بعد فيلمه الوحيد Single Man، من بطولة الممثل الإنجليزي الحائز على الأوسكار كولين فيرث، يعود إلينا المخرج الأمريكي «توم فورد» بفيلم جديد من كتابته، وإخراجه يجمع فيه قدراته الاستثنائية في إبداع الشخصيات المركبة، والتراكيب البصرية غير المعتادة، والمسارات القصصية المتداخلة.

فيلم Nocturnal Animals (حيوانات ليلية)، يحكي قصة الفنانة الثرية «سوزان مورو» -الممثلة الجميلة إيمي آدامز- التي تمتلك جاليري كبيرًا في إحدى المدن الأمريكية، التي تنتقل للعيش فيها مؤخرًا مع زوجها الثري والنافذ «هاتون مورو» -آرمي هامر نجم فيلم الحركة U.N.C.L.E-، تستقبل سوزان في أحد الأيام طردًا مغلفًا بعناية، فتجد داخله مخطوطة لرواية أرسلها لها زوجها السابق «إدوارد شيفلد» -جيك جيلنهال- تحمل نفس عنوان الفيلم «حيوانات ليلية».

تبدو «سوزان» مرهقة للغاية، وعصبية، وعاجزة تمامًا عن النوم، يتركها زوجها «هاتون» وحيدة في منزلهما الشاسع الفخم من أجل رحلة عمل، فلا تجد شيئًا تمضي به الوقت في الليل سوى مطالعة الرواية.

المصدر: seattletimes.com

المخطوطة السوداء

يأخذنا «فورد» في قصة موازية مع كل مرة تبدأ فيها سوزان قراءة المخطوطة، حيث يتتبع قصة عائلة صغيرة مكونة من الزوج «توني» –يقوم جيلنهال بهذا الدور أيضًا في أداء مزوج-، والزوجة «لورا»، والابنة «إنديا»، تبدو العائلة في طريقها ليلًا داخل سيارتهم المرسيدس إلى مكان ما يخططون لقضاء عطلة فيه، وبعد ساعات من القيادة البطيئة، والحذرة على طريق مظلم تمامًا، تتجاوزهم سيارة أخرى بها مجموعة من الشباب الصاخب، وتبدو تلك السيارة كما لو كانت تتعمد إعاقة طريق «توني» عبر حركات صبيانية يقومون بها بسيارتهم.

يشعر توني بالتوتر، ويحاول ببطء اجتياز الشباب، وبمجرد أن يفعل ذلك تشير إليهم الابنة إنديا من الزجاج الخلفي بإشارة غاضبة بإصبعها، يلومها الوالدان على تصرفها، فيما تستثير تلك الإشارة حفيظة الشباب الذين يتقدمون بسيارتهم مرة أخرى مرتطمين بسيارة توني، ومجبرين إياه على التوقف في جانب الطريق.

يتصاعد توتر توني، وتبدأ الأسرة في الشعور بالخوف الشديد وسط ظلام الطريق المهجور، والصمت المطبق الذي يخيم على المنطقة. يترجل الشباب الثلاثة عن سيارتهم ويتجهون ناحية توني.

وعبر ما يقرب من ربع الساعة يأخذنا الفيلم في رحلة مظلمة إلى عالم من النفوس البشرية المشوهة، يبدأ الشباب الثلاثة في رحلة تعذيب نفسي بطيء للأب والأم والابنة، يستخدمون فيها التلاعب، والإيهام، والتخويف، والتحرش بالإناث الذي بدأ باللمس وانتهى بفرض النفس بالقوة، يتحرشون أيضًا بالأب في البداية، ثم يضربونه بعنف لاحقًا. يبدو توني وسط كل ذلك ضعيفًا معدوم الحيلة، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل، تستنجد الأم والابنة به فتخرج محاولات الاعتراض منه على تصرفات المعتدين الشباب يائسة وعديمة الجدوى. وسط صراخهما يحاول أن يطمئنهما من حين لآخر بكلمة «كل شيء سيكون على ما يرام»، إلا أن ذلك لا يبدو وعدًا ذا قيمة. الشخصية المسيطرة داخل عصابة الشباب هو «راي ماركوس» -إيرون تيلور جونسون- شاب شهواني تسيطر عليه رغبة متوحشة في إيذاء الآخرين، ويجد تحت يديه ضحية ضعيفة مثل «توني» والسيدتين اللتين بصحبته، فتفور في صدره دماء حيوانية شبقة، كالتي تنبض في قلب ضبع مفترس عندما يسيطر على فريسة لحمية، ويحكم غرس أسنان فكيه في عنقها، ثم تستثيره رائحة الدماء أكثر وأكثر؛ فينزع إلى الإجهاز عليها بلا رحمة حتى تصير جثة هامدة، حينها فقط يهدأ، وقد حاز على متعته كاملة، ثم يدرك أنه اصطاد لأنه جائع، فيبدأ في الأكل بشكل ميكانيكي لا يشكل في حد ذاته المتعة الرئيسية في تلك التجربة.

يختطف ماركوس الفتاة والمرأة في سيارته ويفر بهما مع آخر، ويترك تومي مع صديقه «لوو»، حيث يأمره لوو بقيادة السيارة إلى بقعة معينة في الصحراء، قبل أن يتركه في الظلام، ويفر بالسيارة المرسيدس.

المصدر: indiewire.com

قلب غارق في الحب وآخر في القسوة

يلعب «جيك جيلنهال» دور الزوج الضعيف المستسلم ببراعة، على الرغم من اعتياده لعب أدوار يكون له فيها المتحكم الكامل على مسار الأحداث، والتمتع بقوة الشخصية التي تدعمه فيها بنيته الجسدية القوية، مثل أدواره في أفلام Prince of Persia و Zodiac. وتدرك «سوزان» أثناء قراءتها للمخطوطة أن زوجها السابق يحاول أن يرسل إليها رسالة حزينة وسودوية من خلال روايته، لأن «الضعف» هو السبب الرئيسي الذي جعلها تتركه سابقًا.

وفي مسار ثالث يأخذنا «فورد» إلى الماضي قليلًا، حيث تتعرف سوزان على إدوارد وتقع في غرام الروائي الشاب الذي يحاول أن يشق طريقه في عالم الكتابة، يبدوان شديدي الاختلاف، وعلاقتهما غير منطقية ومتناقضة، هو فقير وهي ثرية، هو شديد الحساسية بينما تبدو هي قوية غير مكترثة كثيرًا بالمشاعر، يبدو مترددًا بينما هي واثقة وتعلم أهدافها بدقة. تواجهها والدتها «آن» -الممثلة الكبيرة لورا ليني- بهذه الحقيقة، تخبرها «يمكنك أن تحبيه، لكن لا يمكنك أن تتزوجيه.. هو ضعيف للغاية». تبدو سوزان حمائية قليلًا، ومعتدة بنفسها كثيرًا، وهي تعترض على والدتها: «هو ليس ضعيفًا هو حساس.. أنا لست مثلك يا أمي»، تنظر أمها إليها نظرة باردة وقاسية ومصممة: «عاجلًا أو آجلًا كلنا نصبح مثل أمهاتنا!». تدرك سوزان في قرارة نفسها أن أمها على حق.

المصدر: imdb.com

وفي عودة للحاضر، وفي مكتبها بالجاليري تلاحظ مساعدتها أن الإرهاق يبدو واضحًا على «سوزان»، فتسألها عن السبب، فتخبرها سوزان أنها لا تنام تقريبًا، وأن زوجها السابق كان يطلق عليها «حيوان ليلي» –إشارة ثالثة لنفس المصطلح، الأولى في اسم الفيلم، والثانية في عنوان مخطوط الرواية-، فتنظر إليها مساعدتها باندهاش قائلة: «لم أكن أعلم أن لديك زوجًا سابقًا!».

ولكونه مصمم أزياء في الأساس، يستخدم «توم فورد» خبراته الفنية في إبراز الشخصية القوية لـ «سوزان» بطريقة بصرية رائعة، عبر مكياجها الذي يضفي على وجهها غلافًا بلاستيكيًّا قاسيًا، وعينيها اللتين تبدوان زجاجيتان باردتنا كعيني مصاص دماء، وهو تأثير أبرزه أيضًا طلاء شفتيها القاني، بجانب ملابسها الفاخرة التي تتراوح ألوان قطعها بين ألوان الأبيض والأسود دون ألوان دخيلة، في إشارة إلى الشخصية التحكمية القاطعة التي تسكن داخل هذه الأنثى.

كان من الواضح أن سوزان كانت قد ارتبطت بإدوارد في علاقة لفرض السيطرة، علاقة تشعر فيها سوزان بالمتعة لقدرتها في التحكم بهذا الكائن الضعيف المهتز. وبمجرد أن تتعرف على هاتون مورو تتركه فورًا دون أدنى اهتمام لتوسلاته بإعطاء علاقتهما فرصة أخرى، أو حتى إعطاء أنفسهما الوقت الكافي لمناقشة قرارها. لم يكن ذلك كل ما في الأمر، لأن سوزان ارتكبت في حقه أيضًا أمرًا رهيبًا، ربما كان السبب في عدم قدرتها على النوم عبر كل تلك السنوات، على الرغم محاولاتها لنسيان الأمر للدرجة التي تغفل بها ذكره -عمدًا- للآخرين فيشعرون بالدهشة -مثل مساعدتها- عندما يعلمون بالأمر.

الانتقام برواية

وفي روايته يبدو وكأن إداورد يعكس طبيعة سوزان على شخصيات ماركوس وعصابته، الحيوانات الليلية التي اقتحمت حياته هو وأسرته وسط الظلام لتفترس مشاعرهم بلا رحمة.

المصدر: indiewire.com

يصل توني -يعكس فيه إدوارد شخصيته الحقيقية- إلى أقرب مدينة ليطلب النجدة من الشرطة، ويساعده الشرطي «بوبي آنديس» في محاولة الوصول إلى أسرته، ولعصبة الشباب الذين اختطفوهم. يلعب الممثل المخضرم «مايكل شانون» دورًا مركبًا، يوحي إليك في البداية أن آنديس شرطي فاسد قد يكون متواطئ في الأصل مع عصابة الشباب، ثم تعرف أنه يحتضر إثر إصابته بسرطان الرئة، وبعد أن يعلم طبيعة الأهوال التي مر بها توني وأسرته، يعد الأخير بأنه سيساعده في الانتقام من العصابة، وتحقيق العدالة بطريقته الخاصة، لأنه ليس لديه ما يخسره.

المصدر: seattletimes.com

يدور الفيلم حول القشرة الحضارية الرقيقة التي تغلف شخصية الإنسان الذي قد يتحول لحيوان فتاك بلا رحمة في أي وقت، وعلى غرار الفيلم الأسترالي الذي رشح للأوسكار في 2010 «Animal Kingdom» يغوص الفيلم بشكل عميق في النفوس الإنسانية؛ ليسلط الضوء على البون الشاسع بين صفاتها، بين القوة والضعف، السيطرة والخضوع، النشوة والزهد، القسوة والرحمة، اليأس والأمل.

الفيلم فاز بجائزة الجولدن جلوب هذا العام، عن دور آرون تايلر جونسون كأفضل ممثل، ورشح أيضًا لـ9 جوائز BAFTA، ومتوقع أن يحوز قدرًا معتبرًا من الترشيحات لجوائز الأوسكار، والتي ستُعلن في الـ24 من يناير الجاري.

مقابلة مع أبطال الفيلم:

عرض التعليقات
تحميل المزيد