراؤها. ومن هنا تأتي أهمية هذا الاكتشاف. واستمرت التخمينات بأن النيوترينو لديه القدرة على تغيير هويته، وإحداثه لحركة اهتزازية. ذلك في محاولاتهم للتعرف على الإشعاع المفقود، وأين يذهب. حيث توصل العالم تكاكي كاجيتا إلى اكتشافه باستخدام الكاشف “سوبر كاميوكاندي-Super-Kamiokande” الذي أصبح قيد التشغيل منذ عام 1996، في منجم للزنك على بعد 250 كيلومتر شمال غرب طوكيو. وذلك عن طريق تفاعل الأشعة الكونية القادمة من جميع الاتجاهات في الفضاء، واصطدامها بأقصى سرعة مع جزيئات الغلاف الجوي للأرض.

  • سوبر-كاميوكاندي، وجسيمات النيوترينو

سوبر-كاميوكاندي هو كاشف عملاق، بُني تحت سطح الأرض بـ 1000 متر، حيث يتكون من خزان بارتفاع 40 مترًا، ومليء بـ 50 ألف طن من الماء النقي، بحيث تتمكن أشعة الضوء السفر 70 مترًا خلال الماء، قبل أن تقل كثافة هذه الأشعة إلى النصف، مقارنةً بماء حمام سباحة عادي. مع وجود أكثر من 11 ألف كاشف عن الضوء في أعلى وجانبي الخزان، وذلك لاكتشاف وتضخيم، وقياس ومضات الضوء الضعيفة جدًا التي ستظهر في الماء النقي.

حيث أن الغالبية العظمى من جسيمات النيوترينو الناتجة من الضوء تمر صحيحة من خلال الماء الموجود في الخزان. ولكن بين الحين والآخر يحدث اصطدام بين نيوترينو ونواة ذرة ما أو إلكترون في الماء. ونتيجة هذه الاصطدامات تم تكوين ميوونات من نيوترينو-الميون، وإلكترونات من نيوترينو-الإلكترون. حيث تكونت ومضات خافتة باللون الأزرق حول الجسيمات المشحونة، وهذا الضوء هو ضوءCherenkov، الذي ينشأ عندما يسافر جسيم بسرعة أكبر من سرعة الضوء.

  • النيوترينو والنسبية، والتوصل إلى الاستنتاج

واقعيًا هذا الاستنتاج لا يحطم نظرية أينشتاين النسبية بأنه لاشيء يستطيع التحرك أسرع من الضوء في الفراغ، ولكن سبب هذه النتائج أن التجربة تمت في الماء، حيث انخفضت سرعة الضوء إلى 75% من سرعته القصوى، وبالتالي تستطيع الجسيمات المشحونة تجاوز هذه السرعة. ولذلك فإن شكل وشدة ضوء Cherenkov، يكشفان نوع النيوترينو، ومن أين يأتي.

وفي خلال عامين، قام “سوبر كاميوكاندي” برصد حوالي 5000 نيوترينو، وهو عدد كبير مقارنةً بالتجارب السابقة، لكن أقل مما توقعه العُلماء. حيث تم رصد أشعة نيوترينو-الميوون القادمة من الفضاء، وأيضًا القادمة من الغلاف الجوي للأرض مباشرة. حيث يجب أن تكون أعداد النيوترينو القادمة من الاتجاهين متساوية، بحيث أن الأرض لا تُمثل أي عقبة أمامهم. ولكن كان عدد نيوترينو-الميون التي جاءت مباشرة من الغلاف الجوي، وصولًا إلى التجربة أكبر من تلك القادمة من الفضاء والتي مرت عبر العالم أولًا. مما يدل على وجود تغيير في خواص هذا النيوترينو، وأن جسيمات النيوترينو التي تقطع مسافة كبيرة لتصل للتجربة لديها الوقت لتغيير هويتها. كما كان متوقع تحولها إلى النوع الثالث من النيوترينو وهو نيوترينو-التاو لكن هذا لم يحدث.

  • تجربة آرثر ماكدونالد للتوصل إلى اكتشافه

أما في كندا كانت تجربة العالم آرثر ماكدونالد عبارة عن رصد النيوترينو القادم من الشمس والناتج عن التفاعلات النووية، ذلك عن طريق مرصد على عمق 2 كيلومتر تحت سطح الأرض.
وبما أن التفاعلات النووية تثير انطلاق نيوترينو-الإلكترون فقط، فقد تم رصدها بواسطة 9500 كاشف عن الضوء، في خزان مليء بـ 1000 طن من الماء الثقيل. حيث يختلف الماء الثقيل عن الماء النقي بأنها تحتوي على نظير الهيدروجين الذي يحتوي على نيوترون إضافي، ويُسمي بــ (الديوتيريوم).

تم رصد نيوترينو-الإلكترون القادم من الشمس فقط، والتي من المفترض أن تساوي الثلاثة أنواع الأخرى من النيوترينو والتي تم رصدها معًا من الشمس أيضًا. ولكن كانت النتيجة أن نيوترينو-الإلكترون القادم من الشمس فقد ثلث كتلته عندما وصل إلى الأرض، وهذا يدل على تغيير واضح حدث للنيوترينو-الإلكترون خلال الـ 150 مليون كيلومتر التي قطعها في رحلته الطويلة من الشمس إلى الأرض. مما يدل على أن جسيمات النيوترينو قادرة على تغيير هويتها، وقيامها بحركة اهتزازية.

  • لماذا يستحق هذا الاكتشاف جائزة نوبل؟

ويعتبر معرفة كتلة النيوترينو، الذي طالما تم الاعتقاد بأنه عديم الكتلة، تحديًا جديدًا أمام العالم، وبوابة جديدة في علم الفيزياء، تغير نظرتنا عن الكون من حولنا، لأن النموذج القياسي الذي نتعامل به مع الكون يعتمد في أساسه على أن جسيم النيوترينو عديم الكتلة، مما أدى لحدوث أول شرخ حقيقي في النموذج القياسي المعروف للكون، وأصاب النظرية الأساسية لوظيفة الكون من حولنا بالنقصان، وبالتالي يستحق هذا الاكتشاف جائزة نوبل لهذا العام، لأنه وضعنا أمام رؤى جديدة، فيستمر البحث لفهم خصائص النيوترينو ودراسته، مما يتوقع تغيير فهمنا للتاريخ والكون، وتغيير نظرتنا المستقبلية للكون.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد